تماهي الهوية الفكرية اتجاه المرأة في الأحزاب

single

*جرى كثير من المياه تحت جسور الخصوصية الفكرية للأحزاب الوطنية واليسارية على وجه الخصوص، حيث قامت بتقديم تنازلات فكرية واجتماعية لأسباب ودواعي غير مبررة*


لم تكمن المشكلة في تقدم موقف الشباب اتجاه قضايا المرأة الاجتماعية عن نظرتهم لحقوقها السياسية، بل كان التماثل والتماهي، في مواقف الشباب من مختلف التنظيمات السياسية، في نظرتهم المتجانسة لتلك الحقوق هو مصدر الاستغراب والاستهجان.
في استطلاع مركز "أوراد" الأخير، أيد ثلاثة أرباع الشباب الفلسطيني إلغاء البند القانوني المتعلق بالعذر المخفف لمرتكبي جريمة القتل على خلفية "الشرف"، بينما أيد نصفهم فقط تولي المرأة المؤهلة منصب الرئيس، وفي تفاصيل الاستطلاع، لم تظهر أي خلافات في وجهات نظر قواعد الأحزاب والتنظيمات حول المادة الخلافية في قانون العقوبات، حيث أظهرت الاستطلاع ارتفاع تأييد المستقلين، من الشباب والشابات، لإلغاء تخفيف عقوبة جريمة "الشرف" وبواقع 77% من العينة البالغة ألف ومائتي شخص من الجنسين، في الوقت الذي أيد 74% من قواعد حماس وفتح وأحزاب اليسار إلغاء ذات البند. ولمزيد من توضيح التجانس والتشابه الثقافي والفكري بين الأحزاب، من اليمين والوسط واليسار، فقد عارض نصف العينة من جميع التنظيمات، وبفروق غير جدية، أن تتبوّأ امرأة مؤهلة لمنصب رئيس الدولة.
لا شك بأن عملية التوعية التي قامت بها المنظمات النسائية والمجتمعية في مجال تعزيز حقوق المرأة قد فعلت فعلها، وأدّت وظيفتها المنشودة من أجل نبذ ظاهرة قتل الفتيات والنساء بذريعة "الشرف"، وفي كشف الغطاء عن التباس مفهوم "الشرف" في معرض القتل، نظريا وفي الممارسة، وفي تناقضه مع سلّة الحقوق والتعهدات المسجلة في المرجعيات والوثائق لجهة المساواة وتبني وثائق حقوق الإنسان. لقد اعتبرت المنظمات المجتمعية بأن المزيد من التوعية عبر المنابر المختلفة، وبواسطة وسائل الإعلام والاتصال العديدة ستلقي بثمارها وتعطي أكلها بالتراكم، ولا شك بأن كشف المستور عن عديد الجرائم المرتكبة باسم "الشرف"، وأكثرها وضوحا مقتل الفتاة آيات برداعية، التي هزت الضمير الإنساني، وجعلت الرئيس الى إصدار قراره بتعليق العمل بأحكام البند القانوني، مما ساهم بتحقيق المزيد من نشر الوعي الحقوقي وفي صنع الرأي العام، وبما يمهّد الطريق أمام القانون لرؤية النور الذي طال انتظاره.
لا أفضل أن أسترسل في مفصلية وأهمية عمليات التوعية وأثرها في عملية التغيير الاجتماعي أو في تغيير القوانين المتعلقة بالمرأة، ليس عندنا فقط بل وفي عموم المنطقة العربية التي المتشاركة في الخصوصية الثقافية. كما لا أفضل التعويل كثيرا على نتائج المسوح في تحديد الجاهزية لطرح القانون، وتحديدا تلك المسوح التي تعتمد منهجية إجراء المقابلات وتعبئة الاستمارات وجها لوجه.. عوضا عن المسوح النوعية التي يتم تعبئتها بشكل مختلف ولتعطي نتائج أكثر دقة لتحديد مدى جاهزية المجتمع لإصدار القانون أو لوضع السياسات والخطط. فالمستطلَع قد لا يكون مرتاحا للإجابة على الأسئلة الدقيقة المتعلقة بالقضايا الاجتماعية، التي يعتبرها من وجهة نظره، ذات طبيعة خاصة وشخصية، وتحديدا إذا ما لمس خلال المقابلة تبني الباحث لموقف ما، أو لدى تلمسه بأن المسح يبحث في موقفه الخاص في قضية من عيار ووزن العلاقات العاطفية بين الجنسين ومترتباتها، فنوعية الإجابة قد يترتب عليها النظر اليه: كمجرم محتمل أو كمشجع على ارتكابها..
يطرح الاستطلاع على بساط البحث والتفكير، قضية أصبحت ضاغطة تتمثل في حقيقة تأثر الأحزاب بالثقافة المجتمعية التقليدية السائدة، حيث ظهر بشكل جلي سقوط الأسوار الاجتماعية فيما بينها، وبما خلق التماهي في الحدود الفاصلة بين أعضائها على صعيد التوجهات الاجتماعية العامة، دون أدني تمايز ما بين أعضاء ومؤيدي اليسار الذين من المفترض أن يعتمدوا منهجا فكريا تقدميا يؤمن بعمق بمبدأ المساواة والحرية الاجتماعية، مع أعضاء من حركة فتح الذين لم يعودوا يظهروا أي تمايز خاص يميزهم عن الأحزاب التي تعتمد الايدولوجية الدينية.
لقد جرى كثير من المياه تحت جسور الخصوصية الفكرية للأحزاب الوطنية واليسارية على وجه الخصوص، حيث قامت بتقديم تنازلات فكرية واجتماعية لأسباب ودواعي غير مبررة، ودون القيام بوقفة فاحصة وجدية أمام تماهي هويتها الفكرية مع الهوية التقليدية، الأمر الذي جعل المجتمع الفلسطيني يتراجع إلى الخلف، وكأنه سائر بعكس عقارب الزمن والتاريخ نحو فقد وغياب الفوارق في الهوية الفكرية والاجتماعية بين الأحزاب المختلفة، وتحديدا إزاء حقوق المرأة على الصعيد الاجتماعي والسياسي، وهو الغياب الذي لا يلمس فقط في الاستطلاعات والمسوح بل كذلك في مجال الدفاع عن حقوقها لدى المساس بها وانتهاكها.
نحن بحاجة إلى المزيد من الاستطلاعات الراصدة للتغيرات الحاصلة على المواقف الاجتماعية للناس، لكننا بحاجة أكثر إلى المسوح النوعية العميقة التي تساعد على التحليل العلمي ولا تقدمها كأحجية، بل كأداة مساعدة في تحديد موقف المجتمع لاشتقاق السياسات وتحديد المهام..

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشاباك في الجوقة الفاشية!

featured

القائمة المشتركة تجسّد فرصة وطنية وديمقراطية

featured

"قانون التظاهر" دليل على الإمعان فى الفشل

featured

خابت حسابات القيادة الإسرائيلية

featured

اللُّعب بالسياسة باسم "النقاوة القومية"

featured

آمال جيدة لليسار في اليابان

featured

اعتداء مُدان يتجاوز عنوانه المحدد!