عام أحداثه المأساوية أكبر من الهم على القلب ولكن...؟!

single
عند صدور هذا العدد نكون عشية قلب صفحة العام الفين وتسعة وفتح صفحة العام الفين وعشرة الذي نأمل ان يكون اكثر اشراقة وسعادة للبشرية ولشعبنا المقهور والمغلوب على أمره. وفي مثل هذه المناسبة عادة ما يجري جرد حساب بالتطرق الى وضع اهم وابرز احداث السنة المنصرمة بهدف استخلاص العبر والنتائج الصحيحة التي تعنينا في دفع عجلة القضايا لخلق ظروف افضل ومناخ افضل وبيئة اكثر صحية على ساحة المعترك الكفاحي.
لست من رَبع المتشائمين ولكن الكثير من الاحداث التي برزت كانت مآسيها اكبر من الهم على القلب، وتجعل أي انسان غير مشحون بالوعي الفكري – السياسي التقدمي المصقول ينزوي في قرنة اليأس والاحباط ويفقد بصيرته وتشل قدرته على مقاومة الظلم. ولكن رغم كارثية العديد من الاحداث المخضبة بدماء ضحايا الشعوب المقهورة والمضطهدة والمحتلة، فان خبرة التطور الحضاري للبشرية تعلّم انه دائما يجب رؤية الضوء المنير في آخر النفق المظلم، وان بقاء الحال من المحال واهمية التمسك بالتفاؤل الواعي. فادراك حقيقة جوهر ومدلول موازنة الصراع على الساحة الكفاحية يساعد كثيرا في تجنيد عناصر ومقومات مواجهة الظلم وهزيمة جيوشه.
** أحداث جرائم وحوش قانون الغاب:
برأينا ان ابرز حدث هز مشاعر البشرية في العام الفين وتسعة كان ما ارتكبه المحتل الاسرائيلي من جرائم حرب، جرائم ضد الانسانية والشعب العربي الفلسطيني في حرب الابادة التي ارتكبها في قطاع غزة. فبهمجية "الارض المحروقة" بابادة البشر والحجر والشجر والزرع والضرع اعاد المجرمون المعتدون على ارض غزة ذكرى جرائم النازية الوحشية اعداء الانسانية.
فقتل اكثر من الف واربعمئة فلسطيني اكثر من نصفهم من الاطفال والنساء والآلاف من المدنيين وهدم المساكن والبنية التحتية المدنية، هدم المدارس ودور العبادة والمستشفيات وفي ظل حصار اقتصادي – تجويعي مطبق حوّل اكثر من ثمانين في المئة من قطاع غزة الى فقراء ومحتاجين، فهذه الاعمال الهولاكية هي جريمة بحق الانسانية. ولم يكن لهذه الحرب أي مبرر سياسي سوى قصم ظهر الشعب الفلسطيني لدفن حقه في تقرير المصير بالحرية والدولة والقدس والعودة. ولاول مرة يجري بهذا الشكل الواضح ادانة دولية واسعة لممارسات شريعة الغاب الاسرائيلية المدعومة من حليفها الامبريالي العدواني الامريكي. ولاول مرة وبهذا الشكل الصريح تصدر لجنة حقوق الانسان الدولية التابعة للامم المتحدة برئاسة القاضي ريتشارد غولدستون تقريرا تكشف معطياته ان اسرائيل العدوان ارتكبت في قطاع غزة جرائم حرب، جرائم ضد الانسانية، وان على المجتمع الدولي، هيئة الامم المتحدة وهيئاتها الشرعية من مجلس الامن الدولي ومحكمة لاهاي الدولية ان يأخذوا دورهم في ملاحقة ومعاقبة المجرمين السياسيين والعسكريين الاسرائيليين.
