"كانوا يعدّون الجنازة وانتخاب المقصلة"

single
الملك عبد العزيز (1947) قال: "ثقوا أن فلسطين في عيني هذه"، وأشار إلى عينه التي كانت السيدة نوره الحمود قد فقأتها بمخرز حين أراد اغتصابها بزواج غير شرعي!

 

*الصحف الفلسطينية تضج بالانتقادات ضد عباس وعريقات وعبد ربه وفياض وضد كل زعيم فلسطيني. ولكن هذه المرة كان الغضب شديدًا، لأن الجزيرة تجاوزت المدى.. وبالذات الجزيرة، المحمية من القواعد الأمريكية في قطر*

كان كل شي مُعدًا، فحتى تفاصيل الجنازة التي كشف عنها الراحل محمود درويش، "من المحيط إلى الخليج، كانوا يعدون الجنازة وانتخاب المقصلة"، كانت قد أعدّت، وأكثر من ذلك فقد تم انتخاب المقصلة: مقصلة على شكل "كشف المستور". وقبل 64 عامًا، عندما زار وفد فلسطيني مدينة الرياض- في العام 1947، بهدف استثارة نخوة الملك عبد العزيز، قال لهم، حسب كتاب عبد المجيد حمدان، "ثقوا أن فلسطين في عيني هذه، وأشار إلى عينه التي كانت السيدة نوره الحمود قد فقأتها بمخرز حين أراد اغتصابها بزواج غير شرعي".
اليوم قررت جحافل الجزيرة، ومن ورائها قطر، ذات القواعد الأمريكية والزيارات المكوكية مع القيادات الإسرائيلية المتنفذة، أن تعلّم الفلسطينيين درسًا لأنهم رفضوا أن يلجأوا إلى القيادة العربية التي باعت فلسطين، ولأنهم رفضوا أن يثقوا لا بالعين الزجاجية لابن عبد العزيز ومن بعده، ولا بأعين العرب الساهرة على مصالح الغرب. أما ناصبي حبل المشنقة والمشيعين في الجنازة، فقد خُطط لهم، في الغرف المظلمة، أن يكونوا من الفلسطينيين أنفسهم، في الضفة الغربية وفي مخيمات الغربة المحاصرة من كل القيادات العربية الشامخة، التي ترفض أن تسمح لهم بتمرير كيس اسمنت واحد لسد ثقب في سقف بيتهم.
هذه كل الرواية. هم، فقط في قطر ودول النفط، من يفاوض. والتفاوض بلسان مشايخ النفط هو رديف لكلمة واحدة فقط وهي بيع حقوق ومقدرات الشعوب العربية. أما أن يكون هنالك مفاوض ابن للشعب الفلسطيني، لاجئًا أو ابنًا لحارة من حارات أريحا، فهذا نوع من الكفر، وخاصة أن هذا المفاوض لا يتنازل عن الثوابت الفلسطينية.. والدليل، هو أنه إذا كان هؤلاء قد فرطوا بالثوابت فلماذا لم تسرع إسرائيل لقبول "تفريطهم".
المهم أنه، وقبل تفعيل المقصلة، قرروا، بنشوة المنتصرين، أن يعدّوا مشهد إذلال بديع، للشعب الفلسطيني ولقيادته المنتخبة، على شاكلة الكرسي المنخفض الذي قدمه داني إيلون للسفير التركي، تلك المسرحية التي جلبت العار فقط للدبلوماسية الإسرائيلية. هذه المرة ومن فرط تحمس الأخوة، أولاد شيوخ النفط الذين لا يحلفون إلا بأعينهم الزجاجية، فقد قاموا بقص كل أرجل الكرسي الذي أعدوه للقائد الفلسطيني، صائب عريقات.. فكان عريقات في الديوان الذي أعدوه كمن يجلس على المصطبة، أمام عرين المناضل اللندني الجسور، عبد الباري عطوان، الذي صرخ به مؤنبًا كيف يفاوض، هكذا إذًا! على قيادة الشعب الفلسطيني أن تأخذ موافقة المناضل اللندني الجسور، قبل أن تحرك ساكنًا.

 

*ردّ عكسي على الاذلال*


ولكن الذي لم يحسب الأخوة حسابه في الجزيرة، أن هنالك ما يسمى الرد العكسي لـ"إفكت" الإذلال، وخاصة أنه يأتي من طرف، أي قطر، لم يُبق ذرة سيادة واحدة من أرضه إلا وقد انتهكت، وتمثّل الرد على إفكت الإذلال هذا ضد صائب عريقات بالغضب الفلسطيني، الذي لا يغضب على الانتقاد، فالصحف الفلسطينية تضج بالانتقادات ضد عباس وعريقات وعبد ربه وفياض وضد كل زعيم فلسطيني. كان الغضب شديدًا، لأن الجزيرة تجاوزت المدى.. وبالذات الجزيرة، المحمية من القواعد الأمريكية في قطر.
وهكذا فالقصة ذاتها، تعود مرة بعد أخرى: فعشية أوسلو ومع توقيع أوسلو وخلال تطبيق أوسلو، جعلت هذه الأوساط نفسها من عرفات خائنًا. اليوم يترحمون عليه. ولذلك من أجل أن يحظى الفلسطيني برضاهم، يجب أن يموت أولاً وبعد ذلك سيغدقون عليه كل الألقاب الوطنية. لا نريد قديسين بعد موتهم، كما أننا لا نريد تبجيلهم في حياتهم، كما يفعلون أمام مشايخ النفط. نريدهم فقط أن يكفوا شرهم عن هذا الشعب الذين باعوه جوزًا فارغًا، ويصرون على أن يُلدغ من نفس الجُحر مرات ومرات، وهذا الأمر ليس من صفات الشعب الفلسطيني.
على كل حال لا نعرف ماذا يجري في الغرف المظلمة، ولكن بإمكاننا من خلال معاينة ما يجري في الساحات المكشوفة على الشمس، واعتمادًا على تجربتنا باهظة الثمن أن نخمّن ما يجري في الغرف المغلقة.

