راح العيد... وإجا المعلِّم وقتلاتو...

single

وبعدما راح العيد، ومع انتهاء العُطلة بانقضاء موسم الأعياد (تنعاد على الجميع بالخير والبركة)، كُنّا نؤكّد ذلك "على أيامنا"، لكِنّنا مضينا إلى عرين ذلك الغول هَبّة ممتلئ من نعمة العيد ومباهجه بشَحناتٍ إضافية من دِفء أنفاس البيت الشتوية.. الربيعية والصيفية بنَفس المعنوية. مضينا نفوسًا وأقدامًا تدُكُّ المسار مهما طالَ أو تلوّى، استكمالًا لحفرِ مسارات واضحة لا تأتي على معالمها الفيضانات الموسمية. وإذ المعلِمُ ينتظرُنا على المفارِق... وفي وسط الطريق أكثر رحابةً، حيويةً وتجدُّدًا مما دفعنا إلى الصفوف أكثر انسجامًا، حماسًا وانتظامًا أقَلَّ شغبًا وزعبرة (كلّ عُمرها تصير!). وقد عُرف عن الوالدين، بعد شكوى المعلّم لديهم، أنهم باركوا له تأديب "الشواذ" بالقول: "إلَك اللحمات وإلنا العظمات"، لا تفريطًا بلحمات الولد، بل تأكيدًا على الإذن له بممارسة الأسلوب التربوي الذي يرتئيه، وهُم مدركون أن قلبه عطوف، فما سَلَخ يومًا جِلدًا ولا عرّى نفسَ تلميذٍ من عزّتها. فرُبَّ أبٍ لكَ لم يُنجِبكَ!
لا سِرَّ في الأمرِ ولا سِحر. إنها معادلة بسيطة الحَلّ. وإن كُنت فيمن لا تربطهم علاقة غرامية بعلوم الحساب، إلّا أنّني أهوى حلّ معادلاته حيث لا يتطلّبُ الأمر تحليل متخَصصين. فقد حلّها كثيرون أمثالي، قبلي وبعدي. أدركوا الحَلَّ بعين وحدسِ المربِّي المسؤول، قرأوه.. وأبصروه حشوةً كامخةً بين التربية الحديثة المبهِرة ومُفرزاتها من مفرداتٍ وتعابير رنانة ذات أبعادٍ إنسانية تنطلق من مراعاة شعور الأطفال... ولا تنتهي بفتح آفاقٍ أوسع لحُريتهم وميولهم الفرديّة. في رياضِ هذه التربة المخملية الراقية يكمُنُ الفساد رمادًا ساخنًا متحركًا بين النهجِ والمنهاج! وعُنفٌ صامتٌ خُبثٌ منمقٌ، عنه تُكتَبُ أطروحات أيُها المستعمرةُ عُقولُهم.
قال الله بحسب سفر التكوين: كُن! فكان... أما الأستاذ "بلا تشبيه"، بما فيه "المنيشن" بالشهادات كما الطارئ على المهنة كباب رِزق، فيقول ويُكرر حتى طلوع الروح: كُن! ولا يكون.. وكأنه/ا خاطب أشباحًا على هيئة أطفال. وسِرُّ الفرق في النتيجة هو أن الله طَلَب بحزم المحبّ.. بينما الأستاذ أمر بفتور المـُتذبذبِ، عديم الثقة. ليبقى السؤال الدجاجة أولًا؟ أم البيضة؟، والجواب في حقيقة مفادها أنّ ذاك الأستاذ/الشِّبل من أسرةِ تلك اللبوة! فمن يُنقذ صغارنا من فكّيْ كماشة التربية الحديثة (الهمجية) والمنهاج المقيّد؟! في ضمير الأطفال يكمُن الجواب. وهو ، كما تعلمون لا يستتر، لا يغيب، لأنه حاضرٌ ظاهرٌ على الدوام، إما متصلًا بهموم عصره وما يسقطه عليه من تعقيدات لا ناقةَ فيها ولا جَمَل، وإنما منفصلًا عن ضجيج عالمه مستميتًا (ووالديه) بإيجاد مخرجٍ يتسلّلُ منه إلى مستقبلٍ لا يلفظه كجسمٍ غريب...
الذاكرة، الذاكرة! وما أدراك ما تلك القارورة التي لا تنضُب، ولا يأتي الزمن على قطّارتها أبدًا بانسداد، تشحُّم أو تكلُس. وكأني بها راكب دائم في قاطرة كلِّ سيرةٍ تُفتح، وفي زمن تحديد النسلِ ولّادةٌ متمردة، لا تترُك لك مجالًا لقطع حبلِ سُرّتها عن واقعٍ قد يأتيها بالمخاضِ في أيِ وقتٍ وأية مناسبة. وتقتحمُ مجلس السيرة هذه لتركب "تْريمب" على سيرة المعلّم ومعها حكاية عن مخلوق، من المؤكد أنه لم يُخلق على صورة الله ومثاله، بينما موضوع السيرة إنسانيّ بامتياز!.


