*الانتخابات التي اجريت لإخراج البلاد من ازمتها ألاقتصادية يبدو انها ادخلت البلاد في ازمة سياسيه جديدة تضاف الى ألازمة الاقتصادية المستفحلة. والتوجه لانتخابات جديدة رغم ما يشكله ذلك من عبء مالي على ميزانية مازومة اصلا , ودون اية تأكيدات بأنها ستحل المشكلة ربما يكون مخرجا من ازمة سياسية وجدت الاحزاب اليونانية نفسها فيها*
جرت الانتخابات البرلمانية اليونانية يوم الاحد 6\5\2012 على وقع ألازمة ألاقتصادية الخانقة التي تعاني منها البلاد وأزمة الديون الخارجية والمعونات الاوروبية المشروطة بإجراءات تقشف حادة , وفي ظل تحركات جماهيرية واسعة رفضا لهذه السياسة .
وقد شكلت نتائج هذه الانتخابات ما يمكن تسميته الزلزال او الانقلاب في الحياة والخارطة السياسيه اليونانيه، لم تشهدها اليونان منذ ما بعد الديمقراطيه، رغم مرورها بمرحله من عدم الاستقرار السياسي عامي 89-90 من القرن ألماضي .
فقد انهت هذه الانتخابات حالة الثنائية الحزبية التي سيطرت على الحياة السياسيه لما يقارب الاربعه عقود .
إلا ان النتائج الحاليه شكلت حالة جديدة وخارطة سياسية لا تبشر بالاستقرار المنشود او بحل الازمات ألمتفاقمة او حتى بامكانيه تشكيل حكومة.
فالأحزاب الثلاث التي شكلت حكومة " ألإنقاذ برأسه باباديموس منيت بهزيمة كبيره , حيث وجد احد هذه الاحزاب نفسه خارج البرلمان " حزب يميني قومي" LAOS .
بينا مني الاشتراكيون حزب باباندريو " ؛PASOK"" بهزيمة كبيرة حيث تراجعت نسبته من ( من 43% الى اقل من 14% ) 41 مقعدا بدل 160 وتراجع الحزب اليميني " الديمقراطيه الجديدة " " ND " (من 33% الى اقل من 19%.} رغم انه الحزب الاول وحصوله على 108 مقاعد بدل 91 في الانتخابات السابقه وذلك بفضل قانون انتخابي يعطي الحزب الاول فرقا كبيرا حتى لو تدنت نسبته ..
المفاجأة الاكبر كانت صعود حزب اليسار الجذريSYRIZA (يسار وسط) الى المركز الثاني 16.7% ودخول حزب حديث التأسيس " اليونانيون المستقلون" الى المركز الثالث ( وهو حزب خرج من رحم اليمين).
بينما حقق الشيوعيون اليونانيون ارتفاعا طفيفا ( من %7.5 الى 8.5% ) 26 مقعدا بدل 21 ليتراجعوا الى المركز الخامس في البرلمان بعد احتلالهم المركز الثالث لسنوات طويلة .
البرلمان اليوناني الجديد وفي حاله نادرة خلال العقود الثلاثة الماضية يضم تحت قبته سبعة احزاب تشكل الطيف السياسي اليوناني المعقد, ما يجعل تشكيل حكومة جديدة ليس بالأمر السهل. فبالاضافه الى الاحزاب المذكورة دخل البرلمان ايضا حزب يميني متطرف ( نازيون جدد) وحصل على 6,9% من الاصوات 21 مقعدا, وكذلك حزب اليسار الديمقراطي, وهو حزب منشق عن اليسار الجذري منذ سنوات غير طويلة وحصل على 6,1% من الاصوات و19 مقعدا.
الاشتراكيون وعلى لسان رئيسهم " ايفانغلوس فينيزيلوس " الذي اعترف بالهزيمة وبان الشعب " عاقبه " على سياساته اقترح تشكيل حكومة وحدة وطنية .
الحزب اليميني الذي خرج "منتصرا" كونه الحزب الاول ولكن مهزوما بحصوله على 19% فقط سيكلف حتمتا بتشكيل حكومة , لكن فرص تحقيق ذلك ستكون صعبه.
حتى لو عاد للتحالف مع الاشتراكيين فإنهما لا يستطيعان تشكيل هذه الحكومة وهما بحاجه لحزب ثالث في هذا التحالف , وستكون مجازفة كبرى بالنسبة لليسار الجذري ومرفوضة من قبل الشيوعيين .. يبقى "اليونانيون المستقلون" الذين سيلعبون دورا هاما في هذا البازار السياسي الذي فتح على مصراعيه .
الدلائل تشير وبعد يومين من ظهور النتائج والمحاولات ألاستطلاعيه لتشكيل حكومة, ان هذا الامر سيكون في غاية الصعوبة .
فالحزب اليميني الذي اعطي الفرصة لاستطلاع امكانيه تشكيلها اعادها للرئيس في نفس اليوم. ورئيس حزب اليسار الجذري وبعد يوم من المشاورات ومن خلال تصريحات قادته لا يبدوا ان الافق امام نجاحه افضل , فتشكيل حكومة يسار لا يبدو ممكنا حتى لو اجمع كل اطرافه على دعم هكذا حكومة الامر الذى بدا مستحيلا من خلال المشاورات حيث يرفض الشيوعيون حتى مجرد الحديث عن هذا الاحتمال باعتبار اطراف مهمة من " أليسار مسئوله عن ما وصلت اليه البلاد من ازمة ومن هجوم على مكتسبات العمال .
ويدور الحديث اليوم حول امكانيه تشكيل حكومة اقليه من حزب اليسار الجذري والاشتراكيين واليسار الديمقراطي باتفاق اليمين على التغيب عن التصويت كأحد الاحتمالات القائمه لتجنب انتخابات جديدة، خاصة وان هناك استحقاقات سريعة تتعلق بالديون وقمة الناتو في شيكاغو وعضويه " مقدونيا " الجمهوريه اليوغسلافيه السابقه في الحلف تحت هذا الاسم وما يشكله ذلك من معضلة امام اية حكومة يونانية ... الخ
ويبدو ان احجام الحزب الشيوعي اليوناني عن المشاركة في ايه مشاورات ، وعدم رغبه أي حزب في التحاور مع النازيين الجدد والشروط القاسية التي يضعها كل طرف لمساندة اية حكومة، يزيد من تعقيد الموقف .
بقي ان نقول انه ومن الملفت في هذه الانتخابات ان نسبة المقاطعة كانت كبيره حيث بلغت نسبه الاحجام عن التصويت فيها الى اكثر من 35% ممن يحق لهم الاقتراع (القوه الانتخابية الاكبر).
خلاصة القول ان انتخابات اجريت لإخراج البلاد من ازمتها ألاقتصاديه يبدو انها ادخلت البلاد في ازمة سياسية جديدة تضاف الى ألازمه الاقتصادية المستفحلة.
ويرى كثير من المراقبين ان التوجه لانتخابات جديدة رغم ما يشكله ذلك من عبء مالي على ميزانيه مازومه اصلا , ودون ايه تأكيدات بأنها ستحل المشكله ربما يكون مخرجا من ازمة سياسيه وجدت الاحزاب اليونانية نفسها فيها .
الايام القادمة ستظهر الى اين تتجه الامور.
*عضو لجنة العلاقات الدولية / حزب الشعب الفلسطيني
