نمر مرقس باقٍ في ذاكرة شعبه

single

 لم يُقعده المرض والعمى عن القراءة والكتابة فكان يُسَّخر الأقرباء والأحباء ليقرأوا له ويستعمل قلم الطوش العريض لكتابة عدة كلمات في صفحة كاملة كما تكتب الشعارات في المظاهرات.
كان يعرف ان المرض والموت قادمان لا محالة ولذلك كان عليه ان يستغل كل لحظة لقراءة وكتابة ما أمكن، فمشاريعه كثيرة والتزاماته لقضايا شعبه اكبر ومن المؤكد انه ترك مشاريع كثيرة لم تتم. عندما زرته في المستشفى بادرني بالقول انه أصبح اعمى فأجبته بان الأعمى هو اعمى البصيرة وليس اعمى البصر. وبدأ الحديث عن الكتب وطلب مني ان أشير إلى الكتب التقدمية التي تصل إلى مكتبتنا ليقرأ الناس ما ينفعهم وينير طريقهم.
عرفته عندما كنت طالبًا في الصف الثالث الابتدائي عندما جاء مع زميله الياس دلة إلى مدرستنا كمعلمين جديدين بهدف التطبيق بعد تخرجهما من دار المعلمين في يافا. لم يعلمنا نمر مرقس ولكنه تعامل معنا ومع غيرنا في الساحات وفي الطريق وخارج المدرسة وكأننا شباب لنا مكانتنا، في حين كان المعلمون الباقون بشكل عام يضعون الحواجز العالية والسميكة بينهم وبين طلابهم وخاصة الصغار منهم فعرفت في حينه انه إنسان مميز. وفي المرة الثانية كنت في الصف الثامن وكان ذلك سنة 1955 بينما كنا في ساحة المدرسة (الإعدادية اليوم) وقع بين أيدينا منشور تحت عنوان "سلمون زعلان" وسلمون في حينه كان مدير المعارف العربية. وكان المنشور موقعًا باسم نمر مرقس. فمن هو هذا نمر مرقس الذي يستطيع ان يسخر من مدير المعارف بينما بقية المعلمين أو معظمهم في حينه لا يجرؤون على نقاش مدير المدرسة أو المفتش فكم بالحري مدير المعارف؟ هذا في فترة استشراس وبطش الحكم العسكري. ولم تمر فترة طويلة حتى فُصل نمر مرقس ورفاق آخرون من جهاز التعليم الذي يأتمر بأوامر الحكم العسكري ولا يستطيع ان يتحمل معلمًا شيوعيًا.
وبالتدريج قويت علاقتي بحزب نمر مرقس ولكن بشكل غير معلن وغير منظم، إلى ان أصبحت معلمًا وكدت ادفع الثمن الذي دفعه نمر مرقس أي الفصل من العمل ولكن تغير الظروف وازدياد قوة الحزب وجماهيريته في كفرياسيف حالت دون ذلك.
إلى ان كان في أواسط السبعينيات وخلال فترة رِدة لجماهيرنا بعد نكسة الـ67 انطلق نمر مرقس يحمل قنديله وبوصلته ويفتِّش وينقِّب ويفحص المعادن المطمورة والمخبأة في بيوت وحارات كفرياسيف، وهو العارف والعالم علم اليقين ان كفرياسيف حوت وتحوي معادن ثمينة نادرة، وهو يعلم ككل الدارسين المتبحرين ان المعادن تحافظ على أصلها وصفاتها وإن علاها الغبار. فعمل بهدوء وسكينة أيامًا وليالي متواصلة يجس النبض متنقلا من بيت إلى بيت ومن حارة إلى حارة ومن تجمع شبابي إلى آخر حتى تجمع لديه عدد كبير من الشباب الوطني الغيور من كل الفئات والعائلات والطوائف، فأعاد إليهم الثقة والأمل واوجد لهم الإطار والهدف فكانت لجنة اليوبيل هذه اللجنة التي رفعت اسم كفرياسيف عاليًا وأعادت إليها الوحدة والتآخي وكان للعمل التطوعي  فعل السحر في اشراقة وجه كفرياسيف القرية الوطنية أبدًا.
وكان لي الشرف ان أكون احد أفراد هذا الإطار الوطني الملتزم وان اشغل لفترة طويلة مسؤولية سكرتير هذه اللجنة. وهذا بالطبع ألزمني ان أكون دائمًا إلى جانب نمر مرقس مصمم وباعث هذا الإطار. وكان لنشاط لجنة اليوبيل وأعمالها التطوعية ونشاطها الثقافي دور أساسي في إعادة بناء الجبهة وإيصالها إلى رئاسة المجلس أربع دورات متتالية ولمدة عشرين سنة.
