قبل حوالي عشرة أيام، كتبتُ مقالا حول التهديدات الأميركية لضرب سوريا بالصواريخ، بادّعاء استخدام الأخيرة غاز السارين الكيماوي ضد مواطنيها، في 21 آب الفائت!. ولمّا عزمت على إرساله للجريدة للنشر، صادف بيان الرئيس أوباما، الذي ألقاه يوم 31.08.13، وأعلن خلاله أنه لن يضرب الأراضي السوريّة، ما لم يحصل على موافقة الكونجرس!.. ومع أنه لم يوضِح أنه سينتهج طريقا آخر غير القصف والتدمير، إلاّ أنني كنتُ بين مَن ظنّوا أنّ الرّجلَ بدأ يفكّر، على الأقلّ، بتعديل خِطَطِهِ، بسبب معارضة الكونغرس، وتحفُّظات مارتن ديمبسي قائد الأركان المشتَرَكة للجيوش الأميركية، وبسبب معارضة بريطانيا، بعد أن صَوَّتَ البرلمان هناك ضدَّ موقفِ رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، وأيضا بسبب ما تحمِلُهُ هذه الخطط الجهنّميّة من أخطارٍ وويْلات، ليس لأبناء سوريا فحسب، بل أيضا لشعوب المنطقة بأسرِها!!.. لذلك، عَدّلْتُ أنا أيضا خِططي بشأن إرسال المقال المُشار إليه، للنشر!
أمّا في ما يختصّ ببيان أوباما، فقد كثُرَت وتنوّعت التحليلات والتأويلات وردود الفِعل... فالبعض رأى أنه يفتّش عن سُلّم لينزِلَ مِمّا صَعِدَ إليه. والبعض قال إنه فعلا يهتم بالنهج الديموقراطي في بلاده، ولا يستطيع إلاّ أن يكون كذلك، لا سِيّما وأنه "يسعى" لنشر وتمكين الديموقراطية في العالم، كما فعل سابقُهُ في العراق مثلا!.. أمّا السيد أحمد بن الجَرْبا، رئيس "المعارضة" السورية، المُقيم في تركيا، فقد عبّرَ عن خيبة أَمَلِهِ الشديدة من حديثِ أوباما، وتراجُعِهِ عن القرار بضرب سوريا!!. لقد أثار هذا الأَجْرَبُ العميل شفقةَ سامعيهِ، يا حرام، وهو يَتَباكى على تأجيلِ ضربِ موطنِ آبائه وأجداده، وترويعِ مَن لا يستَحِقّ أن يكونَ لهم أخا أو شريكا في الوطن!!...
*منعًا للسقوط في السطحية *
لم يتأخّر الرئيس أوباما عن محاولة إقناع الكونغرس، فبدأ غداة اليوم التالي لبيانه، باستدعاء أعضاء الكونغرس الجمهوريين، لإقناعهم بضرورة توجيه ضربة "محدودةٍ" لسوريا، لمساعدة أصدقائهم معارضي نظام الأسد، ولمعاقبته بسبب استخدام الأسلحة الكيماوية المُحَرَّمة، ضدَّ أبناء شعبه!!
لنبدأ أولا بِـ"ديكتاتورية" الأسد ونظامه: النظام في سوريا هو نظامٌ شُمولي، (Totalitarian)، وهو نوعٌ من الديكتاتورية، لا حاجة للدخول في ميِّزاته.. بَيْدَ أنه من المؤكّد أنه نظامٌ بعيد عن الديموقراطية في مُختَلَف مُمارساتِها، مثل حرية التعبير، وحرية الأحزاب والانتخابات والاعتقالات، ومراقبة السلطة التنفيذية وأذرُعِها... إلخ. لم يكن د. بشار الأسد حكيما بما فيه الكفاية، ليبدأ، منذ تَوَلّيهِ السلطةَ بعد رحيل المرحوم والده، وبعد أن ذاق طعم الديموقراطية في إنجلترا، ليبدأ تَوّا بإجراء الإصلاحات اللازمة لِنَقْلِ سوريا إلى عهدٍ جديد، وإعطاء الشعب السوري، جُرُعاتٍ ممّا يستحقّهُ من الحريّة والديموقراطية، لا أن يُدفَعَ تحت ضغط المظاهرات إلى الوعد بإجراء إصلاحات!!، ولا أن يُدفَعَ للتعامل مع هذه المُظاهرات بالقَمع والعُنف!!...
