منذ أن رشحته مصر لتولي منصب رئيس منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو)، أطلقت إسرائيل، من خلال أبواقها في العالم، موقفا ً صارخا ً لإفشال هذا الترشيح وإبعاد الوزير المصري فاروق حسني عن هذا المنصب. رأس الحربة في هذه الحملة كان النشيط الصهيوني وحامل جائزة نوبل إيلي فيزل ولم تخف إسرائيل الرسمية موقفها، بل جاهرت به وجندت لإنجاحه كل حلفائها وأصدقائها وبعض الدول التي قايضت موقفها بمصالح وعدت إسرائيل بتلبيتها بعد التصويت.
كانت المنافسة شديدة ولم تنجح "اليونيسكو" في حسم المعركة إلا بعد خمسة جولات من التصويت، أسفرت الأخيرة فيها عن فوز المرشحة البلغارية إيرينا بوكوفا على الوزير المصري بفارق أربعة أصوات، إذ حازت هي على 31 صوتاً وحاز المصري على 27 صوتاً وهي الأصوات المشاركة فيما يسمى المجلس التنفيذي لليونيسكو، صاحب حق انتخاب رئيس المنظمة.
في الجولات الأربع تقدم فاروق حسني على جميع المنافسين، إلا أن الدور الذي لعبه ممثل الولايات المتحدة داعما ً الموقف الإسرائيلي كان كفيلا ً بإسقاط المرشح العربي/ الإسلامي/ الأفريقي وإنجاح البلغارية كما ذكر.
إسرائيل بررت حملتها الشعواء ضد المرشح المصري بما نسبته له من تصريحات وصفتها على أنها لا سامية ومعادية لليهود. حاول الوزير المصري ومن خلال عدة لقاءات مصورة معه أن ينفي هذه التهمة وأحيانا أغرق المشاهدين بجهده ليقنع العالم والرسالة موجهة طبعا ً للإسرائيليين وللمجموعات الصهيونية المناوئة لترشيحه، أنه لم يكن يوماً لا سامياً، بل هو عكس كل ما أدعي في هذا الشأن. كانت محاولاته دفاعية تبريرية وأحيانا ً اتسمت بالابتذال والتصنع إذ، لم تكن إلا تصعيراً لخده ولخد مصر الكبيرة.
كثيرون لوّموا مصر على تشبثها بترشيح وزير الثقافة المصري فاروق حسني، لما يحظى به من انتقادات شديدة داخل مصر وفي أوساط النخب والمثقفين المصريين،لا سيما وانه يشغل هذا المنصب اثنين وعشرين عاما ً على التواصل.
أما خارج مصر وحتى في صفوف المعارضة المصرية فسادت توقعات مسبقة بحتمية فشل المرشح المصري وكانت حججهم تعتمد على ضعف النظام وافتقار الحالة المصرية إلى نظام سياسي ديمقراطي سليم وكذلك لتبني آليات لا تكفي ولا تكفل إنجاح المرشح في وجه ما يمارسه المعارضون.
من الواضح أن الحجة والذريعة التي أطلقتها التجمعات الصهيونية في العالم ومن ثم تبنتها الديبلوماسية الإسرائيلية الرسمية، كانت عملياً غطاءاً للتخوف الحقيقي القابع وراء هذه الحملة.
فاليونسكو مكلفة بحماية التراث الإنساني العالمي ومن شأن هذه المنظمة أن ترعى شواهد هذا التراث في جميع أنحاء المعمورة. وفلسطين تقع في هذا المدار وهي واحدة من الساحات التي على المنظمة العالمية رعايتها والحفاظ على شواهدها وحمايتها.
فالصوت تذرع بلا سامية فاروق حسني والعين على القدس وما تقوم به إسرائيل في هذه المدينة وغيرها من تغيير لواقع تاريخي وجغرافي، كان من المفروض أن يستحوذ على مواقف واضحة وصارمة من منظمة "اليونيسكو" في العقود الماضية ، لكنها أغفلت وغضت نظرها وكأن ما هو قائم على هذه الأرض ليس من شواهد التراث والتاريخ الإنساني.
إسرائيل خشيت أن يتبوأ مصري عربي منصب هذه المنظمة وأن يشرع هذا بتسليط الأضواء وتفعيل صلاحيات المنظمة العالمية، بما سيعرقل أو يحد من النشاط الإسرائيلي وما يعيثه بحق هذه الشواهد والتاريخ.
يحلو للبعض أن يصف هزيمة المصري في هذه المعركة على أنها هزيمة أخرى لدول الجنوب أمام دول الشمال وان كان هذا يحوي بعضاًً من حقيقة، إلا أن غرائز إسرائيل واندفاعها في هذا الميدان كانت، كما كانت في الماضي، محرَّكة من مطامعها ومشاريعها الاستيطانية المعروفة للجميع وخاصة لمندوبي تلك الدول الذين اسقطوا ترشيح فاروق حسني وعلى رأسهم الأمريكي والمجموعة الأوروبية، على الرغم من أن بعضهم وعد باتخاذ موقف الحياد وعدم التدخل.
إذاً، هي معركة أخرى، دارت رحاها بعيداًً عن هذه المنطقة، هناك في فرنسا ونيويورك، لكن نتيجتها ستؤدي لمزيد من طحن حجارة القدس واستبدالها بمداميك ومكعبات الاستيطان الإسرائيلي الزاحف يوميا ً أمام مرأى وأعين العالم وبتواطؤ منه.
مصر خسرت، والمهددة هي القدس، وعلنا نستفيد ولو بدرس واحد مفاده أن الاستجداء والتبرير لا ينفعان، خاصة عندما يكون المستجدى هازئاًً بضعفك ومنتشياًً بقوته.
مصر خسرت والمهددة هي القدس وها هي الرئيسة الجديدة للمنظمة تصرح "أنا صديقة للعالم العربي وجميع المناطق الأخرى من العالم ... واليونيسكو منظمة عالمية لها أهداف عالمية وسأفعل ما هو ممكن لإقناع أصدقائي العرب بأننا كذلك". هكذا قالت والبقية عندكم يا حكام العرب ويا ساسة فلسطين، لأن الانتظار والرهان على فوز سيأتي، ربما، بمعركة أخرى على رئاسة اليونيسكو، معناه أن القدس التي يتغنى بها جميعكم ستغدو قريبا ً قريبا ً أورشليم وإن شئتم مدينة داهود !!.
كفرياسيف
