قرار التقسيم- الخلفية والأبعاد

single

أيدت عصبة التحرر الوطني سوية مع الأحزاب الشيوعية السورية والعراقية والمصرية قرار التقسيم ووزعت بيانا بألوف النسخ في البلدان العربية تشرح للشعوب العربية البعد الحقيقي للمؤامرة الاستعمارية- الصهيونية- الرجعية العربية ضد الشعب العربي الفلسطيني وان البديل لقرار التقسيم هو تجسيد كل المؤامرة بحرمان الشعب الفلسطيني من حقه الشرعي بالاستقلال والدولة

//في التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني الجاري، تصادف الذكرى السنوية لقرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 181 بتقسيم فلسطين التاريخية التي كانت واقعة تحت الانتداب البريطاني الاستعماري الى دولتين، دولة عربية فلسطينية ودولة اسرائيل بأكثرية يهودية واقلية قومية عربية فلسطينية. وقد جسّد قرار التقسيم هذا المؤامرة الاستعمارية – الصهيونية التي تمثّلت بوعد وزير خارجية الامبراطورية الاستعمارية البريطانية، بانشاء وطن قومي يهودي في فلسطين يخدم المصالح الاستعمارية ويكون مخفرا امبرياليا اماميا ضد حركة التحرر القومي والوطني العربية والفلسطينية، وبرميل المتفجرات الذي ينسف أي وكل احتمال للوحدة العربية التي تخدم مصالح الامة والشعوب العربية. ونتيجة للتآمر الاستعماري – الصهيوني وبتواطؤ العديد من الانظمة الرجعية العربية نفذ قسم من قرار التقسيم، اما القسم الثاني المتعلق باقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، فانه نتيجة لتآمر التحالف الثلاثي الدنس المذكور فانه ليس فقط لم يتحقق بل كان مسؤولا عن النكبة الفلسطينية وتشريد غالبية الشعب الفلسطيني الى اللجوء القسري خارج حدود بلاده وحرمان الشعب الفلسطيني حتى يومنا هذا، من حقه الشرعي في الحرية والاستقلال الوطني.
وتأتي ذكرى تقسيم فلسطين هذا العام في وقت تحتل فيه اسرائيل ومنذ أربعين سنة كل اراضي فلسطين التاريخية إضافة الى هضبة الجولان السورية، وفي وقت يتواصل فيه التآمر الامبريالي - الاسرائيلي الصهيوني – الرجعي العربي على الحقوق الوطنية الشرعية الفلسطينية لتقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ من ثوابت الحقوق والارض والسيادة الفلسطينية. وقبل ان نتطرق الى مدلولات قرار التقسيم في الظروف القائمة اليوم وانعكاساتها على تطور القضية الفلسطينية على ساحة الصراع، نود ايراد بعض الحقائق حول قرار التقسيم الذي تحاول الرواية الصهيونية الاسرائيلية تزويرها.
مارس الاستعمار البريطاني الذي كان منتدَبا على فلسطين سياسة مزدوجة في فلسطين لم تكن مدلولاتها تخدم أبدا المصالح الوطنية للشعب العربي الفلسطيني بل تنحاز الى دعم الصهيونية والاستيطان الكولونيالي في فلسطين، فمن جهة كانت تشجع الهجرة اليهودية الى فلسطين وتقدم له مختلف أشكال الدعم وتسهيل عملية انتقال رؤوس الأموال اليهودية الصهيونية وغير الصهيونية للهيمنة تدريجيا على الاقتصادي الفلسطيني (احتلال الارض والعمل والسوق) وعلى البنية التحتية وتجهيز الأرضية والقاعدة "لدولة يهودية صهيونية على الطريق" وبناء قوات عسكرية صهيونية