مِن ناحية أخرى، حبّذا لو ظلَّت هذه المسيرات الاحتجاجية، كما بدأت، سِلْمِيَّةً ومُقْتَصِرَةً على أبناء سوريا الذين خرجوا إلى الشوارع والميادين للاحتجاج على استِبْداد النظام!. أقول حَبّذا، لأنّ هؤلاء كانوا سَيَحْظَوْن بتَعاطُف كل شعوب الأرض تقريبا، ويَصِلون إنْ عاجِلا أو آجِلا إلى اتّفاقٍ مع حكومتهم... وأرجو ألاّ يَظُنَّنَ أحدٌ أنني شديد التفاؤل أو شديد السذاجة، كلاّ! لأنه حتى لو كان لدَيَّ بعضٌ من هاتيْن الصِّفَتيْن، فإنني في غاية الحَذَر من السقوط في السطحية!! كلّ ما رجَوْتُ أن أقول، هو أن هذه المسيرات الاحتجاجية السلمية من أبناء سوريا، رُبَّما كانت ستُقَدِّم ضحايا عزيزةً على مذبح الحرية، كما فعَلَتْ شعوبٌ كثيرة في العالم، غير أنها لم تكن لتسعى إلى تدمير المدن والقرى، وتهجير الآلاف من أبنائها خارج أوطانهم!...
*فماذا حدث؟*
ما حدث هو، أوّلا، أنّ الإخوان المسلمين الحاملين على النظام البعثي "الأسدي" منذ مطلع الثمانينات بعد الصدامات الدامية بينهما، والذين كانوا في حالة رُقادٍ أو تَرَبُّص، انضمّوا للمتظاهرين.. ثانيا، بدأوا اتصالاتهم مع شُرَكائهم في الشيشان وأفغانستان والقوقاز، وطالبان والعراق وليبيا وتونس، والسعوديّة وقطر ودول الخليج!.. وهبَّ هؤلاء الغربان جميعهم، يناصِرون إخوان سوريا... مِنهم مَن ناصَرَهُم بالمال، ومنهم مَن بالسلاح، أو بالمرتزقة، أكَلَة لحوم البشر!!.. ثالثا، كان لبعض الانشِقاقات التي ظهرت في الجيش العربي السوري، العقائدي المُسَيَّس، والمَبني طائفيّا، الإسهام الكبير في فتح الحدود أمام هؤلاء الغرباء، الذين عاثوا في سوريا الجميلة فسادا، وملأوا أرضَها وبيوتها ودورَ العبادة فيها، فُجورا وإفْكا وموبِقات!.. هدَموا.. دمّروا.. هجّروا.. هتكوا الأعراضَ، وقتلوا الأطفالَ أمام والدِيهم!!...
وقَفَزَ السوريّون الهاربون من وطنهم والمُقيمون في بلاد الغَرب والغُربة، على المُناسَبة، ظَنّا منهم أنّ الوقت قد حان ليُحَقِّقوا رغائبَهم السياسيّة، فيَقلِبوا نظامَ الحُكمِ الذي يُعادون، ويرجِعوا "منتصرين"!.. ولتحقيق أحلام اليقظة هذه، كان لا بُدَّ من التوَجُّهِ بطلب المساعدة والمساندة إلى أسيادهم في أميركا وفرنسا وبريطانيا... وللأسف، بل يا للعار! استجاب كلّ هؤلاء لطلبات عبيدهم، وانطلقوا عبرَ الحدود التركية-السورية يوصلون هذه الطلبات بمساعدة الأتراك والمُنشَقّين...
وهكذا تلاقت الأحقادُ الطائفيّةُ العربية والإسلامية السياسية، مِن ناحية، مع الأحقاد الغربية الاستعمارية على سوريا القويّة المتحالفة مع إيران وحزب الله، مِن ناحية أخرى!... "الْتَمّ المَتعوس على خايبِ الرجا"!... لكنهما، المتعوس والخايب، لم يتمكّنا من تحقيق أحلام اليقظة التي عاشوها، والتي أثّروا على كثيرين أن يُشاركوهم هذه الأحلام!.. هل تذكرون؟! هل تذكرون كم حاولوا أن يُشيعوا أنه قد تبقّى لانهيار النظام السوري ورئيسه، أسابيع، أو أشهر قليلة، وأن بشار الأسد يبحث عن ملجأ في روسيا، وأنّه..وأنّه.. وأنّه!!...
