استحضرت ثورات الشعوب العربية واقعا عربيا وعالميا جديدا علينا دراسته بعلمية وعمق، وهو حالة ثورية حلم بها الشيوعيون والثوريون في كل العالم.. صحيح أن هذه الثورات لم ترفع شعارات مثل الاشتراكية والشيوعية الا أنها حاكت وتماثلت مع القيم والمثل التي ميزت وتميز الشيوعيين والاشتراكيين عبر التاريخ.. هي قيم الحرية والإنسانية واحترام الإنسان والحقوق الفردية والجماعية وحرية التنظيم السياسي والإبداع ونظافة الموقف واليد والحفاظ على موارد الأوطان والاستقلال الحقيقي ومعاداة الاستعمار والرجعية والتخلف وصيانة دور المرأة.. فهل انعكست هذه الثورات وصيرورتها في الأدبيات والنصوص الشيوعية؟
الجواب هو نعم. فالبذور الفكرية للثورات موثقة بوضوح في أهم وثيقة ماركسية ألا وهي البيان الشيوعي.
الثورات الشعبية المجيدة للشعوب العربية انطلقت بفعل عوامل وأسباب كثيرة، اجتماعية وسياسية واقتصادية وحقوقية وأخلاقية ونفسية، موضوعية وذاتية تخص كل بلد وبلد من جهة وتخص مصير الأمة العربية جلها من جهة أخرى... كتب المحللون عنها الكثير وسيكتب آخرون الكثير في المستقبل نظرا لتميز مساراتها ومضامينها وزخم صحواتها.
المميز لهذه الثورات أنها جمعت كل مركبات "الثورة الشعبية" بالمفهوم الشامل حيث رفعت شعار الخبز والعمل الى جانب شعار الحرية والعدالة، وبرزت المطالبة بالحرية كون "الحرية" درّة تاج الحقوق السياسية والمطالب الإنسانية والاجتماعية، والتي حرمت منها الشعوب العربية لعقود وعقود بفعل قبضة الحكام الديكتاتوريين والرجعيين
مقابل الثورات برزت مظاهر "الثورة المضادة "والتي تجلت بالقمع الأمني للأنظمة والتحايل والتضليل والكذب، وبتجنيد القوى والإعلام وأخيرا بظاهرة البلطجة والاعتداء على الثوار بواسطة قبضات أبناء الشعب ووسائلهم الحياتية،ذروتها برزت في "واقعة الجمل" في ميدان التحرير وفي الاعتداء بالحجارة على المتظاهرين في عمان..
إن أية دراسة علمية تحليلية لعصر الثورات هذا، لا يمكن أن تكون علمية وذات مصداقية ان تجاهل النصوص التحليلية للعمل الثوري الذي جاء في البيان الشيوعي الذي كتبه معا المفكران والفيلسوفان كارل ماركس وفريديك انجلز، والذي يعتبر الحجر الأساس في نمط وطريقة التفكير والتحليل للصراعات والتناحر في المجتمعات.
1."الشعب يريد اسقاط النظام":
هذا الشعار بنصه العربي والذي زين مظاهرات تونس ومصر واليمن وليبيا، وجد جذوره في البيان الشيوعي بالنص الحرفي التالي الذي وصف حتمية إسقاط الطغمة المسيطرة بواسطة القوة والأمن والرأسمال... "ويُنادون علانية بأن لا سبيل لبلوغ أهدافهم إلاّ بإسقاط النظام المجتمعي القائم، بالعُنف."
هنا يظهر بوضوح موقف ماركس وإنجلس من ضرورة استعمال العنف الثوري من قبل الشعب لإسقاط النظام ورموزه وقوانينه...
2.الوحدة الشعبية:
برزت وحدة قوى التغيير في الساحات والمظاهرات فشاهدنا المثقفين والعمال والفلاحين والشباب والنساء والجنود والمتدينين والطوائف.. وهذا ما تجلى بقوة في كل مظاهرات البلدان العربية، وهي حالة وجدت تعبيرها في البيان الشيوعي بالنص التالي" أيّها البروليتاريون، في جميع البلدان، إتحدوا. والبروليتاريون هم الناس الذين لا يملكون إلا قوة عملهم.اي العمال والفلاحين المنتجين و موظفي الخدمات وأصحاب الورشات الصغيرة...
3.محفزات الثورة:
التراكم الكمي والنوعي للفساد والظلم والفقر والحرمان انزل الناس الى الشوارع وحرك الجماهير وليس الفيس بوك الذي كان وسيلة تواصل لا أكثر. وهذا ما تنبأ به البيان الشيوعي كما في النص التالي:" والبرجوازية حيث ظفرت بالسلطة لم تُـبق على أية رابطة بين الإنسان والإنسان سوى رابطة المصلحة البحتة، والإلزام القاسي بـ "الدفع نقدا".، وحولت الكرامة الشخصية إلى قيمة تبادلية، وأحلّت حرية التجارة الغاشمة وحدها، محل الحريات المُـثـبَتة والمكتسبَة التي لا تحصى"?