وما "زاد الطين بلة" في هذا السياق انه جرى حادث كارثي في اسرائيل، اذ اقيمت اسوأ حكومة عدوانية عرفتها اسرائيل منذ قيامها، حكومة ائتلافية جمعت مكوناتها اعتى قوى اليمين المتطرف من ايتام ارض اسرائيل الكبرى، من احزاب المستوطنين والفاشية العنصرية والترانسفيرية الصهيونية، من الليكود ويسرائيل بيتينو وهئيجود هلئومي وشاس وهبايت هيهودي وعصابة كهانا والمفدال. حكومة هويتها الفكرية والسياسية وبرنامجها الممارس يناقضان أي امل بدفع عجلة العملية السياسية في المنطقة الى الامام. فما ترتكبه هذه الحكومة من استهتار للرأي العام العالمي وللحقوق الفلسطينية من استيطان وتهويد ومجازر ضد الفلسطينيين ينذر بانفجار مأساوي اذا ما تحرك المجتمع الدولي وهيئة الشرعية الدولية لكبح جماح عربدة حكومة نتنياهو – ليبرمان – براك العدوانية والزامها بالتسوية العادلة.
إن المحتل الاسرائيلي مستفيد جدا من الوضع الكارثي على الساحة الفلسطينية، من الانقسام الاقليمي بين قطاع غزة والضفة الغربية والانقسام الوطني بين فتح وحماس، الذي يضعف التضامن العالمي مع الحق الفلسطيني المشروع بالتحرر والدولة والقدس والعودة. ويخلق انطباعا يروّج له اعداء الحقوق الوطنية الفلسطينية وكأنه توجد دولتان "فتحستان" في الضفة و "حماسستان" في القطاع. وللاسف حتى كتابة هذه السطور تتعثر مساعي انجاح المصالحة الوطنية الفلسطينية، والخاسر الكبير هو الشعب الفلسطيني وقضيته.
ومن ابرز الاحداث التي توخينا منها خيرا وانقلبت شرا هو انتخاب ادارة امريكية جديدة من الحزب الدمقراطي برئاسة باراك حسين اوباما كأول رئيس افريقي امريكي. قيّمنا ايجابيا سقوط جورج دبليو بوش وادارته، سقوط ادارة استراتيجية عولمة ارهاب الدولة الامريكية المنظم للهيمنة بالقوة والعدوان والحروب على مختلف بلدان ومناطق العالم، سقوط نظام اليمين المحافظ الذي احتل العراق وافغانستان ويدعم العدوانية الاسرائيلية وارهاب الدولة الاسرائيلية المنظم ضد الشعب الفلسطيني وشعوب وبلدان المنطقة. ولكن "الباشا" اوباما "طلع زلمه" من خدام استراتيجية الهيمنة الامريكية كونيا واحيانا بالطرق الثعلبية، فسريعا ما كشر عن الانياب الامبريالية العدوانية المفترسة وقرر تصعيد ومواصلة العدوان على افغانستان وزيادة القوة العسكرية الامريكية العدوانية بثلاثين الف جندي جديد، وواصل تعزيز الوجود الامريكي في العراق واطالة ايدي احتلاله وزيادة مخاطر تقطيع الوحدة الاقليمية للعراق الى ثلاث دويلات طائفية ومذهبية وقومية. كما خنع اوباما لفئة الطغمة المالية الامريكية المحافظة ولاعضاء الكونغرس من اليمين المحافظ وللوبي الصهيوني الامريكي للمسيحيين الصهاينة، وايد عمليا الاجراءات العدوانية الاستيطانية والتهويدية الاسرائيلية وضد تقرير غولدستون . ولعل فان تسلم اوباما جائزة نوبل للسلام يعد مهزلة مجلجلة تفرغ هذه الجائزة من مضمونها.
** "إن خليت بليت"!
صحيح انه ليس كل ما يلمع ذهبا، ولكن صحيح ايضا ان ليس جميع الايام ليالي سوداء مدلهمة، فان "خليت" الدنيا من الاحداث المفرحة والسعيدة "بليت". فالى جانب الاحداث المأساوية التعيسة تبرز احداث اخرى تسر القلب وتبعث على التفاؤل بحقيقة ان عالمنا ليس حكرا على وحوش الغاب من اعداء الانسانية.