ليس فقط لم تتحقّق أحلام هؤلاء المَفاقيع، بل توقّفت بشكلٍ شبه نهائيّ ظاهرة الانشقاق عن الجيش، وتَرَكَ آلاف المواطنين السوريين مواقعَهم في المعارضة، وعادوا إلى بيوتهم، أو إلى أيّ مكان، ما عدا محاربة النظام!.. لقد حدث هذا التطوّر، بالأساس بعد أن شَهِدَ وتأكّد المواطنون السوريون مِن بربرية "جبهة النُّصرة" وأمثالهم وحلفائهم من الغرباء، الذين لا يُراعون حُرمَةَ أيّ إنسانٍ أو أيّ مكان!!... كذلك فقد تمكّن الجيش السوري من دحْرِ وهزيمة هؤلاء الغُرَباء، واستعادة العديد من المواقع التي كانوا قد استولوا عليها، مثل "القْصير" وغيرها، الأمر الذي أعاد إلى الجيش ثقتَهُ بنفسه وقدرته.
*مخاوفُ "اليَعارِبة" في الخليج، والخِطط "الذكيّة"!*
أثارت هذه التطوّرات الإيجابيّة في معنويات الجيش السوري والنظام، قَلَقا كبيرا لدى حكام قطر والسعودية والخليج، وقلقا أكبر لدى حكام البيت الأبيض وإسرائيل والغرب. فقد أنفقَ أثرياءُ البترول مئات ملايين الدولارات على دعم وتسليح مفاقيع المرتزقة في سوريا، ليَنتَقِموا مِمَّن يكرهون، ولِيُنَفِّذوا أوامرَ أسيادِهِم في أميركا. لكنهم باتوا يرتجِفون َذُعْرا بسبب هزيمتهم!.. لذلك بدأ خبراؤهم الإستراتيجيّون الجَهابِذة بالتَّفتيش عن وسيلةٍ جديدة تُعيدُ إليهم توازُنَهُم...(سأعود بعد قليل لهذه الوسيلة)!
أمّا قلقُ أميركا والغرب وإسرائيل فمصدرُهُ، بقاءُ النظام السوري على حاله، وبقاء الجيش السوري متماسكا، بعد حرب شرسة استمَرَّت للآن أكثر من سنتيْن، دون أن تضطَرَّ إيران المشاركة الفِعليّةَ فيها!.. من جهة أخرى، فإنّ أصدقاءَهم "الليبراليين"مِن جبهة النصرة، والشيشان، والطالبان، والإخوان وغيرهم، أضحَوْا في خطر، رغم كلّ الدّعم التركيّ والقطريّ والغربيّ!!... فماذا عساهم فاعلون؟!
يُدرِك "يعاربة" الخليج، بذكائهم ومعرفتهم الثاقِبَة، أن استخدام الأسلحة الكيماوية محظور حسب القوانين والاتفاقات الدولية!.. ويعرفون أيضا أن سوريا تمتلك مثل هذه الأسلحة، وأنّ أميركا يمكن أن تضربَ أي دولة صغيرة أو متوسطة، إذا علمت بوجود هذه الأسلحة، أو باستخدامها.. كذلك يعرفون، لِفَرْط ذكائهم، أن أميركا لا يعنيها كثيرا إذا كانت هذه الأسلحة المحظورة، موجودةً فِعلا، أم غير موجودة!!.. ففي العراق مثلا، لم تكن هذه الأسلحة موجودةً، وقامت أميركا بقصفِهِ بالصواريخ الرهيبة، ثم دخلت بجيوشها لتدمّرَهُ بشكلٍ فظيع!!... فماذا يمنعها الآن من قصف سوريا؟! لقد "وعد" أوباما، كما وردَ على لسان فضائيّة ال- CNN، أن الخطة العسكرية لِرَدْعِ بشّار "محدودة"، وتختلف عن سيناريو العراق... بارك الله فيك يا آدمي!...أليسَ من الجائز أن يكون الإرهابيّون، هم الذين استخدموا هذا الغاز السام، لِدَفْعِ أميركا والغرب على ضرب سوريا؟! لقد أعلنت تركيا أنها أَلْقَتِ القبضَ على 12 إرهابيّ من جبهة النُّصرَة، وفي جُعْبَتِهِم كميّة من غاز السارين مِن ليبيا.. فلماذا لا تُستَخدَم هذه المواد سهلة التركيب، ضدّ الشعب السوري، ويصرخ الفاعلون للعالم ولأميركا أن النظام هو الذي استخدمها ؟!...
