مَن منّا لا يودّ أن يعيش دائمًا بالخير والأمل والإحساس بالأمان والاطمئنان، بعيدًا عن الشّرور والمتاعب والخوف، بلا هواجس مقلقة ولا عداوات مقيتة، بلا حقد أو تهوّر أو انفلات. ولكن للأسف، وبعكس رغبة أكثريّتنا، يحيق بنا صوت العنف صاخبًا، ومظاهره تخترق حياتنا وتبدّد آمالنا وتفتك بإحساسنا بالأمان، فيحوّل الأمل إلى يأس والحياة إلى جحيم والخير إلى شرّ مستطير.
نقول في مثلنا الشّعبيّ: "كمَن نطّ على الحمار وجاء منه وغاد" والعنف نطّ على متن تفاصيل حياتنا الأسريّة والاجتماعيّة والسّياسيّة، ولم يتعدَّنا بل استقرّ على ظهورنا و"دندل" رجليْه ومدّ يديْه إلى "خُرج" وجداننا طامعًا أن يسلب منّا كلّ ما هو جميل ونبيل وسعيد. كحمار يرزح تحت هيمنة العنف نحن الآن.
وسنكون "أحمر" من الحمار إذا مكّناه من أن يصول ويجول بين ظهرانينا، ولم نتصدَّ له، فإنّ تفشّيه واستشراءه يجب أن يشعل ضوءًا أحمر لنقف ونفكّر!
هل أنا جارح بهذا الوجه من الشّبه؟ ولكنّ العنف أكثر جرحًا وأشدّ إيلامًا، فهل نهوّن الأمر ونهون ليسهل الهوان علينا، ويبقى إزميل العنف يحفر أخاديده في شوارع وجودنا وجدران بيوتنا ليصل إلى غرف نومنا؟!
ألعنف يخطف منّا فلذات أكبادنا ومَن بفقدانهم يقصمون ظهورنا، فالقتل والسّلاح الأبيض والأحمر والسّطو والاعتداء على الحُرُمات والحريّات والأملاك والكرامات والسياقة المتهوّرة والإزعاج غير المبرّر والمخدّرات والبطالة والفرديّة المفرطة وتغليب الخاصّ على العام والرّبح السّريع والغاية تبرّر الوسيلة والميوعة والتّسيّب والضّحالة الثّقافيّة وضآلة الإحساس بالانتماء الوطنيّ والاجتماعيّ والسّياسيّ، كلّ ذلك يشكّل سمفونية قبيحة ونشازًا، لا يلتذّ لها السّمع، ولكنّها تطلق نفيرها فنسمعها بأمّ الأذن وتطلق ألوانها فنراها بأمّ العين ونكتوي بسياطها على جلودنا، وقد ينفذ لهيبها إلى ما تحت الجلود من أعماق أجسادنا لتزهق أرواحنا.
كلّنا مشارك وكلّنا مسؤول، بهذا الشّكل أو بذاك، عن هذا العنف الذي لا يسود فقط، بل يتحوّل تدريجيًّا ليصبح سيّد الموقف. هذا بتنفيذه وذاك بالمشاركة فيه وآخر بالتّفكير به وكثيرون في الصّمت عنه كما يصمت شيطان أخرس.
"الزعران" وأهل العنف في الشّوارع و"الأوادم" منزوون في البيوت وخلف الجدران، "حايد عن ظهري بسيطة". وبهذا التّواني والتّخاذل سيتمكّن العنف من دكّ بيوتنا وجدراننا على رؤوسنا. "فالأوادم" وهم كُثُر بانزوائهم هذا ولا مبالاتهم بدل أن يتصدّوْا ويتقدّموا، هم في الحقيقة يقولون للعنف: تقدّمْ! وبدل أن يرمّموا البناء، يقولون للعنف: اهدمْ ودمّرْ!
هذا الجرح يجب أن يلتئم وإلاّ فالعنف سيزلزل الأرض تحت أقدامنا، وسيزعزع أركان وجودنا وبقائنا وصمودنا، وسيقوّض إمكانيّات تطوّرنا في هذه البلاد كجمهور عربيّ له طوابعه الاجتماعيّة والسّياسيّة والأخلاقيّة المتميّزة، خاصّة عندما نلمس أنّ ثمّة مَن له مصلحة في نكء الجرح ليتّسع النّزيف نحو كلّ الجهات السّتّ.
