قامت منظمة "إم ترتسو" (إذا أردتم) مؤخراً بنشر تقرير عالج ما أسمته بـ"ظاهرة التحريض ضد الصهيونية في الجامعات الإسرائيلية". وكتبت هذه المنظمة اليمينية تقريرها بناءً على طلب رئيس لجنة التربية والتعليم في الكنيست زفولون أورليب.
احتوى التقرير على ثلاثة أجزاء. الأول: تطرق لبحث استهدف عدداً من المؤسسات الأكاديمية البارزة في الدولة وفيه "وثقت" شهادات طلبة حول "محاضرين يستغلون مكانتهم للترويج لمواقف سياسية منحازة"، والثاني: تحدث عن نشاطات ودعم بعض "الخلايا المناهضة للصهيونية والداعمة للإرهاب والتي تنشط في الجامعات"، والثالث: تطرق إلى دور وانخراط الأساتذة والمحاضرين ورجال الأكاديميا الإسرائيليين بالدعوة إلى مقاطعة إسرائيل وإلقاء العقوبات عليها مع ذكر أسماء واضحة لمن يدعي التقرير أنهم متورطون بهذه "الاتهامات".
لم يحظ هذا التقرير باهتمام ملائم لدى مؤسساتنا القيادية، ولا حتى بالإعلام المحلي، كما لم يعالجه أي من الأكاديميين العرب العاملين في جامعات الدولة ومؤسساتها الأكاديمية، وذلك على الرغم من خطورة ما ورد فيه وعلى الرغم مما يعكسه ويرمز إليه. بالمقابل حظي هذا التقرير باهتمام العديد من الأكاديميين اليهود ووسائل الإعلام العبرية، هذا علاوة على بحثه في الكنيست وتصريح وزير التعليم جدعون ساعر ووعده بأن يقوم بدراسة ما ورد فيه من حقائق وادعاءات وأنه سيعمل ضد المحاضرين الداعمين لفرض المقاطعة الأكاديمية على إسرائيل.
"الثورة الصهيونية الثانية" هو شعار التعريف الذي تبنته منظمة "إم تيرتسو" التي باتت مواقفها التحريضية تسمع كل عشية وضحاها، والأهم أن المؤسسة الحاكمة تأخذ بما تكتبه وتعد بالعمل من خلال تهديد من تستهدفهم تقارير هذه المنظمة كما هو الحال في تصريح وزير التعليم جدعون ساعر في هذه القضية.
باعتقادي أن تصريح الوزير ساعر وآخرين، كما وأن الحالة التي يعكسها التقرير من حيث الفكرة المؤسسة لإعداده والأهداف المرجوة من ما احتواه وطريقة التعاطي الرسمي معه، تضيف برهاناً على تردي الواقع السياسي وتدلل على عمق وجدية الانزلاق في منحدر سيؤدي حتماً إلى نظام فاشي في الدولة.
على الرغم من التفاوت والاختلاف في المدارس السياسية حول تعريف النظام الفاشي، إلا أن هنالك شبه اتفاق على بعض المعايير، في حالة وجودها وتعاظمها يكون هذا مؤشراً على الفاشية في هذا المجتمع.
سيادة الجيش وهيمنة "العسكرة"، التعامل شبه المرضي في ما يسمى أمن الدولة، العلاقة الوثيقة بين المؤسسة الحاكمة والمؤسسة الدينية، دفاع الدولة عن الشركات الكبرى والعلاقة بين السلطة ورأس المال، إضعاف نقابات العمال، غطرسة المشاعر القومية المتطرفة، الاستهتار بحقوق الإنسان والاعتداء على الحريات الأساسية، الإجماع على استعداء هدف وإيجاد "أكباش فداء" على شاكلة أقليات قومية أو فئات اجتماعية مستضعفة، إعلام مجند وغير موضوعي وفاقد للمهنية الإعلامية الحيادية، فساد متفش في جميع منظومات الإدارة والحكم، كلها تعتبر من المعايير التي بمساعدتها نستطيع تشخيص نظام ينزلق في منحدر الفاشية، إليها يضاف ما هو مرتبط بموضوعنا وتقرير منظمة "إم تيرتسو" وهو الذي يتحدث عن محاربة "الحرية الأكاديمية" والاستخفاف بمكانة الأكاديمي والمثقف.
إخراس الأكاديميين وترهيبهم أو ترويضهم يأتي عادة كإحدى الضربات المتأخرة التي تهوى على صخرة النظام الديمقراطي وتؤدي إلى انحلاله وبهذا المعنى يتوجب علينا جميعاً أن نعي ما قد تؤدي إليه شرارة هذا التقرير وما سينشأ من حرائق، فيما تبقى من جيوب خضراء ما زالت تنتج بعضاً من أكسجين يسعف رئات الدولة الموبوءة.
يقول قائل، أن الأمر جلي وواضح فنحن نعيش في نظام وفي مجتمع تستوطنه جميع تلك الفيروسات التي تؤدي إلى سرطان الفاشية ولا حاجة لعلماء اجتماع أو أكاديميين ليشخصوا الحالة، فنحن نعيشها يومياًُ ونكابد أوجاعها يومياً ونصمد في وجهها يومياً!
أما أنا أقول ما علمه التاريخ، أنه لطالما امتطت الفاشية صهوة نظام بعد أن شبكت يديها بيدي فرسان أعانوها على الركوب إلى أن تتمكن فتدوس بحوافرها جميع من تخلَّف ولم يركب ركبها.
مرة أخرى أقول أن على مؤسساتنا وقيادييها القيام بدراسة الوضع الخطير الذي يتكون أمام أعيننا في هذه الدولة. علينا أن نشخص الداء بشكل سليم وعلينا أن نجد الدواء في صيدلياتنا، للأكاديميين والمثقفين بيننا دور هام وحيوي، وصوتهم يجب أن يسمع بشكل جلي وواضح، وعليه أن يكون مؤثراً فهم، من مواقعهم، أدلاؤنا.
أخيراً استهدف تقرير "إم تيرتسو" مجموعة من المحاضرين والأكاديميين اليهود العاملين في المؤسسات الأكاديمية في الدولة وأصبح هؤلاء تحت بقعة الضوء. بعضهم صرخ نافياً ما ألصق به من شبهات وتهم، وبعضهم دافع عن موقعه وموقفه، ولكني أخشى أننا سنخسر، جراء هذه الهجمة الخطيرة، بعضاً منهم. أما الأهم فستبقى الحقيقة الغائبة عن مصير أكاديميينا ومحاضرينا في جامعات البلاد، فإن سلط سوط الإرهاب والترهيب على كوكبة من المحاضرين اليهود، ما بالكم سيكون مصير ذلك العربي الذي يولد خائناً، كما يعتقد كتبة "إم تيرتسو"، وأغلبية سكان هذه الدولة؟
إن "مهددي الوزير ساعر" هم عملياً حلفاء لنا ولقضيتنا، حتى وإن اختلفنا معهم في قضايا هامة أخرى، فهل نخرج مرة من قوالب عملنا المكررة ونحاول أن نصلهم، نتعرف عليهم، نحاورهم، نقرِّبهم، نتفق معهم على ما نتفق، ونتفق معهم حول ما نختلف، ونختلف مع غيرهم على ما نتفق معهم.
إذا أردتم فهذا ليس بمستحيل وإذا أردتم من الممكن أن نقيم معهم حائطاً واقياً يكون واجهةً في جبهةٍ عنوانها مثلاُ "من أجل الحرية الأكاديمية".
ميمنا أم ميمهم؟ يبقى السؤال والتحدي، "إذا أردتم"!