ونقابات صهيونية ومعسكرات استيطان يهودية على اراض عربية منهوبة أو اراض اشترتها الوكالة اليهودية من اقطاعيين عرب من ذوي الضمائر الوطنية الميتة. ومن جهة ثانية كان الانتداب البريطاني يمارس سياسة تأجيج الصراع الدموي بين اليهود والعرب، بهدف اطالة عهده الاستعماري في فلسطين ومنع الاستقلال الفلسطيني لأطول مدة زمنية ممكنة. وفي كتابه "التجربة والخطأ" يكتب أحد قادة الحركة الصهيونية العالمية وأول رئيس لدولة اسرائيل، حاييم وايزمن رسالة الى أحد أساطين الامبرياليين س. ب. سكوت، محرر صحيفة "مانشستر غارديان" يكتب في 1915 حتى قبل صدور وعد بلفور المشؤوم ما يلي "في حالة وقوع فلسطين في دائرة النفوذ البريطاني وفي حالة تشجيع بريطانيا استيطان اليهود هناك، فنستطيع خلال عشرين او ثلاثين سنة نقل مليون يهودي أو اكثر اليها، فيطوّرون البلاد ويشكلون حارسا فعالا يحمي قناة السويس"!! وعمليا استعد قادة الحركة الصهيونية خدمة مصالح مختلف الأنظمة الامبريالية من ألمانيا الهتلرية، الى الامبريالية الامريكية والفرنسية والبريطانية مقابل دعم الاستيطان اليهودي الصهيوني وإقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين.
وقد تغذى الاستيطان الصهيوني منذ بدايته في فلسطين وبدعم من الانتداب البريطاني بالانعزالية، بنفسية "الجيتوات" وبالعداء والكراهية ضد العرب أهل فلسطين الاصليين. وقد حاول الحزب الشيوعي الفلسطيني (عصبة التحرر الوطني الفلسطينية) طرح برنامج اقامة الدولة الفلسطينية العلمانية الدمقراطية، حيث يعيش فيها بمساواة قومية ومدنية ودينية، العرب واليهود، جميع مواطني فلسطين، ولكن تأجيج الصراع الدموي الذي يؤجّجه ويغذيه الانتداب البريطاني والعنصرية الصهيونية وما يجري في الخفاء، في الدهاليز المعتمة من تآمر امبريالي- صهيوني وتواطؤ رجعي عربي على حقوق ومصير الشعب الفلسطيني جعل من غير الممكن في ظل تعميق العداء المخضّب بالدماء اليهودية والعربية نجاح برنامج الدولة العلمانية الدمقراطية الواحدة. وفي ظل تصاعد الصراع الدموي العربي- اليهودي الذي يؤجّجه الاستعمار البريطاني قامت هيئة الامم المتحدة بمحاولة لإيجاد حل للنزاع العربي- اليهودي القائم في فلسطين، قامت بتشكيل لجنة UNSCOP المؤلفة من دول متعددة باستثناء الدول دائمة العضوية "لضمان الحياد" في عملية ايجاد حل للنزاع. وقامت هذه اللجنة بطرح مشروعين لحل النزاع، المشروع الاول بإقامة دولتين مستقلتين، وتدار القدس من قبل ادارة دولية، وتمثّل المشروع الاول الثاني في تأسيس فيدرالية تضم الدولتين العربية واليهودية. ومال غالبية اعضاء (UNSCOP) تجاه المشروع الاول الرامي الى تأسيس دولتين مستقلتين في اطار اقتصادي موحّد وان يجري تدويل القدس وبيت لحم. ووفق قرار التقسيم اعطى للدولة اليهودية خمسة وخمسين في المئة من مساحة فلسطين وشملت وسط الشريط البحري من اسدود الى حيفا باستثناء يافا وأغلبية صحراء النقب ما عدا بئر السبع. واستند قرار التقسيم الى ضم التكتلات الاستيطانية اليهودية الى الدولة اليهودية. قد صوّت الى جانب قرار التقسيم في الجمعية العمومية للأمم المتحدة 33 دولة و13 دولة ضد وعشر دول امتنعت عن التصويت.
