صلحة شفاعمرو الكبرى

single

ساءت العلاقة بين إخواننا وأهلنا في شفاعمرو من المسلمين والدروز وفي أعقاب الخلاف والنزاع الذي نشب بينهم على الأرض والذي امتد مدة طويلة من الزمن وازدادت الحالة سوءا على اثر مقتل صالح أفندي المحمد (حسبما ذكرت في مقالتي السابقة) أضف إلى ذلك أنه لم يمض كثير وقت على ذلك كله حتى شبت ثورة 1936 وفي خضم هذه الثورة العارمة، والتي انحرفت في كثير من الأحيان عن مسارها الصحيح وعن الأهداف التي قامت من أجلها، يقوم بعض الثوار المنحرفين عن الثورة وأهدافها، وبدوافع إجرامية، بقتل المرحوم الشيخ حسن خنيفس والد الشيخ صالح خنيفس بتاريخ 1/1/ 1939 من غير ذنب وعلى غير وجه حق وقتل معه بعض رفاقه في نفس الوقت هما حسين شاهين وعبدالله الشوفانية بينما قتل المرحوم مهنا شاهين بعد أن نجا منهم فيما بعد، أثر وقيعة أوقعوه بها وقد تم إلقاء الآخرين وعددهم اثنا عشر شخصا، بعد اختطافهم، في بئر مهجورة في منطقة وعرية بالقرب من قرية كوكب أبو الهيجاء (تم احتجازهم ما يقرب العشرين يوما إلى أن تم انتشالهم فيما بعد وبعد أن تدخل البوليس البريطاني لاكتشاف مكانهم) وتحدث على اثر ذلك فتنة شديدة بين أهلنا من مسلمي شفاعمرو ودروزها امتدت ردحا من الزمن ورافقها اعتداءات على الأرواح والممتلكات إلى أن قام نفر من أهل الخير ومنهم المطران حجار والمرحوم والدي ووجهاء الطائفة الدرزية وكثيرون من وجهاء البلاد وسعوا من أجل إزالة الخلاف واستدعوا لهذا الغرض وفدا رفيع المستوى من مشايخ الجبل في سوريا ومن أعيان لبنان وقاموا بتشكيل لجنة صلح كبيرة ضمت العديد من رجالات فلسطين أقامت في شفاعمرو مدة 14 يوما ولم تغادرها حتى توصلت أخيرا وبعون الله الى حل المشكلة ونجحت بإصلاح ذات البين بين الطائفتين الكريمتين وتمكنت بعد جهود طويلة ومضنية من إرساء قواعد الصلح بين الفريقين وعقد راية الصلح بينهما ووضع حد لهذه الفتنة العمياء. وقد تم عقد هذه الصلحة في شهر كانون الثاني من سنة 1940 وجرت على شكل مهيب في الساحة الواقعة ما بين الكنيسة والجامع وحضرها سيادة المطران حجار وآلاف الناس من وجهاء البلاد من شفاعمرو وخارجها وخصوصا من القرى الدرزية في كل من الكرمل والجليل وكان يوما مشهودا من أيام شفاعمرو الخالدة...

وكما ذكرت آنفا، فقد حضر لهذا الغرض وفد كبير ورفيع المستوى من كبار مشايخ وشيوخ الطائفة الدرزية الكريمة في سوريا والجولان ووقف على رأس هذا الوفد عبد الغفار باشا الأطرش وزير الدفاع السوري وعضوية كل من الأمير زيد بك الأطرش قائد الدرك السوري وحمزة بك الدرويش والشيخ أسعد بك أبو صالح من مجدل شمس والشيخ جبر مراد الصفدي والشيخ جبر سلامة والشيخ سلمان السعد من جولس وهاني أبو مصلح وسلامة بك نجم والدكتور حمزة مدير المستشفى الحكومي في حيفا وتشكل الوفد الفلسطيني من الشيخ أسعد قدورة مفتي صفد وقاضي عكا وفخري بك النشاشيبي من القدس وفخري بك عبد الهادي من عرابة جنين ورشيد الحاج ابراهيم من حيفا وأحمد الادلبي من عكا وفريد بك ارشيد من جنين ورئيس بلدية طولكرم وكامل القاضي من ترشيحا وفارس بك سرحان من الكابري والشيخ صالح السليم من صفورية والشيخ ابراهيم العبدالله من سخنين والوجيه عبد المجيد حسين من دير حنا والسيد يوسف بك الفاهوم رئيس بلدية الناصرة ومحمد بك عبد العال من الزيب والشيخ ياسين ياسين من عرابة البطوف وحسين بك عبد الصمد قاضي محكمة الصلح في حيفا ومحمد بك البرادعي قاضي محكمة العدل العليا في فلسطين والقائمقام رفيق بك بيضون والقائمقام فريد بك السعد والسيد داؤد العيسى محرر جريدة فلسطين التي كانت تصدر في مدينة يافا...