فالتحول الثوري الجارف يسارا في امريكا اللاتينية المناهض للهيمنة الامريكية واحتكاراتها اللصوصية هو ما يميز الوضع اليوم على مسار التطور والصراع في هذه القارة التي كانت تعتبرها الامبريالية الامريكية قاعدتها الخلفية الاحتياطية. فجزيرة الحرية كوبا الاشتراكية لم تعد عرين الاسد الوحيد الرابض في مواجهة الذئب الامبريالي الامريكي، فاليوم يجري الحديث عن كوبا واخواتها الثوريين التقدميين، عن فنزويلا هوجو تشافيز وعن بوليفيا وعن نيكاراغوا وعن تشيلي وعن البرازيل وعن رياح ثورية تعصف في مختلف بلدان امريكا اللاتينية، باعثة الامل ان طابع العولمة الرأسمالية الخنزيرية المتوحشة لن يكون ابدا نموذج تطور الحضارة الانسانية. وان نجحت قوى الشر والامبريالية المعادية لمصالح الشعوب في زرع الفتن والصراعات الاثنية والقبلية الدموية والقومية في بلدان القارة الافريقية والتي تهدد بتمزيق الوحدة الاقليمية في العديد من هذه البلدان، فانه من الجهة المقابلة والمناقضة لها يبرز النفَس الآخر في امريكا الجنوبية نفس توحيد القوى لمواجهة العدو الامبريالي الامريكي المركزي.
وحقيقة هي ان العديد من الانظمة قاومت املاءات الهيمنة الامريكية ولم تخنع لوسائل التدجين الترغيبية والترهيبية الامبريالية امثال ايران وكوريا الشمالية وسوريا. كما انه يجب عدم اغفال اهمية مكانة ودور حركات المقاومة الوطنية في التصدي ومواجهة المخططات العدوانية الامريكية والاسرائيلية والاطلسية. لا يمكن تجاهل الدور الوطني الكفاحي للمقاومة اللبنانية من حزب الله وغيره وللمقاومة العراقية باشكالها المختلفة، المسلحة والسلمية، ضد المحتل الامريكي وحلفائه ومن اجل التخلص من دنسهم، وللمقاومة الفلسطينية بمختلف اشكالها ضد المحتل الاسرائيلي. فرغم مجازر وجرائم الحرب التي يرتكبها المحتل فان مختلف الوان الطيف الفلسطيني من فصائل مقاومة واحزاب سياسية وتنظيمات نقابية  واجتماعية وثقافية وحركات نساء وغيرها، مختلف هذه القوى لم يفرط أي واحد منها او يتجرأ على اعلان التفريط والتنازل عن أي حق من الحقوق الوطنية الاساسية، فالجميع متمسك بثوابت الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف، الحرية والدولة والقدس والعودة.
إننا في سياق الاحداث الايجابية لا يمكننا اغفال اهمية المحادثات الروسية – الامريكية للتخفيض والحد من والقضاء في نهاية المطاف على ترسانة منظومات الاسلحة الصاروخية المدمرة، على اسلحة الدمار الشامل، ازالة الشبح الذي يهدد مصير البشرية والحضارة الانسانية والكوكب الارضي. فنحن نتمنى النجاح لهذه المحادثات.
** وماذا في وكر الذئب؟
صحيح اننا لا نعيش في جزيرة مغلقة مقطوعة عن العالم بل نتأثر بالمحيط ببلادنا وباحداثه، ولكننا لا ننسى للحظة واحدة ان مهمتنا الاساسية التي يجب ان تحظى بالدرجة الاولى من سلم اهتماماتنا في المعترك الكفاحي هي كيفية مواجهة واقعنا وقضاياه ومتغيراته. ونحن نعتز ونفتخر ونفاخر بانه رغم الزلازل والعواصف المدمرة التي حلت بشعبنا المنكوب وبشعوب المنطقة والعالم، رغم جميع الكوارث والنوائب بقيت الزيتونة المباركة دائمة الخضرة ضاربة جذورها عميقا في ارض وطننا الغالي تقدم لشعبنا ثمار الصحة والعافية.
