*نضالي ليس ضد اليهود ولا بأي شكل من الأشكال.. فكيف لي ان أحارب العنصرية عند الآخر وفي نفس الوقت اقبلها على نفسي؟!! أنا أناضل ضد الاحتلال وضد العنصرية والتي تطال أيضا فئات عديدة من اليهود أنفسهم.. أنا ضد قوى الظلم وليس ضد الإنسان العادي، وبالعكس فانا أدعو كل القوى اليهودية التي تعاني من سياسة الظلم والتفرقة ان نكون يدًا واحدة ضد هذه الظواهر السلبية من اضطهاد وعنصرية وقمع*
ذات مرة وبينما كنت سائرًا مع احد الأصدقاء من الشباب في ساحة السجن وبعد حديث طويل بيننا، واذ به يسألني سؤالين يتعلقان بمعنوياتي وإرادتي وعن قوة التحدي لأجهزة الظلام وعن سر هذا الصمود خلال عشرات السنين، تخللت التحقيقات والاعتقالات المستمرة والملاحقات السياسية بدون أن تلين لي أي قناة رغم مرور أكثر من احدى وستين سنة من العمر.. السؤال الأول: "قل لي بصراحة من أين تستمد هذه المعنويات وهذه الإرادة وهذا التصميم بمواصلة مشوارك النضالي رغم تقدمك بالعمر وأنت الآن تقارب الثانية والستين من العمر؟". لقد ابتسمت وأجبته على الفور، انني استمد كل ما ذكرت من قناعاتي ومن كوني إنسانا ذا كرامة وانتماء وصاحب حق اغتُصب من قبل اخطر لصوص غزوا هذه الأرض.. وأيضا من عيون أولادي وأسرتي ومن عيون الأطفال وحزنهم وفرحهم ومن عيون الثكالى ومن ريحة الأرض وحنينها لأهلها المشردين، وأيضا من جمال طبيعة بلادي ومن تغريد وزقزقات الطيور الجميلة في سهول وتلال وجبال وطني – إنني استمد إرادتي ومعنوياتي من سماع أغنية حزينة ومن آهات تصدر من قلب أم تبكي بحرقة على ابن أو زوج فارقها ورحل من هذه الدنيا إثر رصاصة مجنونة أطلقها مجرم حرب في احد الأيام، أو في حزن أم تنتظر أن يتحرر ضناها أو زوجها من براثن القيد بعد مرور سنين طويلة على اعتقاله واختطافه من بين أحضان الأسرة. إنني استمد معنوياتي من المشاهد الحزينة لأطفال أو أناس يبحثون في حاويات القمامة عن لقمة خبز يسدون من خلالها رمقهم القاتل.. استمد، يا عزيزي، هذه المعنويات وهذه الإرادة لأنني أعي وافهم معادلة الصراع بين الظالم والمظلوم.. صراع البقاء والذي لا مهادنة ولا استسلام فيه، لأن المهادنة والاستسلام في هذه الحالة حتما سيقودك إلى التخلي عن إنسانيتك وعن قيمك ومبادئك وأيضا تركك وتخليك عن أجمل ما يعطر حياتنا ألا وهي الحرية وترك الساحة للذئاب المسعورة لكي تنهش أجساد المظلومين.. فيا عزيزي، إن المعركة السياسية في حياتنا هذه، هي معركة بين قوتين.. القوة الظالمة وليس مهمًّا انتماؤها القومي أو الطائفي، ومن ناحية ثانية من المعادلة، القوة المظلومة إن القوة الظالمة هي التي ترتكز على أبشع أنواع التعذيب مرتكزة على أجهزتها الظلامية. أما القوة المظلومة فإنها ترتكز على قوة حقها بالعيش بكرامة وبدون اضطهاد ولا استغلال ولا احتلال. وترتكز أيضا على الإرادة. ففي هذا الصراع لا خيار أمام المظلومين إلا بتوظيف كل ما لديهم من تصميم وإرادة.. فهم لا يخسرون الا قيودهم في هذه المعركة الشرسة أمام الوحوش البشرية من قتَلة الشعوب وسارقي خيراتها وحلمها بالحرية. فالمسيرة النضالية مُكْلفة وشاقة وتحمل في طياتها معاناة كبيرة ليس على المناضل نفسه وحسب وإنما على كل من حوله. لكنها في نفس الوقت تغسل وتطهر كل غبار الذل والمهانة