*صدِّق أو لا تُصدّق!*


كان هذا القطّ الدكتاتور "عامل حالو أبو علي" على قطط الحارة، فسمّاهُ أولاد الحارة "أبو علي" إلى أن سمع أحدهُم صدفةً رأيًا بفلان: "شو عبالو عنتر عمو أبو زيد خالو"! فرنَّ اسمُ عنتر في سمعه، استوضح المقصود... وإذ به إشادة... فاقترَح عقدَ اجتماعٍ طارئ خرجَ الأصحابُ منه بقرار تغيير اسم الدكتاتور إلى "عنتر" تيمنًا ببطولة هذا، نزاهته وشرفه... ولاحقًا إلى "معلم عنتر" إكرامية كان قدّ حِملها.
أما معلم عنتر، سيداتي وسادتي الكرام، فقد كان من نوادِر الحيوانات، وهي، كما هو معلومٌ، مبرمجة بحسب ناموس الغرائز.. لكنَّ الله سبحانه وتعالى -كما يبدو- قد رأى أن يمتحنه، فرقّاه رتبةً على أمثاله من الخلق. قال : كُنْ! فكانَ... وأُكرم الهِرُّ بقسطٍ من العقل تجسّدَ فيه سلوكًا عاقلًا ودودًا ميّزه عن نظائره. وانقسم الرأي فيه بين حُسّادٍ من الأقربين بسبب هيبته وسطوته وحظوته. بينما استقطب، في المقابل، الكثيرين بفضل دكتاتوريته المنصفة.
لم يكُن له في الحسبانِ أن يبرُز له عدوٌ لدودٌ من بني البشر، وهو المعروف بأصدق محبي ومناصري الطبيعة، وعلى رأسها الحيوان، وعلى رأسها القِطط. فما مرَّ ببرميل قمامه إلّا فتحه: "خلّي البساس تسترزِق"! فراحت عليه لقب "أبو بساس"، حيّاه المارَّةُ ونادوه به، فردّ التحية برحابةٍ وبشاشةٍ وفخر. لكنّ طيب نيته وأريحيته تعّبت رأس معلم عنتر/مختار الحارة، واضطُرّ لتكريس جُلّ وقته لمهمته المستجِدَّة. وهي التنقل بين البراميل حائلًا شرسًا دونها ومَن تُسوِّل له نفسه التسوُّل من خيراتها، معتمدًا الزَجر أحيانًا والعراك أحيانًا أخرى إلى أن ضُبط الوضع.. فبينما رأى "أبو بساس" بتصرفه إعادة حقٍّ طبيعي لأصحابه، رأى زعيمهم أن يستحدثَ دستورًا أكثر تطورًا وتلاؤمًا مع سكان الغاب المؤلَّفين المتحضرين. وكأني به، لو أوتيَ الكلام، لكَلّم رعايا مملكته بالقول الفصل: لا استرزاق بعد اليوم من فضلات الموائد وإن طالت رؤوس أصحابها النجوم! فنحنُ صيادون أكْفاء وتاريخنا المجيدُ شاهدٌ علينا. فلا تنكُّر له بعد اليوم. وشهدنا على طلاب مدرسته يأتون المدخل مستعرضين صيدهم... مفاخرين بشهادات بُطولاتهم، يذهبون بها ويعودون لتناول ما يقدّم لهم كحقٍّ لا كحسنة. هكذا استبدلَ "معلم عنتر" بعقله ديمقراطية مفسدة مُذلة بدكتاتورية إصلاحية.
