ليست منظمة التحرير الفلسطينية حزبا سياسيا وهي ايضا ليست جبهة ولا تجمعا قبليا او بشريا تقليديا، بل هي حركة الشعب الفلسطيني في الشتات والجزء المحتل من الوطن؛ شعب كان على شفا الضياع وشتات متجدد متلاحق. منذ يوم النكبة الاول وقبله اعد ورثة سايس – بيكو خططا لتهجير الفلسطينيين، وهكذا مثلا لا للحصر نظَّمت حكومة المانيا الغربية مطلع خمسينيات القرن الماضي هجرة اصحاب المهارات والكفاءة من العاملين الفلسطينيين في لبنان. كما خصصت حكومة الولايات المتحدة مشاريع تنموية وبنى تحتية في العديد من البلدان العربية والتي كان الغرض منها شراء الحكومات العربية لغرض دمج اللاجئين الفلسطينيين تمهيدا لتوطينهم فيها. وبشكل متزامن انشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة وكالتها (اونروا) لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين واعدت لهم المعاهد وبرامج تدريب مهني ارفق ببرنامج تشغيل وتأمين فرص عمل للخريجين في بلدان النفط العربية وتسهيل هجرة المتفوقين منهم من هناك الى الولايات المتحدة مثلا. جميع هذه المشاريع كانت الوجه الآخر لمشروع الحركة الصهيونية ودولة اسرائيل لتشجيع او اكراه الفسطينيين المتشبثين فوق ارضهم للرحيل عن وطنهم في ما بات يعرف بـ "الترانسفير" الى بلدان بعيدة ما وراء المحيط، كندا، البرازيل الارجنتين وغيرها من بلدان القارة الامريكية.
فوق ارض الوطن، تكلل صمود اهل فلسطين فوق ارضهم بالنجاح، انكفأ اصحاب الترانسفير الى جحورهم ليبحث ورثهم عن خدع جديدة، لم يكن التفريق بين ابناء هذا الشعب على اساس الدين والطائفة لتقريبهم من المؤسسة العسكرية الاسرائيلية وجعلهم بالتالي هنودا حمرا فوق ارضهم الا احدثها واجدها. العقلاء وعلى يقين ان مشاريع الحاضر والمستقبل لحكومة اسرائيل ستلقى نفس المصير الخائب، كون رجال ونساء الجبهة ابناء واحفاد اميل حبيبي الباقي في حيفا رغم انف بن غوريون، وبقاء توفيق زياد في الناصرة قاهرة غولدا مئير، ويني يني في كفر ياسف وغيرهم من رجال عكا وسخنين من رجال الجبهة والشيوعيين كانوا ولا زالوا رأس الحربة في مواجهة المشاريع التدميرية.
في بلدان الشتات وباستثناء اللاجئين الفلسطينيين الى سوريا، تاه اللاجئون على وجوههم، ففي لبنان مثلا رضي لنفسه الحاج امين الحسيني دور المستشار لدى المؤسسة الامنية اللبنانية التي كانت وقبلها المؤسسة السياسية الطائفية ترى في وجود اللاجئين الفلسطينيين فوق ارضها خطرًا محدقًا. في معادلة متناقضة امتدت ايدي الرسميين والحزبيين الطائفيين اللبنانيين لتسول المساعدات الغربية على حساب اللاجئين الفلسطينيين وباليد الاخرى سلطوا سيف القهر والظلم على رقاب واجساد وارواح الفلسطينيين فحشروهم في مخيمات كانت ولا زالت اشبه بغيتوهات عزل العنصري. منع "الاشقاء" الحكومة اللبنانية ومؤسساتها الامنية كما يسمون انفسهم زيفا جميع الحقوق الانسانية عن الفلسطينيين. منع حق العمل عن اللاجئين الفلسطينيين ولم يسمح لهؤلاء الا العمل في الاعمال الزراعية مياومة وبدون اي حقوق عمل تقليدية متعارف عليها (اجازات مرضية، اجازات سنوية). الوظائف في وكالة الاونروا اخضعتها المؤسسة الامنية اللبنانية لسيطرتها. ولم يكن وضع الفلسطينيين في الاردن بالأفضل على الرغم من انهم جُنسوا وعوملوا على انهم مواطنون شرق اردنيين كما في الاردن كذلك في الضفة الغربية.
