قال أحد الحكماء:
"العافية عشرة أجزاء، تسعة منها في الصمت، وواحد في الهرب من الناس".
يحضرني هذا القول كلما أجد نفسي في محضر الثرثارين محاولا الهروب مخفقًا وملتحفًا بالفشل والملل.
الثرثرة داء لا يشعر به الثرثار وإنما يشعر به الآخرون. هكذا ثرثار يعاني سُقمًا ويقول: "أنا أثرثر إذًا أنا موجود"، محرِّفًا ما جاء على لسان (أبو العقلانية) الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت الذي قال: "أنا أفكر إذًا أنا موجود".نعرف كما يعرف الجميع ان الإصغاء مهارة من المهارات، لكن هذه المهارة تنهار كلما علا صوت الثرثارين.. عندما تتفاقم الثرثرة تتقهقر قوّة التحمّل وتتعطل المهارات.
في الحديث الشريف: "مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت".
الانهماك في الثرثرة يحوّلها إلى آفة لسانية تقطر اغتيابًا ونميمة. قد تكون للثرثرة فوائد منها تفريغ الطاقات والاحباطات والمكبوتات في الداخل والممنوعات المرغوبات. الثرثار يعيش حالة عشق لسماع صوته فصوته الأجمل أما صوت سواه فهو الأقبح وهو هذيان لا يخضع لمنطق. ثرثرات الثرثارين سكاكين تنحر عميقًا أعناقنا ومع الأعناق يذهب أو يتهاوى ما فوقها من عقلانية وأفكار.
حديث الثرثرة هذا يخنقني.. تخنقني رتابة حديث المثرثرين من معارف وأصدقاء يقبعون في دائرتي.. أحاول الهرب من ظلالهم الثقيلة لأجد نفسي في غرفة مرناتي حيث انتقل كما يقولون: من تحت الدلفة إلى تحت المزراب". على شاشة المرناة تأتينا المشاهد المكررة والأحاديث المكررة وتحديدًا السياسية منها فالسيد الفلسطيني يتحدث عن فقدان المفاوض الإسرائيلي وهذا يحرض على الفلسطيني في بلاده وخارجها ومع هذا ورغم هذا يتشدقون ويتحدثون عن التنسيقات الأمنية بينهما!! وبين المساحات الفاصلة بين هذه التصريحات المتناقضة يتساقط شباب الطرفين وتغمر دماؤهم تراب الوطن. هذه الأحاديث وواقعها المر المكرّر أمسى ثرثرة تتراجع أمام تأتأتها آمال الوئام ويستشهد السلام.
ثرثرات الأصدقاء وثرثرات الرؤساء تقع على مسامعنا وكأنها (حكاية إبريق الزيت) تلك التي لا تنتهي والمخلّدة في محكيتنا التراثية الفلسطينية.. حكاية في أساسها ترديد من قِبل الأم الفلسطينية قصة إبريق زيت لا زيت فيه يجلب النوم لعيون أولادها. الحديث عن حل الدولتين وإطلاق المفاوضات بين الجانبين يعود علينا بخفَّيْ حُنين ولا يترك لنا من الحكايات إلا حكاية ممجوجة اسمها حكاية إبريق الزيت.