أما الرواية الثانية فهي الأغرب خاصةً وأن ذكور الحيوان قد عُرفوا بالعداوة حتى كسرٍ عظام أبناء جنسها. توعّكَ أحد أبناء حاشيته الذكور، فواكبه أحد أفراد عائلة "معلّم عنتر" المسمّى "أبو زيد" بفضل هذه القصة مواسيًا... وازدادت حال المريض سوءًا حتى أشرف على الموت. يبدو "معلم عنتر" مكتئبًا مشغول البال بشكلٍ لافت. فراقبناه، لم يُخفِ ما يعتريه أو ما يقوم به، بل أعلنَ أنه يبحثُ في الأطراف عمّا ينفع طعامًا يأتي به مريضه، وإن من برميل القمامة وتقرأُ في عينيه: "أخوك مرغَم لا بطَل" ولم يردعهُ معلمه! وكأنّه واضع التعبير الشعبي "ما جابك على المرّ إلّا إللي أَمَرّ"! أمّا مع الشراب وكان حظّ أبو زيد أحسن، وهناك بقرب مريضه حنفية ماء تنزّ.. منها جمع القطرات... رفع يده للحفاظ عليها فمشى عرجًا حتى وصل ليُقرّبها من فم المحتضِر... هكذا مراتٍ ومرات دون كلل! عمل ما عليه والباقي على الله. مات المريض، فانطوى "أبو زيد".. ماء حزينًا كأنه ينعاهُ ولازمه معلّم عنتر أوقات حُزنه!!.
إن كانت هذه الحكاية تشهد عليه قائدًا معلمًا اتّصَف بعزة النفس وبعد النظر، فإن الحكاية التالية تشهد على بطولةٍ عاطفية من الدرجة الأولى، وقد حكى جارنا الموثوق بكلامه عن هذا القِطّ العجيب فصدّقنا بلا تردد... فللبطَل أسبقيات. قال إنَ بال ليله لم يهدأ وهو يتردد على مريضه (الراوي) مسليًا، مطببًا ومسعفًا! وقد أصيب بالتهاب العين نتيجة اهماله استعمال النظارة الواقية من شرار اَلة اللحام. فباتَ ليلتهُ على كنبة في الشرفة المفتوحة على مزيد من البرودة، مما أثار الشكّ في نفس الصديق ليعوده من حينٍ لآخر... حتى وقف على سبب ملازمته الشُرفة، فعمِلَ من نفسه مناوبًا ليليًا.. يرطِّبُ باطِن كفه بريقه ويمسح جبين مريضه.. يخُرُ فوق صدره مؤنسًا لم يغادرهُ حتى الصباح!!.
فهل يُنكر عاقلٌ أن "قتلات" هذا المعلم عادت عليه بالسمعة الطيبة، وعلى طُلابه بالأصالة المشهودة!؟.
محكومٌ عليه بالفشل انسانيًا من لا يتعلم أقل عبرةً واحدة من الطبيعة في العام، وإن تنازل من أجلِ تحسين نهجِ ومنهاج سلوكه.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الخرائط الفلسطينية في يوم التضامن

featured

إضراب هام لصالح المواطنين

featured

الشيوعي الصلب محمّد جبر قسوم: ترَكتَنا بهدوء على غير عادتكَ

featured

المربِّي الفاضل نمر مرقس في الذاكرة

featured

الإعلام بوصفه شريكاً في المذبحة..

featured

دموع "الطبيب الأبيض"

featured

د. سلام فياض والمفاهيم المغايرة