وتُشعر الإنسان بتحرره من قيود العبودية حتى لو كان داخل سجونهم البغيضة، لأن الحرية وتحقيقها يحتاج إلى تضحية كبيرة، ولأن الحرية أجمل وأبهى ثوب نلبسه في حياتنا كبشر لما تضفي علينا من سعادة ورفاهية على البشرية جمعاء ولما تعنيه من استرداد للكرامة الشخصية والجماعية. إن مسيرة النضال يا عزيزي ليست بمصنع نشتغل فيه ومن ثم أصابنا الزهق والملل منه وإنما النضال هو تجسيد لإنسانيتنا وكرامتنا وحقنا ان نعيش كبشر على هذا الكون وليس كعبيد لأي قوة كانت، بدون فوارق طبقية أو قومية أو طائفية. إن أي إنسان تقاس مصداقية وجوده في هذا العالم من خلال سعيه لحياة أفضل ومن خلال رفضه ومقاومته للاضطهاد والظلم. فإن لم يكن الأمر كذلك، حينها يحق لنا ان نتساءل ما الفرق بين الإنسان والقطيع؟!! السؤال الثاني: "هل كل مسلسل التحقيقات والملاحقات والاعتقالات للمرة الثالثة بحقك أخمدت نوعًا ما من عشقك للحرية أو لفلسطين، أو زادت عندك الكراهية للأخر؟!".. دعني ابدأ بإجابتك أولا عن الشطر الأخير من السؤال.. أولا، إن المناضل الشيوعي الاممي لا يمكن ان يتساوى مبدأه مع الكراهية أو العنصرية. إن نضالي ليس ضد اليهود ولا بأي شكل من الأشكال.. فكيف لي ان أحارب العنصرية عند الآخر وفي نفس الوقت اقبلها على نفسي؟!! أنا أناضل ضد الاحتلال وضد العنصرية والتي تطال أيضا فئات عديدة من اليهود أنفسهم.. أنا ضد قوى الظلم وليس ضد الإنسان العادي، وبالعكس فانا أدعو كل القوى اليهودية التي تعاني من سياسة الظلم والتفرقة ان نكون يدًا واحدة ضد هذه الظواهر السلبية من اضطهاد وعنصرية وقمع والتي خلَّفها الاحتلال وتنعكس بشكل تدميري، ليس على المجتمع العربي فقط وإنما نارها ستحصد الكثير من المجتمع اليهودي ولا يحصد نتائجها الا تجار السلاح والحرب والسياسة من اجل تثبيت مناصبهم وإبقاء آلتهم الحربية لكي تحصد بني البشر من كلا الطرفين.. أما الشق الأول من السؤال فأقول لك يا عزيزي والله لو اجتمعت كل أجهزة الظلام من "الشاباك" ومن كل الأجهزة القمعية في العالم لما استطاعوا جميعهم ان ينزعوا ولو قيد أنملة من ما يحتويه قلبي من حب لفلسطين وللإنسانية على حدٍّ سواء ولا من زهرات العشق للحرية والتي تنمو في قلبي منذ ان كنت يافعًا حتى هذه اللحظة. وأؤكد لك بان هذه الزهرات من العشق للحرية سوف تبقى نضرة وفواحة حتى آخر نفس في حياتي وسأنقلها وانقل بذرتها الطيبة وروائحها العبقة إلى كل ساحات العالم لمن استطعت.. إنني أؤكد لك وبشكل قاطع ان نبع الوفاء عندي لا يجف ابدًا مهما مر من أجواء خماسينية في حياتنا. الوفاء للأسرة.. للرفاق المخلصين وللأصدقاء الأوفياء رغم انهم قلّة.. ولكن لهم حضورهم القوي في وجداني.. الوفاء أيضا لكل التفاصيل التي تربطنا بهذا الوطن الغالي.. الوفاء لكل الأحبة.. لكل حبة لوز ولكل حبة تين ولكل قطف عنب يتدلى من على دالية تظللنا بظلها وخضارها اليانع.. الوفاء لكل ورقة وحبة زيتون احدى معالم بقائنا وصمودنا في هذا الوطن الغالي.. فيا عزيزي، إن قيد العبودية والاحتلال والذل أسوأ بكثير من قيود السجون.. واختتم مقالتي هذه بما قاله الشاعر الكبير المتنبي:
ليس عارا مبيتنا في سجون إنما العار أن نبيت عبيدا.
(أبو باسل - الأسير السياسي وأسير الحرية – سجن الجلبوع – قسم 2)