كما كان لي الشرف أيضًا ان اشغل موقع سكرتير الجبهة وسكرتير فرع الحزب لفترة طويلة وفي كل هذه الفترة كنت اعمل الى جانب نمر مرقس شريكًا معه في نجاحاته وإخفاقاته. ومن المؤكد انه خلال عشرين سنة من العمل البلدي في ظروف صعبة للغاية حيث انعدام الميزانيات وحصار الوزارات لمجلس شيوعي ورئيس شيوعي لا يعرف المهادنة ولا يعرف التملق ولا يستجدي الميزانيات بل يقارع بالقانون وبالوسائل الشعبية والجماهيرية استطاع ان ينجز الكثير وان يوجد منهجًا جديدًا في العمل البلدي، فأعطى التخفيضات لعدد كبير من المستحقين من ضريبة الارنونا البلدية ومنح الهبات لعدد كبير من المستحقين للمساعدات في شراء الكتب واللوازم المدرسية وكان بذلك قد سبق القانون الذي سن فيما بعد وأصبح يسمح بالإعفاءات والتخفيضات، وبأموال الميزانيات العادية وبجهد العمل التطوعي الذي استمر لفترة طويلة وبعطاء الكثيرين من كادر وقادة الجبهة استطاعت الإدارة الجبهوية انجاز الكثير من التطوير وان حاول البعض سواء عن جهل أو معرفة تقزيم هذه الأعمال. فحتى المركز الثقافي الذي استضاف آلاف المعزين بوفاته أُنجز بفضل تبرعات لجنة اليوبيل والعمل التطوعي والميزانيات العادية إذ لم تكن أي ميزانيات تطوير.
وأهم من كل ذلك ان نمر مرقس وإدارته الجبهوية حلّت عقدًا  مستعصية من سنوات بفتح وتوسيع شوارع وإيجاد ساحات عامة عن طريق شراء بيوت قديمة وهدمها وحتى شراء قطع من الأراضي لإيجاد متنفس للحارات المخنوقة والمضغوطة. وهذا لا يعني انه لم تحدث أخطاء أو خلافات حول تسيير الأمور أو تنفيذ الأعمال.
وما نعتز به أن نمر مرقس كان في رئاسة المجلس لمدة عشرين عامًا وخرج منه بإرادته نظيف اليدين ويشهد له بذلك خصومه قبل مؤيديه.
مهما كتب عن نمر مرقس فسيبقى الكثير الذي لا نعرفه عن بذله وعطائه مع انني عشت ملازمًا له كأحد أفراد عائلته فترة تزيد عن خمسة وعشرين عامًا خاصة في فترة بناء اليوبيل وبداية بناء الجبهة وتسلم إدارة المجلس، وفي جميع المعارك النضالية والسياسية التي خاضتها الجبهة دفاعًا عن كفرياسيف وعن قضايا شعبنا المختلفة. كنت مقربًا منه وكاتم سره وأكاد لا أفارقه حين كانت ساعات العمل تستمر لساعات طويلة يوميًا فقد استطاع نمر مرقس الشيوعي الاممي حتى النخاع ان ينقل إلينا عدوى نكران الذات. لم تكن له مواعيد أكل أو نوم أو واجبات عائلية أو اجتماعية لان العمل السياسي وقضايا بلده وشعبه أولا وهي فوق كل اعتبار. أقول هذا ورغم كل ما عرفته واعرفه عنه الا انني لم اعرف ان اقدر علو هامته وشموخه الا بعد ان استمعت إلى أحاديث وكلمات رفاقي وأصدقائي ولآخرين لم يحصل لي شرف التعرف إليهم  من قبل، فاكتشفت ان الأبعد مني يعرفون ما لا اعرف وكل هؤلاء لا يعرفون كل شيء عن نمر مرقس. فوصلت إلى نتيجة انك كيف تعرف مقدار علو وشموخ قمة عالية عليك ان تبتعد عنها لتستطيع ان ترى قمتها وتقدر حسابيًا علوها. فشكرًا لهؤلاء الأصدقاء على كلماتهم لأنهم نقلوا لي ولرفاقي المحليين ما لا نعرفه عن الفقيد. وحتى خصومه السياسيون أكدوا على شموخه وعلو هامته وبهذا أكدوا لنا اننا نخطئ بانشغالنا بالأخطاء الناتجة عن العمل اليومي وتعمينا عن الدور القيادي الفعال والجريء الذي قام به نمر مرقس.
وإذا كان لي من عزاء فهو ليس فقط برفاقه ومكملي دربه بل هو بهذه الوفود بألوفها المؤلفة التي تقاطرت من كل أنحاء البلاد، جاءت ليس تقديرًا لشخص نمر مرقس فقط وإنما تقديرًا لدور نمر مرقس ومبادئه ومواقفه وإعلانها أنها تتخذ من نمر مرقس معلمًا وعلمًا تحمله من جيل إلى جيل. فكما قال الشاعر سميح القاسم:
جيل يمضي وهو يهز الجيل القادم قاومت فقاوم.
فموت نمر مرقس ورحيله وهذا التقاطب والتقاطر من مختلف أنحاء البلاد ومن الشعبين  ما هو الا تأكيد على نقل رسالة النضال والصمود من جيل إلى جيل وان اختلاف وجهات النظر هنا وهناك لا يمنع رؤية الأساس والجوهر الذي نتحد حوله ونستمر في حمل الراية.
فان كنت حزينًا لموت نمر مرقس ورحيله الا انني اشعر بالفرح والاعتزاز عندما اسمع وارى هذه الجماهير التي تعلن تمسكها بخط نمر مرقس الكفاحي وتتخذ من حزب نمر مرقس وجبهته مدرسة تتعلم منها وفيها.

 


(كفرياسيف)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الإرادة المنتصرة

featured

العرب الدروز وسلوكهم الانتخابيّ البرلمانيّ (1)

featured

المخيّمات الوزاريّة في المدارس - أطفالنا إلى أين!

featured

مواجهة من أجل القدس وغيرها!

featured

أي شرع لله تطبقون

featured

"هولوكست" غزة

featured

صرعة السياسة الشخصيّة، وأفول الأيديولوجيا

featured

الأعراس فزّاعة الصّيف الموسميَّة