 

*تحت الشمس*


ما يجري تحت الشمس أن إسرائيل موجودة في مأزق كبير، وهذا المأزق نابع من انفضاح ركائزها الأيديولوجية التي أقنعت بها العالم حين قالت: أن ما تسمونه شعب فلسطيني هو في الحقيقة مجموعة من الديكة، دائمة الاقتتال؛ يقول رئيسها شيئًا وعلى أرض الواقع تنفذ الفصائل الأخرى أمرًا آخر. وتقول إسرائيل للعالم، أيضًا، لنفرض أننا وافقنا على إقامة دولة لمجموعة الديكة المتصارعة هذه، فمن سيحكم؟ بالعكس، ستعم الفوضى والمحسوبيات والرشاوى، فلدى هؤلاء، كل من يحمل سلاحًا هو الحاكم بأمره.
ومن جهة أخرى، فما يجري تحت الشمس، شمس فلسطين، يدل على أن السلطة الفلسطينية استطاعت إقناع العالم، من خلال وحدة أجهزتها الأمنية أنها ليست "حارة كل من إيدو إلو". ومن جهة أخرى وخلافًا للدولة التي يريدها البعض؛ دولة للطخ في الأعراس، فباستطاعة هذه السلطة أن تبني مؤسسات دولة: بنك مركزي، جهاز قضاء، اقتصاد قائم بذاته، سلطة القانون..
وتحت الشمس الحارقة، تظهر الحقائق ناصعة، دولة بعد أخرى تعترف بالدولة الفلسطينية، بينما سمعة إسرائيل وهيبتها في نزول دائم، وكل ذلك من خلال الحفاظ على الثوابت الفلسطينية.
ولذلك إذا انتقلنا من الساحات المكشوفة إلى الغرف المغلقة، حيث هنالك وحدة حال بين قطر وإسرائيل والولايات المتحدة، وهنالك من هدد، ويهدد بإقامة ما أسماه إمارة في الضفة (راجعوا مقالات المستشرق ذي النفوذ الكبير، جاي بيخور)، لأن التفاوض مع أبو مازن يعني، حسب بيخور، وضع إسرائيل أمام التزامات ضخمة، بينما، إمارة غزة حسب تعبيره لا تكلف إسرائيل شيئًا، فهي لا تفاوض إسرائيل أصلاً. وهذا بالضبط ما صرح به رئيس الاستخبارات العسكرية السابق، عاموس يدلين، عشية سيطرة حماس على غزة، بأن هذه السيطرة ستحرر إسرائيل من التزاماته تجاه غزة.
واستمراراً لذلك، ولأن المؤامرات تأتي بأقنعة مختلفة، مرة على شكل عين زجاجية ومرة على شكل نشر بروتوكولوات مبتورة عن سياقها، فهل كان القصد بهذا النشر، البدء في الانقلاب الذي تحدث عنه بيخور؟ حيث تقوم إمارة أخرى مغلق عليها. وهكذا يتم تشميع القضية بالشمع الأحمر حتى إشعار آخر؟
على كل حال، على الأقل في استوديوهات الجزيرة، كان كل شيء معدًا، وسارعت وسائل الإعلام الإسرائيلية، وعلى رأس صفحاتها الأولى تتحدث عن "بوتش" الجزيرة، فيظهر أنها كانت تعرف شيئًا ما. أما الشعب الفلسطيني، الذي أرادوا صدمه بالوثائق المجتزأة وبالمناضل اللندني الباسل عطوان، فلم يُبغت أبدًا، أما التحركات التي الجماهيرية المفترضة، فبقيت تحركات فرتوالية. حتى قيادة حماس أظهرت مسؤولية وطنية عالية، ولم نجد منها التجاوب، الذي توقعته الجزيرة، مع هذه المسرحية، وهكذا سقطت الجزيرة في بحر الدور المعيب الذي لعبته.  
أما أخوتنا هنا، الذين قد تناولوا "النس كافيه" صباحًا، وقطعوا البلاد بالطول وبالعرض، فلا حاجة لهذه المزاودات. وقبل أيام وجدتُ أن وسيلة إعلام عربية، من تلك التي لا تقبل بأقل من تحرير الأندلس، تقوم بنشر إعلانات لمنتوج يتم إنتاجه في المستوطنات. لفتُّ نظر احدهم لهذه المفارقة، فقال لي : "هذا إشي وهذا إشي".

قد يهمّكم أيضا..
featured

كلمة حق في رجل أبيّ

featured

الى جنات الخلد يا أبا خالد

featured

مراوغة اسرائيلية للابتزاز السياسي!

featured

معرض الكويت الدولي للكتاب تظاهرة ثقافية تنأى بنفسها عن السياسة..

featured

لا تطمعْ في حصدْ ما لم تزرعْ

featured

التغيير الثوري في القرن الـ 21 هدف مُلِحّ وقابل للتحقيق!*

featured

زهرة، باقة ، طاقة وحديقة

featured

قبل أن تغيب الشمس عن عروبة القدس