كي لا يكون المسمار الأخير في نعش م. ت. ف

single

*في ضوء "استحقاق ايلول"، حان الوقت للمطالبة بإصلاح منظمة التحرير من اجل ترتيب البيت من الداخل*

 يدور في الفترة الأخيرة نقاش جدّي في البيت الفلسطيني حول خطوة التوجه للأمم المتحدة، أو ما يسمى باستحقاق أيلول، وتقديم طلب الاعتراف بعضوية دولة فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة (غدًا).
لا يأتي هذا النقاش من فراغ، فقَدْ مرّ الشعب الفلسطيني في محطات عديدة، كانت لها أبعادها الشكلية والجوهرية على الحقوق التي ضحى من أجلها الآلاف، من شيوخ ونساء وشباب وأطفال، من أبناء هذا الشعب، شعب الجبّارين. ومن المؤكد انه يحق لكل فلسطيني أن يبدي رأيه وأن يعيد النظر مرارًا وتكرارًا في أبعاد هذه الخطوة التي سيكون لها تأثير كبير على واقع الشعب ومستقبله وحقوقه الأساس، وعلى رأسها حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
على مر سنين النضال، قامت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية (م. ت. ف.) بخطوات مصيرية عديدة غيّرت مسلك القضية الفلسطينية في الساحة العالمية بشكل عام، والفلسطينية بشكل خاص. حيث قامت المنظمة بالاعتراف بقرار التقسيم، بنوع من التحفّظ، في وثيقة إعلان الاستقلال في نوفمبر 1988، بحيث أن هذا القرار ما زال يوفر شروطاً للقرارات الدولية التي تضمن حق الشعب العربي الفلسطيني في السيادة والاستقلال الوطني. هذا البند شكّل نقطة انطلاق نحو المفاوضات السياسية التي نتج عنها إتفاق أوسلو.
من خلال إتفاق أوسلو، اعترفت م. ت. ف. باسرائيل مقابل اعتراف الأخيرة  بها. ولتثبيت نواياها الغت بنود الميثاق الوطني الفلسطيني التي تنفي حق إسرائيل بالوجود. كما تم الاتفاق، ضمن أوسلو، على أن الاراضي المخصصة لإستقلال الشعب الفلسطيني هي منطقتيّ الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد تبعثر حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة ضمن قرار التقسيم؛ منطقة نفوذ الحكم الإسرائيلي تمتد على 78% من مساحة فلسطين التاريخية، الا انها ما زالت عمليا تتحكم بكل الارض من النهر للبحر، بما يشمل قطاع غزة من خلال حصارها البري والبحري له.
تستند إسرائيل في رفضها اقامة دولة فلسطينينية ضمن حدود 67، الى قرار مجلس الامن 242، والذي تعتبر انه يقر حق إسرائيل بتحديد "حدود أمان"، أي حدود دفاع تضمن لها الامن والاستقرار، بدلا من حدود ما قبل حرب حزيران 67. وتزعم اسرائيل إن حدود الامان يجب ان تشمل منطقة الاغوار وسلسلة جبال الضفة الغربية، وأن تكون منزوعة من سلاح الحرب الثقيل في ظل سيادة الدولة الفلسطينية، من خلال التحكّم بالمجال الجوي فوق الضفة الغربية والسيطرة على الطرق الرئيسية من اجل التنقل الحُر في حالة حدوث هجوم على إسرائيل.
إن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، على جزء من فلسطين التاريخية، كان قد صدر في قرار 181 في تاريخ 29/11/1947، والذي يُعرف أيضا بقرار التقسيم. نصّ هذا القرار على إقامة دولتين، الاولى عربية والأخرى يهودية، وبذلك كان قد سلب حق الشعب الفلسطيني في الاستقلال فوق كامل التراب الوطني الفلسطيني وأعطى الضوء الاخضر للحركة الصهيونية لتجسيد فكرة بناء وطن قومي لليهود، وبذلك تم إستقلال الكيان الغاصب.
ربما، بمفهومٍ تاريخيّ ما، يمكن اعتبار خطوة التوجه للامم المتحدة تهدف لتحريك الأحداث صوب إستراتيجية جديدة هي خلق كيان فلسطيني شرعي، كحقيقة لا يمكن التهرب منها عالميا، يقطع الطرق على أجندة اسرائيل الحالية ، ويمنعها من تطبيق تكتيكها بتحويل قضية فلسطين الى قضية إقليمية، يتم حلّها في الأردن وسوريا ولبنان وجميع أماكن تواجد الفلسطينيين، وهو أمر مرفوض فلسطينيًا. بالتالي فإن توجه قيادة منظمة التحرير ينبع من غياب العمق العربي، الذي بدوره ولّد حالة من "الروح الانهزامية" لدى صاحب القرار الفلسطيني، بعد أن رفع العرب ايديهم عن فلسطين وإستفردت إسرائيل، بمساندة أمريكية تامّة، بالشعب الفلسطيني.