فالسّلطة لها دور وكبير أيضًا، فالتّمييز العنصريّ والبطالة والأوضاع الاقتصاديّة الصّعبة وعدم قبول شبابنا في الجامعات وفي الوظائف اللائقة وصمّ الآذان وغضّ الطّرف عن مطالبنا العادلة في جمع السّلاح المهرّب والمرخّص، كلّ ذلك يقع تحت مسؤوليّة السّلطة. ولكنّ هذا لا يُعفينا من مسؤوليّتنا نحو أنفسنا وأولادنا ومجتمعنا وأجيالنا القادمة.
وفي هذا المقام أريد أن أطرح سؤالاً واحدًا ومحدّدًا: هل هناك فائدة واحدة من وجود السّلاح في مجتمعنا؟ إنّ انتشار السّلاح لهو المظهر الأخطر والأشدّ فتكًا، وهذا المظهر وغيره يجعل مجتمعنا مفكّكًا، غير ذي مناعة أمام هذه السّياسة السّلطويّة، وبهذا يتحوّل العنف بكافّة أشكاله ومضامينه إلى مرتكز أساسيّ تعتمده السّلطة كوسيلة لتفكيك أواصرنا المجتمعيّة ولإضعافها ولثنينا عن أهدافنا المركزيّة في ضمان البقاء والتّطوّر والمساواة في هذا الوطن الذي ليس لنا سواه. فالعائليّة كمرض حاولتْ من خلاله السّلطة وفشلتْ، والطّائفيّة وهي مرض أخطر حاولتْ من خلالها السّلطة وفشلتْ، فهل تنجح السّلطة باستشراء العنف؟ وهل من الممكن أن نقبل بذلك؟ أي أن نسهّل عليها مهمّتها، ونرضى بالعنف كواقع غير قابل للتّصرّف بل هو قابل للتّفاقم ولإحراق أخضرنا قبل يابسنا.
يتحكّم العنف الآن بسائر علاقاتنا، ويتغلغل في مسامات نسيجنا الاجتماعيّ.
فالعلاقة بين الأب وأفراد أسرته.
والعلاقة بين المعلّم وطلاّبه.
والعلاقة بين المواطن والسّلطة المحليّة وغيرها من المؤسّسات.
والعلاقة بين الفرد في مجتمعنا والمرافق العامّة والخاصّة.
والعلاقة بين الجار وجيرانه.
والعلاقة بين الفرق الرّياضيّة.
والعلاقة بين الجماعات العائليّة والطّائفيّة.
والعلاقة مع فهمنا المنحرف للدّمقراطيّة كمنهج حياة ونظام حكم.
كلّ تلك العلاقات وغيرها يتمكّن منها العنف ويشوّهها ويضعف عُراها، وفي هذه الحال يتحكّم فينا العنف كما يتحكّم الرّاكب العنيف بحماره الوديع.
في الأشهر الأخيرة سقطت عشرات الضّحايا بالقتل لأسباب مختلفة، غير مبرّرة ولا مقنعة، وكثير من الخلافات الأسريّة وحوادث السّطو المسلّح والاعتداءات المدرسيّة والاعتداءات على المؤسّسات والهيئات التّمثيليّة والشّخصيّات الاعتباريّة والسّرقات في المدارس والعلاقات الرّياضيّة والرّوح الرّياضيّة المتردّية والنّزاعات العائليّة والصّراعات الطّائفيّة.
كلّ ذلك مُنكَر ومُستنكَر! ولكنّ الاستنكارلم يعدْ يكفي!
فلا بدّ للحمار أن يدرك دور الرّاكبين عليه، دور الرّاكبين على المراكب العنيفة والوعرة، فليس بالضّرورة أن يتحوّل هذا الحمار إلى جمل محامل العنف، ولا إلى نعامة تدفن رأسها في الرّمال، فلا تَرى وتعتقد أنّها لا تُرى.
بل بالضّرورة الحتميّة وبالحاجة الملحّة وبالإحساس بالواجب الوطنيّ والاجتماعيّ والسّياسيّ والأخلاقيّ يجب أن يتحوّل هذا الحمار المركوب والمنكوب بزلزال العنف إلى حصان جامح، ذي عنفوان يُلقي براكبيه من على ظهره عند قمّة جبل شامخ إلى وادٍ سحيق، لا تقوم لهم من بعدُ قائمة.
(كابول )
