قامَةٌ وقِمَّةٌ وقُمامة

single


عندما غنَّته فيروز أقمنا معه في مكة ودمشق والقدس وعمّان حيث شاهدناه فارسًا يذرع جواده ميادين الأصالة.
سعيد عقل قامةٌ وقمة نلتقيه في مملكة الإبداع المتألق الممتدة على ارض لبنان والدنيا شرقًا وغربًا. على أنغام إبداعاته نقرأ دمشق مجدًا في الكتب، ونسمع صوته يتدفق زلالا سلسبيلا في مياه بردى، ومعه تلتحف مكة أهله وأهلها من أنُفٍ وأحباب. من قلبه تُطِّل عمّان الجمر والجاه، أما فلسطين بقدسها فليست إلا سيفًا يشهره في وجه البغاة الظالمين. في قيامته تُجالس الفلسفة بديع النثر ومعهما يتجلى قريض لا ينقرض.
بدأ حياته معتمرًا كوفية الحزب السوري القومي الاجتماعي.. في عومه في بحر الحزب هذا ترك لنا ولأبنائنا قصيدته (سيف فليشهر) حيث تُقرع أجراس العودة، متشبثة بتراب فلسطين وبحق أصحابها قامات شامخة فوق هذا التراب.
مع انسياب حنينه ونشيد مزاميره لحواضر العرب يُذهلنا الذهول ويخنقنا الوجوم عندما يتهاوى لينبطح بقامته السامقة عند سنابك خيل الغزاة المتجبرين. لم يطل به المقام حتى كبا حصانه وانقلب على عروبته مزغردًا مرحبًا باجتياح لبنان عام 1982!
أتراه فقد عقله الذي كان سعيدًا؟! ماذا جرى لرجل الفكر النبيل والكلام الجميل الذي علّمنا (أنا لا أنساك فلسطين.. أنا في افيائك نسرين)؟ ماذا دهاه ليرحّب بشارون ويراقصه عائمًا على دماء أطفال صبرا وشتيلا؟!
كلماته مرحّبًا بجيش الاحتلال ترشح بالحقد على كل ما هو فلسطيني، وإعلانه في أخريات أيامه انه لم يسمع بمحمود درويش يتَّسم باستعلاء مَعيب. هذا كله يفقده وسام القامة والقمة على حدٍّ سواء. عندما يتقيأ مبدع كسعيد عقل هكذا كلام تهتز قامته وتتهاوى اوطاده لتشكل حفنة أوتاد ينخر أخشابها السوس والعفن.
سعيد عقل رجل اغتسل بنور الإبداع.. لقد ترك لنا إرثًا رفيع المستوى وثّقته فيروز في رحاب الرحابنة.. إرثًا سيبقى منقوشًا في أذهان وقلوب العرب. لقد رأيناه سيِّدًا للمبدعين في ميادين المعرفة والأصالة، لكنه لبالغ أسفنا وعجبنا عندما استعذب مجازر العتاة وهم يجزرون أعناق أبناء وبنات فلسطين تعثّرت لديه الأصالة وانزلقت نحو سلّة من القمامة والفضلات!
كيف لمبدع متألق بقامته ان يستعذب مناهج الظالمين الذين جاوزوا المدى؟! باستحسانه هكذا مناهج، يفقد المبدع إبداعه ويُمسي نشازًا يُعكّر صفو وإيقاع الحياة.


قد يهمّكم أيضا..
featured

الحكم المحلي العربي: بين حق المواطن وسندان سياسة القهر القومي واليومي

featured

أبو ناصيف – سجل من المواقف الوطنية

featured

تمرد الطبقة الوسطى لا يصنع ثورة

featured

وطني .... وطني ... زدني حبًّا

featured

"برافر- بيغن" يتطلّب أكثر!

featured

إلى متى استمرارية حكم اللصوص في الدولة؟

featured

"كانوا يعدّون الجنازة وانتخاب المقصلة"