*علينا ايضا أن نذكر، أن هتلر وصل إلى الحكم من خلال انتخابات، وصادق على قوانين في البرلمان، وهو ادعى أنه يدافع عن الأمة الألمانية في وجه اعدائها!*
* إن الديمقراطية ليست فقط حق الأغلبية بأن تحكم، لأن الغالبية هي اصلا غالبية، بل امتحان الديمقراطية هو مدى قدرتها على الدفاع عن الضعيف، وعن الاقلية.. الدولة لا يمكنها أن تكون ديمقراطية وفي نفس الوقت ان تمارس الاحتلال وتفرض الحصار على شعب بأكمله.. ولا يمكنها أن تدعي أنها ديمقراطية وتمارس نظامين اجتماعيين ومدنيين مختلفين على مواطنيها، نظام للأغلبية وآخر للأقلية *
لي رفيق عرفته منذ سنين طويلة في حزبي الشيوعي، والتقيه في المظاهرات التي ترفع صوت قضايانا، قضية السلام، وقضية العدالة الاجتماعية وغيرها، وحين انتشر نبأ استجابتي لدعوة رئيس الكنيست للمشاركة في وفد الكنيست لإحياء اليوم العالمي لذكرى ضحايا النازية الذي جرى في اوشفتس اتصل بي وقال لي : أتوجه اليك بطلب أن تسافر إلى هناك باسمي.
ورفيقي يدعى مردخاي فرويند، من بيتح تكفا، وهو أحد الناجين من معسكر الابادة النازي أوشفيتس، وقال لي إنه بالاصل من عائلة يهودية متدينة جدا، فسألته: كيف من الممكن أن تكون ابنا لعائلة حاخامات وتنتسب للحزب الشيوعي، وحينها أجابني ببساطة: إنني أعلم من أدخلني إلى أوشفيتس، ولكن بالاساس أنا اعرف من الذي أخرجني من هناك.
في يوم الأحد الماضي شاركت في حفل لرابطة خريجي الاتحاد السوفييتي بالذكرى الـ 65 للنصر على النازية، وكان الاحتفال في مدينة حيفا، وبمشاركة قنصل روسيا في المدينة والملحق الثقافي في السفارة الروسية، وكانت مناسبة للاعتراف بفضل الشعب السوفييتي والامتنان له، على دوره الاساسي في تعليم طلابنا، واستيعاب أعداد كبيرة منهم في الجامعات السوفييتية.
وقبل ذلك بيوم، كان الاحتفال في غابة الجيش الأحمر قرب القدس الغربية، بمبادرة من الحزب الشيوعي، وهو تقليد قائم منذ أكثر من60عاما، ويحرص الحزب على هذا التقليد حتى يومنا هذا، وبالإمكان القول إن أقدم شخص في هذه القاعة (الهيئة العامة للكنيست) يشارك سنويا في يوم النصر على النازية، هو النائب الدكتور عفو اغبارية من كتلة الجبهة الديمقراطية، الذي يشارك في هذا اليوم منذ أن كان طفلا صغيرا وحتى اليوم.
إن النصر على المانيا النازية يوم التاسع من ايار العام 1945، هو يوم دخول الجيش الأحمر إلى برلين، للقضاء كليا على الوحش النازي وقد مرت عشرات السنوات حتى اعترفت إسرائيل الرسمية بالدور الحاسم للجيش الأحمر، ولكن هذا النصر يجب أن نذكره من خلال القيم التي استند اليها: قيم الوطنية التي ترفض التعصب وتدافع ببسالة عن الوطن السوفييتي وقيم الانسانية والأممية، إذ ان الاتحاد السوفييتي لم يدع الشعوب ضحية يفترسها الوحش النازي.
إن الحقيقة التي تلازمني منذ ذلك اليوم الرهيب الذي زرت فيه معسكر أوشفيتس، في اليوم العالمي لاحياء ذكرى ضحايا النازية، هو أني ما زلت أرى أمام ناظري أكوام أحذية الأطفال الصغار، وأرى كم من الممكن أن يكون وجه الانسان قبيحا، وآتي إلى هنا، إلى الكنيست، لأرى امامي، بين الضيوف الذين يحضرون الجلسة، مقاتلين بواسل حاربوا النازية، لأقول كم من الممكن أن يكون وجه الانسان جميلا.
ولكن علينا ايضا أن نذكر، أن هتلر وصل إلى الحكم من خلال انتخابات، وصادق على قوانين في البرلمان، وهو ادعى أنه يدافع عن الأمة الألمانية في وجه اعدائها، ومن أولئك الذين يريدون ابادة هذه الأمة، لقد ترأس حزبا أطلق على نفسه اسم: الحزب الوطني الاشتراكي، وبعد الحرب وهزيمة النازية، بدأت تتدحرج مقولات في أوروبا: لم نر، لم نسمع، وحتى كان هناك من قال إننا في نهاية المطاف نفذنا الأوامر.
علينا إحياء يوم النصر على النازية، ولكن هذا يبقى من دون معنى إذا لم نتعلم المغزى والدرس.
لست في موضع المقارنات والمفاضلات، فهذا أمر غير صحيح وغير ضروري، والسؤال المطروح هو: أي درس يجب أن نذكره من خلف كل هذا،يمكن اطلاق المواعظ للعالم كله كيف عليه ان يستوعب درس الفاشية والعنصرية ولكن السؤال الذي لا يقلّ اهمية كيف نستوعب هذا الدرس نحن الجالسون في هذا البرلمان بكل تياراته وأحزابه: أنا وأنت وهو.
إن الديمقراطية ليست فقط حق الأغلبية بأن تحكم، لأن الغالبية هي اصلا غالبية، بل امتحان الديمقراطية هو مدى قدرتها على الدفاع عن الضعيف، وعن الاقلية، وقدرتها على أن تصمد في الأيام الصعبة، ومدى سلامة النظام السياسي الذي يجري الحكم عليه من خلال شكل تعامله مع الاقلية، ومدى قدرته على لجم شهوة الاغلبية لقمع الاقلية وسن قوانين عنصرية للتنكيل والاقصاء.
إن الدولة لا يمكنها أن تكون ديمقراطية وفي نفس الوقت ان تمارس الاحتلال وتفرض الحصار على شعب بأكمله.
ولا يمكنها أن تدعي أنها ديمقراطية وتمارس نظامين اجتماعيين ومدنيين مختلفين على مواطنيها، نظام للأغلبية وآخر للأقلية.
إنني أدعو اليوم والآن إلى أوسع تعاون عربي يهودي من أجل الدفاع عن الديمقراطية والنضال من أجل السلام والمساواة : السلام الذي ببالغ الاسف، وعلى الرغم من المحادثات التي كما يبدو ستبدأ، فإنه يبتعد اكثر واكثر، ولكنه يبقى حاجتنا وفي ضميرنا، والديمقراطية الاسرائيلية التي تواصل سقوطها في الحضيض ولكنها تبقى اكسير الحياة.
إذا لم نستوعب هذه الدروس، فإننا نكون قد اقمنا طقوسا احتفالية وننتظر العام الآخر كي نحتفل من جديد، ولكن دون جدوى، وآن الأوان لفعل شيء.