وأميركا، صَدِّقوني، لن تَطلُبَ من هؤلاء "الليبراليّين" أن يُقسِموا بأنهم أبرياء، وأن الأسد هو مَن فعل. فهم مستعِدون أن يُقسِموا بأيّ إله، وعلى أيّ كتاب!، وهم بالنسبة لها صادقون وأُمَناء، وأيضا... أَوادِم.. مِثِلْها!!
*إلى أين تريد أميركا أن تَصِل؟!*
لا آتي جديدا إذا ادَّعيْت، بأنّ غالبيّة الشعب الأميركي، وغالبية أعضاء الكونغرس الذين حَدَّدوا مواقفَهم، وبريطانيا، أهم المؤيدين لواشنطن، والأمم المتحدة وأمينها العام بان كي مون، لا يؤيّدون موقف الرئيس أوباما بخصوص معاقبة سوريا على استخدام الغازات السامّة القاتلة!... في أميركا نفسها خرجتْ مظاهرات تستنكر توجُّهَ الرئيس ووزير خارجيته، وهذا الوزير لا يترك دولةً إلاّ ويزورها ليقنعَها بضرورة الموافقة على هذا العدوان!.. العالم للآن لا يعرف الحقيقة حوْل مَن الذي استخدم غاز السارين!؟ وبعثة المفتشين الدوليين لم تكن مخوَّلة لتحديد هويّة الفاعلين!.. والعديد من قادة الأركان الأميركيين، أبدَوْا تَحَفّظاتِهِم من العملية العسكرية، التي حملَها إليهم تشاك هاجِل، وزير الدفاع، وطلب إليهم إعداد بدائل لها!...
أضِف إلى ذلك، فإنّ روسيا والصين، والهند وإندونيسيا (أكبر الدول الإسلامية)، والأرجنتين والبرازيل وجنوب أفريقيا وإيطاليا، ترفض قطعيا التدخّلَ العسكري في سوريا، كما أعلن رئيس روسيا فلاديمير بوتين في المؤتمر الصّحفي الذي عقده يوم 6.9.13، بمدينة بطرسبورغ الروسية، حيث عُقِدَ مؤتمر العشرين!!
فوق هذا كلّه، فإن قداسة البابا فرنسيس، رئيس الكنيسة الكاثوليكية في العالم، قال في كلمته التي ألقاها يوم الأحد 1 أيلول بساحة القديس بطرس بالفاتيكان، بِتَصَرُّف: إنني أجعل من نفسي لسان حال كل الشعوب في جميع أقطار الأرض، وأصرخ بقوة وبقلق: نريد عالَما من السلام، لأن السلام عطيّة ثمينة، يجب تعزيزها وحمايتها... فلا للحرب أبدا!.. لا للحرب أبدا!... وأضاف قداسته: إنني أعيش بألم بالغ أوضاعَ الصراعات الكثيرة في أرضنا هذه، لكن قلبي في هذه الأيام مجروح بعمق بسبب ما يحدث في سوريا، والتطورات المأساوية الماثلة أمامنا...فكم من المعاناة والخراب والألم أصاب هذا البلد المنكوب نتيجة استخدام الأسلحة! إنني أدين بحزم شديد استخدام الأسلحة الكيماوية، وأقول لكم: هناك دينونة الله ودينونة التاريخ لنا وِفق أعمالنا، ولا يمكن الفرار منها! فاللجوء للعنف لن يقود مطلقا للسلام، والحرب تجلب الحرب!..."! هذا وقد طلب قداستُهُ من المؤمنين وغير المؤمنين، الصوم والصلاة (أو بالطريقة التي يرَوْنها مناسِبة) يوم 7 سبتمبر، من أجل السلام في سوريا...
من ناحية أخرى، فقد أعرب الأزهر الشريف عن رفضه الشديد لقرار أوباما، توجيه ضربة عسكرية لسوريا، الأمر الذي يشكّل اعتداءً وتهديدا للأمّة العربيّة والإسلاميّة.. (جريدة الوفد- 1.9.13).
فإلى أين يريد أن يصل أوباما؟!..وإلى أين يتبعه قطيع المؤيّدين؟!... إن ضرب سوريا، كما يفهم الجميع، حتى لو كان "محدودا"، منَ الجائزَ جدا أن يتَّسِع وليس فقط إلى صدامٍ قُطْرِيّ!! فالبحر المتوسّط مليءٌ أيضا بالبَوارِجِ الروسيّة، وليست أميركا وحدَها مَن تمتَلِك طائراتٍ وصواريخ!!...
لِيَحفظِ الله شعب سوريا وشعوب المنطقة والأرض كلها، وليُجَنّبهم كلَّ سوء!
(08.09.2013 المكر- إقرث)
