لم أكن أتصوّر يومًا أن أكون راثية لأبي. هذا الرّجل الفاضل المناضل. كان والدي معلّمنا الدّائم.. نشأتُ مع إخوتي وأخواتي لنجد أنفسنا في مدرسة محبّة ونضال وطني.. لقد رضعنا منه ومن والدتي حليب محبّة النّاس واحترامهم.. وتعلّمنا الانتماء للوطن، والتّشبث بترابه.. ضخّ أبي المبادئ الأصيلة في عروقنا كما يضخُّ القلب الدّم ليحيا الجسد. أنشأ أبي إلى جانب أمّي بيتًا دافئًا مليئًا بالحب والقيم والذّكريات الحلوة منها والمرّة.. بيتًا موحّدًا في السراء وفي الضّراء.
في هذا البيت الوطني، وجدنا سيّد البيت مناضلا عنيدًا يرفض أن يُساوم على حساب قيمه الوطنية، ولطالما دفع ثمن ذلك من قوته ولقمة عيشه.. فكم من مرّة فُصل من عمله من اجل استعمال كلمة "فدائي" بدلا من "مخرب (محابيل)"، وكم من مرّة فُصل من اجل أوّل أيّار!
كم كان أبي قنوعًا يكتفي بالنّزر اليسير. يزهد بالكماليات والمظاهر الزائفة والمناصب التي أسماها "القشور".. فكرّس حياته جنديًا مجهولا دون السّعي وراء الشّهرة والمجد..
لا أبالغ إذا قلت إنّ والدي حمل صليبه على كتفيه.. صليب احترام الآخر من خلال احترام الذّات. فكان الحزب الشيوعي بيته السّياسي وقلعته الشامخة.. وكانت صحيفة الاتحاد حبيبته إلى جانب والدتي أطال الله عمرها.. فوزّعها وقرأها وحارب من اجل إعلاء شأنها على امتداد العقود.. كان يردّد أنّ الاتحاد منبر يحمل أفكاره في الصمود والشموخ ومحاربة الظالمين. كم اعتز بمشاركة الأهل في المناسبات الاجتماعية وتحديدًا الوطنية.. إلى ان اعياه المرض وألزمه الفراش.. وحتى حينذاك لم يتنازل عن المشاركة المعنويّة.
إسمحوا لي ان اروي لكم حادثة تحكي قصّة هذا الرّجل الفذ. في الستينيات من القرن الماضي، استشهد شُبان عرب خمسة، وأُقيمت لهم جنازة مهيبة في حيفا. تزامنت هذه المناسبة مع وجود أبي عاملا في فندق "دان" فطلب من المسؤول عن العمل ان يجيزه للمشاركة في الجنازة فرفض الأخير طلب والدي وبشدّة. إلا إن تصميم أبي على الذّهاب إلى الجنازة، دفعه إلى الحيلة فطلب من عامل صديق ان يرمي عليه حجرًا من أعلى.. وهكذا سال الدم من رأس والدي.. الامر الذي جعل المسؤول يضطر لتحريره ليذهب ويضمِّد جراحه.. وبدلا من ان يفعل مسح الدّم ووجد نفسه مشاركًا في الجنازة..
أقولها يا أبي أقولها وبكلِّ فخر واعتزاز.. اصرخ بأعلى صوتي.. يكفيني انني حظيت ان أكون ابنتك.. فمثلك يا أبي لا يموت حتى ولو وُوري الثرى.
إضافة إلى رعايته لنا في البيت والمدرسة والشّارع الوطني.. كان أبو يوسف مثقّفًا من الدرجة الأولى. فكم من كتابٍ قرأ وكم من مقالة اجتماعية وسياسيّة حلّل لنا وأمامنا.. وكم من بيت شعر علّمنا لنكون امتدادًا له في المعرفة والتواضع ومساعدة كلِّ سائل دون التبجح بفعل الخير أمام النّاس..
علّمنا ووالدتي إلا نحسد أحدًا على مال أو مأكل أو ملبس.. لكنّهما بالمقابل زرعا فينا الطّموح وحُبَّ العلم والمعرفة والارتقاء إلى كلِّ ما هو سامٍ.
لم استوعب يومًا أنّ والدي أنهى الدّراسة الابتدائية فقط.. فثقافته كانت اكبر دليل على أنّه ليس هناك رابطٌ مباشر بين الثّقافة والشّهادات المعلّقة على الجدران.
آهٍ يا أبي.. كيف ننساك وقد كانت لك ذاكرة كجذوع زيتون بلادي.. فكُنْتَ تحدثنا عبر السّاعات عن أيّام زمان.. كنت تشدنا بأسلوبك الشّيّق فننسى أنفسنا للحظات.. نعيش فيها تجاربك الغنيّة في الحياة.. منها القاسية جدًّا ومنها المرحة.. فأحينًا تترقرق عيناك بالدُّموع حزنًا وأحيانًا فرحًا واشتياقًا.
خسرناك يا أبي.. خسرنا عميدنا في الشدائد.. خسرنا "قرمية الحزب" كما لُقبت.. خسرنا الشجرة الكريمة المتشرشة الجذور في تلك الأرض الصّامدة.. فبرغم خسارتنا.. أعدك أعدك بكلِّ قطرة دمٍ تجري في عروقي أن نصمد على مبدئك.. مبدأ تحمّل الصعوبات من اجل القضية الكبرى.
ستبقى يا رمز الإباء.. أبًا نفاخر بفكره ووطنيته.. فإلى جنات الخلود يا أبي.. نم هانئًا قرير العين.. ولتكن ذكراك دائمة في قلوبنا، عقولنا وأرواحنا إلى الأبد يا أبا يوسف.
فباسمي وباسم أمي.. إخوتي وأخواتي وعموم آل خوري وكافة الانسباء والأقرباء والأصدقاء.. أتقدم بجزيل الشّكر وعظيم الامتنان وصادق العرفان لكلّ من شاركنا في تشييع الجثمان والحضور إلى بيت العزاء أو عن طريق وسائل الاتصال.
أشكر السادة المؤبِّنين ولا أنسى أن أتقدم بالشكر وبشكل خاص من الرّفاق في الحزب والجبهة على إقامة حفل التأبين هذا.
إنّ محبتكم ومشاركتكم خير عزاء لنا.. أطال الله في أعماركم جميعًا ونسأل الله عزَّ وجلّ أن يُلهمنا وإيّاكم الصّبر والسّلوان..
رحمك الله يا والدي وأسكنك فسيح جنانِهِ.
(نص الكلمة التي القيت في حفل التأبين الذي اقيم مساء يوم الجمعة الفائت)