ومما يذكر أن الوفدين أقاما في شفاعمرو مدة أربعة عشر يوما بكاملها ولم يبرحاها حتى تكللت مساعيهما بالنجاح وقد أقام وفد مشايخ الجبل السوري بضيافة الطائفة الدرزية الكريمة وأقام الوفد الفلسطيني بضيافة والدي في بيته طيلة مدة إقامتهم في شفاعمرو والذي قدم لهم كل مساعدة ممكنة ولم يألُ جهدا في بذل المستطاع لإنجاح كل المساعي ولتحقيق الصلح والسلام بين أهل بلده...

وقد بذل المستر ايفانس حاكم اللواء البريطاني مساعي حميدة لمساعدة الطرفين للتوصل إلى الصلح وكان البريغادير مونتغومري، الذي أصبح فيما بعد "فيلد مارشال" وقائدا لقوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، قد التقى الشيخ صالح في وقت ما وطلب منه عقد الصلحة لأن الحرب العالمية كانت على وشك أن تقع...

وبعد عقد راية الصلح التي حملها
الشيخ أسعد قدورة وتكلم في هذه الصلحة كل من فخري بك النشاشيبي وألقى كلمة الوفد زيد بك الأطرش دعا فيها إلى الوحدة الوطنية الحقيقية وقد تم دفع دية قيمتها 300 جنيه فلسطيني، وكانت مبلغا لا يستهان به في ذلك الوقت، قام الشيخ صالح بإرجاعها كاملة إلى أصحابها بكل أريحية أمام الملأ وأمام كل الحاضرين والمدعوين وألٌقى كلمة أدان بها هذا الاعتداء وطالب "بعدم قتل العربي لأخيه العربي وبعدم الاعتداء عليه!!"...

وفي أثناء هذه الصلحة أقيم مهرجان للخيل برع فيه الشيخ حمزة الدرويش وكان فارع الطول طويل الباع وأحرز قصب السبق ولم يستطع أن يجاريه أحد من الخيّالة!!...


صورة تذكارية للوفد



الجالسون من اليسار إلى اليمين: 1- حمزة الدرويش 2- زيد بك الأطرش 3- عبد الغفار باشا الأطرش 4- حاكم اللواء المستر ايفانس 5- الشيخ أسعد كنج أبو صالح (من مجدل شمس) 6- الشيخ جبر مراد الصفدي 7- والد الدكتور حمزة



الواقفون: من اليسار إلى اليمين 1- الشيخ سلمان ماضي (جولس) 2- حسين بك عبد الصمد (حاكم محكمة الصلح في حيفا) 3- محمد بك البرادعي (حاكم مركزية حيفا) 3- الدكتور حمزة مدير المستشفى الحكومي في حيفا (رمبام اليوم) الذي استضاف الوفد في بيته في حيفا 4- القائمقام فريد بك السعد 5- القائمقام رفيق بك بيضون 6- عيسى العيسى (محرر جريدة فلسطين) ومن بينهم أيضا هاني أبو مصلح (الذي كان مديرا لمدرسة شفاعمرو الحكومية – المكتب) وسلامة بك نجم...

قد يهمّكم أيضا..
featured

الانضباط الذاتي

featured

نتنياهو يعتمد التطهير العرقي في استراتيجيته مع الفلسطينيين

featured

نرفض ان نكون جنودا في جيشكم

featured

الفرضيات الخاطئة.. والنتائج الخائبة!

featured

ذكرى محمد الدرة

featured

أحمد الأسمر في قبرص والقائد في لينينغراد

featured

قطار "تساهل ما بستاهل "..

featured

ليس على حساب أرضنا!