ورفضت الأنظمة العربية وزعامات مختلف الأحزاب في فلسطين، عدا الحزب الشيوعي قرار التقسيم لأنه مجحف بحق الشعب الفلسطيني الذي كانت نسبته وقت صدور القرار (67%) سبعة وستين في المائة من سكان فلسطين بينما كان اليهود يؤلفون (33%) ثلاثة وثلاثين في المائة من مجمل سكان فلسطين وخصص لليهود (55%) من مساحة فلسطين بينما لم يكونوا يملكون أكثر من سبعة (%7) سبعة بالمائة من مساحة اراضي فلسطين.
لقد أيدت عصبة التحرر الوطني الفلسطينية (الحزب الشيوعي) سوية مع الاحزاب الشيوعية السورية والعراقية والمصرية قرار التقسيم ووزعت بيانا بألوف النسخ في البلدان العربية تشرح للشعوب العربية البعد الحقيقي للمؤامرة الاستعمارية- الصهيونية- الرجعية العربية ضد الشعب العربي الفلسطيني وان البديل لقرار التقسيم هو تجسيد كل المؤامرة بحرمان الشعب الفلسطيني من حقه الشرعي بالاستقلال والدولة، وان النكبة الفلسطينية وتحويل الشعب الفلسطيني الى شعب من اللاجئين في الشتات القسري هي البديل الكارثي الذي خطّط له المجرمون بالحق الوطني الفلسطيني. لقد صدق القائد الفلسطيني خالد الذكر أبو اياد عندما أكد في احد مؤلفاته "انه لو وافقنا مع الشباب في عصبة التحرر الوطني الفلسطينية بقبول قرار التقسيم لوفرنا على شعبنا محيطا من الدماء" ويقصد فؤاد نصّار وتوفيق طوبي واميل توما وسليم القاسم وصليبا خميس واميل حبيبي وجمال موسى وعثمان ابو راس ورفاقهم.
وفي وثيقة الاستقلال التي أعلنتها منظمة التحرير الفلسطينية في نوفمبر 1988 في دورة الجزائر جرى عمليا اعادة تقييم لقرار التقسيم إذ جاء "ومع الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب العربي الفلسطيني بتشريده وحرمانه من حق تقرير المصير، اثر قرار الجمعية العامة رقم (181) عام 1947، الذي قسّم فلسطين الى دولتين عربية ويهودية فإن هذا القرار ما زال يوفر شروطا للشرعية الدولية تضمن حق الشعب العربي الفلسطيني في السيادة والاستقلال الوطني". اما رسالة الرئيس خالد الذكر ياسر عرفات الى رئيس الحكومة السابق يتسحاق رابين ضمن تبادل رسائل الاعتراف المتبادل بين م. ت. ف. ودولة اسرائيل (اتفاق اوسلو) فقد اكد ياسر عرفات فيها تمسّك م. ت. ف. بقراري مجلس الأمن الدولي (242 و338)، وأن بنود الميثاق الوطني الفلسطيني التي تلغي حق اسرائيل في الوجود فقدت سريانها في اتفاقية اوسلو 1993، يشار الى الضفة الغربية وقطاع غزة فقط كالاراضي المخصّصة لاستقلال الشعب الفلسطيني.

* مقطفات من مقالة كانت قد نشرت قبل ثلاث سنوات في ملحق "الاتحاد"، تحت عنوان "في الذكرى السنوية الـ60 لقرار تقسيم فلسطين: ألمؤامرة الراهنة لتقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ!".

قد يهمّكم أيضا..
featured

قصة المواطنة وحاضنتها

featured

آذار ربيع حياة يتجدَّد مع عيد الأم

featured

قامَةٌ وقِمَّةٌ وقُمامة

featured

الحاج أبو أحمد وأعياد النصارى

featured

قراءة أولية في الإنتخابات اليونانية

featured

"يوم الأرض" أسطع من تشويهاتكم!