انعدام القيادة السياسية والحزبية الفلسطينية في بلدان الشتات الرئيسية خلال خمسينيات ومطلع ستينيات القرن الماضي عوضته الحركة الناصرية التي اعدت المناخ لانتفاضة فلسطينية ضد الظلم والتمييز في كل من الضفة الغربية، الاردن، ولبنان فكانت ولادة منظمة التحرير الفلسطينية التي سرعات ما تحولت الى حركة عسكرية ثورية كان الفقراء من ابناء المخيمات رجالها. تعرضت المنظمة لمؤمرات واعمال تخريب خارجية واقليمية منظمة، لعبت المخابرات الاردنية، السعودية، واللبنانية دورا حاسما في تشويه المنظمة وقلب الرأي العام الشعبي ضدها وقد نجحت مؤقتا في الاردن لكنها فشلت في لبنان وسوريا.
خلال فترة صعودها القصيرة 1968 - 1982 استعاد اللاجئون الفلسطينيون من خلال المنظمة وفصائلها مكانتهم الانسانية والوطنية بطريقة اذهلت العالم واحرجت لا بل صفعت رئيسة وزراء اسرائيل غولدا مئير التي وقفت لتسأل أين هو الشعب الفلسطيني؟ فاذا بالجمعية العامة للأمم المتحدة تستقبل من على منصتها الرئيس ياسر عرفات ضيفا مرحبا به كللته بالاعتراف بالمنظمة "الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني". خلال الفترة القصيرة عينها سجلت المنظمة المآثر التالية:
1- ازالت الفوارق الاجتماعية القائمة على اسس طبقية وعائلية وبقيت مستوطنة في النفوس كما ان اللجوء وحد الجميع واسكنهم في مخيمات واكواخ صفيح. مرة اخرى تكررت تجربة ثورة 1936 بجانبها الانساني الاجتماعي، ابناء الفقراء اصبحوا قادة ولهم كلمة الحل والربط.
2- العلمانية، التي كانت المبدأ والشعار الرئيس للمنظمة عمقت الوحدة الفلسطينية فوحدت الملحدين، رجال الدين والمتدينين والمؤمنين بكل الوانهم واطيافهم. سار الفلسطينينون خلف جورج حبش وسطر المطران هيلاريون كبوتشي ملحمة في الوطنية. ابناء تل الزعتر وجسر الباشا وضبية، شاتيلا وقفوا كالبنيان المرصوص في مواجهة مشروع يميني اتخذ من الدين جلبابا. في وقت لاحق عندما جاء في 1985 تجار الطائفية من ديانة اخرى لاجتثاث مخيم مار الياس وشاتيلا وبرج البراجنة كان الحصاد مخيبا ايضا. حتى مشاريع التهجير الكندية المستنجدة بالدين كان نجاحها جزئيا. وتبقى مقبرة شهداء فلسطين في مدينة بيروت شاهدًا حيًا على وحدة وعظمة انجازات منظمة التحرير.
3- رسمت المنظمة الحد الفاصل بين العدو والصديق. الاتحاد السوفييتي العظيم والبلدان الاشتراكية صديق وحليف، الولايات المتحدة، بريطانيا العظمى وفرنسا أعداء.
4- لعب الصندوق القومي الفلسطيني دورا محوريا في دعم المؤسسات الخدماتية الفلسطينية خاصة الهلال الاحمر الفلسطيني الذي جعلته الحاجة والظروف مؤسسة لا يمكن تصور المنظمة بدون خدماتها.
5- بفضل دعم البلدان الاشتراكية ومساعدتها الجليلة اصبحت المخيمات الفلسطينية مراكز للمتعلمين، ابناء الفقراء واللاجئين اصبحوا اطباء ومهندسين يعدون بالمئات لا بل بالآلاف. حتى في سنوات القحط السياسي والعسكري بقيت المخيمات واطباؤها وعياداتها في لبنان ملاذا ومنقذا للفقراء من جميع الجنسيات وبدون تمييز.
6- اقامت المنظمة علاقات اعمق من وطيدة مع الشعوب العربية، واذا كان المواطنون العرب لم يقصروا ولم يبخلوا من اجل قضية فلسطين فقد استقبلتهم المنظمة بمساواة مطلقة فكان ان حصل كثيرون على الشهادات العليا، كذلك ارتقوا الى المناصب القيادية الاولى. في لبنان مثلا كانت علاقة المنظمة مع الحزب الشيوعي، منظمة العمل الشيوعي، الحزب التقدمي الاشتراكي والحركات الناصرية في حال وحدة وتلاحم مع المنظمة. ليس صدفة ان يكون الشهداء معروف سعد، كمال حنبلاط وجورج حاوي شهداء لفلسطين ومن اجلها. كما انه ليس صدفة ان يكرم هؤلاء الشهداء وغيرهم في رام الله والمدن الفلسطينية. (يتبع)
(باحث يعيش في المملكة المتحدة)