أحد أكثر الاسئلة الحاحا هو حق العودة، وماذا سيكون مصير هذا الحق بعد إستحقاق أيلول. فالجمعية العامة للأمم المتحدة، قد أصدرت القرار في 11 ديسمبر 1948، لكنها "لم تتمكّن" طوال 63 عامّا من إعادة لاجئ فلسطيني واحد الى أرض فلسطين، وبالتحديد فلسطين المحتلة عام 48. وعند محاولة الجموع من لاجئي لبنان وسوريا اقتحام حدود الأراضي المحتلة، كجزء من ممارسة حقهم في العودة، قامت اللجان المنظمة لمسيرة الزحف بتوجيه نداء الى الأمم المتحدة والصليب الاحمر والمجتمع الدولي مطالبة بحماية المسيرة ومساعدتها على تحقيق حق العودة، حيث أن تطبيق حق العودة كان ولا زال واجبا من واجبات الأمم المتحدة، كما ان اللجان حمّلت الجهات المذكورة اعلاه مسؤولية اي اعتداء على المسيرة، ولكن الامم المتحدة تقاعست في حماية المسيرة والمشاركين فيها، وبذلك فهي كانت قد رفعت يديها امام الحق الازلي للشعب الفلسطيني، في العودة الى ديارهم، وكان الرد الوحيد إدانة إسرائيل لإستخدامها القوة "المفرطة" ضد المتظاهرين.
كان حق العودة وما زال أساس القضية الفلسطينية، فإن كانت هنالك حلول تستثني هذا الحق ستتحوّل بشكل قطعي لحلول مرفوضة. هكذا كان مصير "محادثات السلام" في كل مراحل القضية. إسرائيل بدورها تقوم بترهيب المجتمع الإسرائيلي بحق الفلسطينيين بالعودة، من خلال ترويج حملات اعلامية وتحريضية، بشكل مباشر وغير مباشر، وهكذا تحوّل هذا الحق الى حلم لا أكثر. وتستفيد الحكومة الاسرائيلية من نتائج تجييشها بالادعاء ان ما يمنعها من استيعاب عدد معيّن من اللاجئين الفلسطينيين، هو رفض المجتمع الاسرائيلي وعدم تقبله لعودتهم!
يجب على القيادة الفلسطينية توفير الاجوبة الملائمة والكافية تجاه هذا الحق. ولنستذكر السؤال الاكثر اهمية في هذه المرحلة: "ما هو مصير اللاجئين، في الداخل الفلسطيني المحتل 48 والدول العربية والشتات؟!"، هل سيُترك هذا الأمر للقضاء والقدر، أم أن هناك تنازلا "ضمنيا" عن هذا الحق في ثنايا هذه الخطوة؟!. لقد قمت مرة بتوجيه هذا السؤال، في مداخلة حول استحقاق ايلول، الى وزير سابق في السلطة الوطنية الفلسطينية، وقد أجابني بالحرف الواحد: "إن حق العودة شبيه بالحلم، نضالكم يجب ان يكون من اجل تحصيل الحقوق المدنية في دولة إسرائيل، يجب ان تنظروا للمستقبل"..! إن تصريحًا كهذا يحتّم علينا كفلسطينيين أن نقف امام هذه الطريق، التي لربّما لن يكون لها مخرج.
في عودتنا الى خطوة التوجه للأمم المتحدة، تُطرح اسئلة اخرى: ماذا سيكون مصير دولة فلسطين التي ما زالت قابعة تحت الإحتلال؟ هل سيستمر التنسيق الأمني بين دولة فلسطين المُحتلّة وبين دولة إسرائيل المِحتلّة؟ ماذا عن حال الأسرى البواسل القابعين في سجون الاحتلال والذين يصل عددهم ل- 6500 أسير، ومن ضمنهم الأسرى القاصرين الذيت يمثلون الأمر الأكثر حساسية، وتقاعست الامم المتحدة في حمايتهم. ما هو مصير الاتفاقيات الاقتصادية المبرمة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل؟ هل ستقوم أجهزة الأمن الفلسطينية، التي لم تحرك ساكنا تجاه معاناة المواطنين الفلسطينيين، بحمايتهم من هجمات قطعان المستوطنين وإنتهاكات أجهزة الامن الإسرائيلي؟ هل ستقوم الدولة المُرتقبة بمواجهة إسرائيل وتفكيك جميع الحواجز داخل الضفة الغربية من أجل ضمان حرية التنقل للمواطنين الفلسطينيين؟ كيف سيكون شكل "همزة الوصل" بين الضفة الغربية وقطاع غزة بعد إعلان الاستقلال؟ هل ستستقّل الضفة الغربية، ويظل مصير قطاع غزة مجهولا - حيث انه لم يتم الوصول لإتفاق وطني بين فتح وحماس في هذا الشأن.
يجب العمل كيلا يكون إستحقاق أيلول المسمار الأخير في نعش منظمة التحرير الفلسطينية، التي تم خلال السنين الأخيرة إضعافها بشكل مقصود لمصلحة سلطة الحكم الذاتي المحدود.  وهو سعي لاستكمال إنهائها وما تمثله، ولو نظريا، ككيان معنوي لكل الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده - لمصلحة دولة لا نرى لها وجودا في الواقع، وبهذا يتم ترك الفلسطينيين خارج حدود الضفة والقطاع لمصيرهم. وفي مواجهة هذا النهج يجد الكثير من بنات وأبناء الشعب الفلسطيني إنه حان الوقت للمطالبة بإصلاح منظمة التحرير من اجل ترتيب البيت من الداخل، والمطالبة بحملة تمثيل وطني فلسطيني شامل، ليكون الاطار الجامع لجميع الفلسطينيين في العالم يتم من خلاله اتخاذ القرارات المصيرية للشعب الفلسطيني.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الحرية لأسرى الحرية

featured

نطالب بهزِّ يوم الأرض..!

featured

هل تمس الخلافات الامريكية- الاسرائيلية التحالف الاستراتيجي بينهما؟!

featured

أبا جمال - نطمئنك، لم تترك الحصان وحيدًا!

featured

حرب على الحرية

featured

لعنة الماركسية

featured

بين الماء والتأمل

featured

الامراض الارتشاحية - المنتشرة في الرئة – Diffuse Pulmonary Fibrosis (1-2)