نحن نعتز ونفتخر ونفاخر اننا في العام 2009 احتفلنا بمرور تسعين سنة على العمر المتجدد للشيوعية في بلادنا، مرور تسعين سنة على الحزب الطبقي الثوري المقاتل من اجل السلام العادل والمساواة والقومية والمدنية والعدالة الاجتماعية. وقد صادف احتفالنا باضاءة شمعة جديدة من عمر حزبنا في ظل اشرس هجوم سلطوي تمييزي وعنصري فاشي سلطوي ضد حقوقنا القومية والمدنية، ضد حقنا في البقاء في وطننا وحقنا في ممارسة الشرعية السياسية. ولن ادخل في تفاصيل المخططات الترانسفيرية والقوانين العنصرية وجرائم المصادرة للاراضي العربية وهدم البيوت العربية التي تحتاج الى عدة معالجات وملفات. ولكن ما اود تأكيده اننا على قدر مواجهة التحديات، نصقل آلياتنا الكفاحية لرص وحدة الصف النضالية في مختلف نواحي الحياة ونطور هذه الآليات، فاضافة الى لجنة المتابعة العليا واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية وغيرها، فقد صقلت آلية البديل الاستراتيجي في مجال التطوير والبناء ومجمع اللغة العربية وغيرها، ونحن هنا كشعب باق كبقاء وطننا.
واذا كانت اقليتنا العربية الفلسطينية من مواطني الدولة الضحية الاساسية لسياسة التمييز العنصرية العدوانية السلطوية، فهذا لا يعني ابدا ان البيئة صحية اذا استثنينا العرب. فالنظام القائم ليس معاديا للشعب العربي الفلسطيني ولاقليتنا القومية فحسب، بل معاديا ايضا لمصالح الفقراء والطبقة الكادحة من اليهود والعرب، نظام في غربة عن العدالة الاجتماعية في ظل سياسة سلطوية جوهرها ومدلولها اغناء الاغنياء وافقار الفقراء. وسأكتفي باعطاء بعض الامثال التي اوردها "مركز ادفا" عن العام (2009) فحسب معطيات هذا التقرير معدل اجرة المرأة بالنسبة لمعدل اجرة الرجل يبلغ (63,1%) فقط! المعدل الوسطي لدخل الفرد الواحد اليهودي الاشكنازي في الشهر (11,216) شاقلا لليهودي من اصل شرقي يبلغ المعدل الوسطي (8128) شاقلا. اما المعدل الوسطي الشهري لدخل الفرد في العشر الاعلى (الاغنياء) من سلم المداخيل فيبلغ (44,910) شاقلا في حين يبلغ المعدل الوسطي الشهري للنفر الواحد في ادنى درجات سلم المداخيل حوالي (3696) شاقلا أي دخل الغني اكثر بـ 12 مرة من دخل الفقير، ولهذا ليس صدفة ان في اسرائيل اكثر من مليون وستمئة الف فقير وتتبوأ المكان الاول بين الدول الصناعية في عدد الفقراء من السكان اذ تبلغ حوالي 20% .
يقول اخواننا العرب البدو "حكم ضل ما ظل" وكل عام والجميع بأحسن حال.
قد يهمّكم أيضا..
featured

إلى متى سنبقى ضحيّة؟!

featured

عدوان وحشي وفشل عسكري وسياسي

featured

جلعاد أردان فاشيّ صغير

featured

الجنّة، مخابرات

featured

خوف الطغاة من المدنيات!

featured

تلفزيون الواقع الفلسطيني

featured

"يا أم يا نفس من الشعب العريق .. عيناك مثقلتان كالبحر العميق"