4. العمر المحدود للنظام الفاسد المسيطر:
الحكام والأنظمة بفسادها وجشعها المتراكم خلقت وضعا لا يحتمله الشعب فقامت الثورات، وجاء "حفاري قبر النظام".
وقد عبر البيان الشيوعي عن هذه الحالة بالنص التالي: "وبناءً عليه يتضح أن البرجوازية عاجزة عن أن تبقي زمنا أطول الطبقة السائدة، وأن تَفرض على المجتمع شروط وجود طبقتها كقانون أعلى. فهي عاجزة عن أن تسيطر، لأنها عاجزة عن تأمين عيش عبدها، حتى في إطار عبوديته، لأنها مرغمة على تركه ينحطّ إلى وضع يُلزِمها بأن تُعيله فالمجتمع لم يعد يستطيع أن يحيا تحت سيطرتها، أو بعبارة أخرى، لم يعد وجود البرجوازية يلائم المجتمع.فالشرط الأساسي لوجود الطبقة البرجوازية ولسيطرتها، هو تكديس الثروة في أيد خاصة، لتكوين الرأسمال وإنمائه. وشرط وجود الرأسمال هو العمل المأجور. والعمل المأجور يقوم، حصرا، على المزاحمة. إنّ البرجوازية تُنتج، قبل كل شيء، حفّاري قبرها".
5. ظاهرة البلطجة وأعوان النظام:
كما في كل ثورة تظهر قوى تعاديها. قوي تمثل النظام الحاكم او قوى يدفع لها النظام ورموزه ثم يدفع بها للمعركة لتواجه مواجهة مباشرة الثوار كما حدث في ميدان التحرير حين دخل البلطجية بالحجارة والسكاكين او باستعمال الجمال والحمير والخيول...ليفرقوا المتظاهرين...وكما المرتزقة خدمة النظام الليبي او بلطجية النظام الأردني الذين اعتدوا بالحجارة على المتظاهرين المسالمين في عمان... هذه المجموعات هي ناس ساقطون اجتماعيا (بسبب الفقر والبطالة او تجارة المخدرات او اللصوص ومن يسعى للربح السريع والرخيص لأنانيتهم ولدونية وعيهم الوطني وتركيبتهم النفسية النرجسية والتملقية..) هؤلاء سماهم البيان الشيوعي" بالبروليتاريا الرثة" او الدونية...وشخصهم في النص كالتالي":
اما البروليتاريا الرثة،(اللومبنبروليتريا Lumpenproletariat دون، أو تحت البروليتاريا)، هذا النتن المُستسلم، حثالة الفئات الدنيا من المجتمع القديم، فإنها قد تنجرف هنا وهناك في الحركة بفعل ثورة بروليتارية، لكنها بحكم وضعها الحياتي كله تصبح أكثر استعدادا لبيع نفسها لمكائد الرجعية.
6. حتمية انتصار الثورات وتفاؤل بمستقبل للشعوب:
اشار البيان الشيوعي الى نصر الثورات الشعبية وسقوط الأنظمة الفاسدة وأكد أن الثوريين لن يفقدوا إلا أغلالهم وليس لهم بعد ما يخسرونه، لهذا سيستمرون للنهاية مقابل النظام الذي يسعى للهرب ليحافظ على جزء من أملاكه..هكذا هرب ورحل بن علي حاملا حقائب الذهب والدولارات.. وهكذا هرب مبارك وعائلته حاملين النقود والأسهم والهدايا.هذا ما كتبه ماركس وانجلس في البيان الشيوعي بشأن هذا الموضوع: "إنّ البرجوازية تُنتج، قبل كل شيء، حفّاري قبرها. فانهيارها وانتصار البروليتاريا، أمران حتميّان". وفي نص آخر جاء كما يلي: "فلترتعد الطبقات السائدة خوفا من الثورة. فليس للبروليتاريين ما يفقدونه فيها سوى أغلالهم وأمامهم عالم يكسبونه".
إن طابع ثورات الشعوب العربية هو طابع شعبي مجتمعي طبقي ووطني معاد للامبريالية والعولمة وانساني وحقوقي بامتياز، يتربع على قمته مطلب الحرية الفردية والفكرية والسياسية..وكلنا نعرف أن الشيوعيين والاشتراكيين العرب شاركوا على قدم وساق في انطلاقة وبلورة وانجازات وصناعة هذه الثورات،فشاهدنا الأعلام الحمراء وصور جيفارا ترفرف في الساحات، لكن هذا الموضوع لم يحظَ بحقه العادل إعلاميا لأسباب كثيرة نعرفها،أهمها سيطرة الإعلام البرجوازي والانتهازي في المنطقة.
(أم الفحم)
