لعنة الماركسية

single

قلب ماركس وبكل بساطة سؤال من سبقه من الفلاسفة "لمّ خلقنا" إلى سؤال آخر "كيف نعيش"

عند البعض هي لعنة وعند البعض الآخر هي ظاهرة تاريخية. ولكن لمَ الماركسية تحديدا، وما الذي تمثله لتستحق هذا الاستثناء من دون كل النظريات؟ إنها تجيب عن جزء من هذا السؤال: "استحقُ هذا الاستثناء، لأني النظرية الوحيدة التي شهدتْ أتباعا لها من مختلف بقاع الأرض، من أفقر البلدان الى أغناها، وأفرادا من مختلف الإثنيات والطوائف وفي كل مكان بلا استثناء"!
أين السر في هذا؟
الإجابة هي في الجزء الثاني: هو أن عميد هذه النظرية الفيلسوف كارل ماركس قلب وبكل بساطة سؤال من سبقه من الفلاسفة "لمّ خلقنا" الى سؤال آخر "كيف نعيش". هكذا وبكل بساطة قام ماركس بإنزال الفعل من السماء إلى الأرض ووضعه بين يدي أبسط إنسان: " الفعل بين يديك، في الأرض وليس في السماء". كارل ماركس منح قدرة الفعل والتغيير لهذا الإنسان البسيط بغض النظر عن مكانه وانتمائه.
فكرة العدالة الاجتماعية ليست وليدة بنات أفكار ماركس بل هي حلم قديم، ولكن كل من سبقوه كانوا يقصرونه على فئة دون أخرى ضمن محدودية المكان والزمان، وماركس جعله حلمًا أمميًا: "لا يمكن أن نصل إلى عدالة اجتماعية حقيقية لا تشمل جميع البشر على حد سواء"!
كثيرون فهموا الماركسية حتى ممن ادعوا الماركسية أنفسهم، "إن الماركسية وضعتْ قوانين"، والحقيقة أنها لم تضع قوانين، بل هي اكتشفت قوانين كانت تسيّر حياتنا لآلاف السنين، تتغير تبعا لحالة التطور البشري، وفي اكتشافها هذا لم تكتف بتسجيله في أوراق بالية مركونة على رفوف قديمة، بل عملت على فضح صورته التدميرية على حياتنا، وفي فضحها هذا دخلت محظورين ظلا لسنين طويلة مقتصرين على فئة دون غيرها، هذان المحظوران هما الاقتصاد السياسي والدين.
الماركسية هي النظرية الوحيدة التي جلبت لها الأعداء والأتباع على حد سواء في كل البقاع حين طرحت ماديتيها الجدلية والتاريخية في تحليل ظواهر المجتمعات، ولذا لا غرابة أن يكون أتباعها من الجياع. حاولت الماركسية لا أن تجيب عن تفسير خوف الجائع الذي وإن وجد عملا فسيظل مهددًا بالجوع، بل وأشارت وبكل جرأة إلى المسبب بهذا الخطل، وأكثر من هذا لم تكتف كغيرها من النظريات، بل أرشدت وقادة طرق التغيير، وحققت الكثير.
وما ساعات عمل 36 ساعة في الأسبوع ويومي عطلة، وحق الإضراب المدفوع الأجر إلخ إلا ثمرة من ثمار نضال الرواد الأوائل في مختلف بلدان العالم، وغيره من مساواة المرأة في الأجور، وتحريم تشغيل الأطفال إلخ الذي أصبح اليوم جزءًا من بديهيات حقوق الإنسان التي وقعت عليها البلدان وطبقتها فعلا أو قولا.
يقول الجيولوجيون عن كوكب الأرض إن أكثر ما يتفرد به عن غيره من الكواكب، هو قدرته على تحديث نفسه، ويتم عن طريق ظواهر طبيعية ممثلة بالصقيع والجفاف والحرائق، الفيضانات والبراكين، الزلازل وحركة الصفائح الكانتونية. هذا التحديث قد لا يستوعبه الإنسان لأنه فسر كل شيء على أساس انه جوهر الأرض ولكن بالنسبة لهذه الظواهر لا يغدو أن يكون عمر السلالة البشرية أكثر من واحد في المليون من "عفطة عنز".
ولكن الأغلبية ظلت تفسر هذه الظواهر على إنها "كوارث" أو "لعنات" ضمن عقليتها المحدودة، وبهذا هي محقة أيضا حين تقول عن الماركسية "إنها لعنة"!
نعم انها لعنة حلم لمجموعة من البشر يطاردون بها الأنانية واللامساواة، والجرائم واللاعدالة.
إنها ظاهرة من ظواهر الطبيعة، لا أكثر ولا أقل.

 

 

* كاتب عراقي

قد يهمّكم أيضا..
featured

القدرة على الخروج منتصرين

featured

زمن الردّة العربي

featured

قراءة في أحداث الأسبوع الأخير

featured

سوريا .. "إذا صاحت الدجاجة كالديك فالوضع لا يبشر بالخير"

featured

إسرائيل ومسألتها اليهودية المأزومة

featured

بوتين يضع حدًّا لسياسة الهيمنة الأمريكية في المنطقة