الوعود الأمريكية كلها ضحك على الذقون

single

مضى الوقت الكافي، بل أكثر، على الإدارات الأمريكية المختلفة من جمهوريين وديمقراطيين لحل القضية الفلسطينية. ثلاثة وستون عاما هي فترة كافية لأن يُنظر إلى هذا الشعب من قبل أمريكا التي تدّعي احترام حقوق الإنسان، تلك الحقوق التي يدّعون كذبا بأنهم حماتها وهي حجة طالما استعملوها وما زالوا، كبطاقة لاحتلال أي بلد، فلم يتركوا بلدا، لهم أو على الأغلب لإسرائيل، مصلحة في احتلاله إلا واستعملوها.
لو أن أمريكا مستقلة وتمتلك حرية اتخاذ القرارات وتنفيذها بنفسها لأنصفت الشعب الفلسطيني، ولكن أمريكا بلد مسلوب الإرادة. فإسرائيل هنا هي الآمر الناهي والدليل واضح أمام أعيننا: ففي أول طلعة للرئيس الحالي، أوباما، فقد هب متحمسًا، واعتقد الناس بأنه الرئيس المنتظر، رجل السلام والتسامح بين الأديان، ولا زلنا نذكر خطابه الشهير في القاهرة، حين شرح موقفه من القضية الفلسطينية ورغبته بإنهاء هذا الصراع في منطقة الشرق الأوسط، على أساس دولتين لشعبين، وبأنه يرفض الاستيطان ولكن المسكين، "من أول غزواته كسر عصاته".
لم يدرِ أوباما أنه بالنسبة لإسرائيل كان قد وقع في الخطأ، حين تجاوز الخطوط الحمراء ودخل في  المحظور. على أثر خطابه نشطت إسرائيل في تسريع البناء في الضفة وبدأت بهجمة على القدس واستنفرت كل قواها وأعوانها في أمريكا والعالم للضغط على أوباما وتحجيمه. ورأينا بعد ذلك، كيف بدأ أوباما يتراجع الخطوة تلو الأخرى فطالب بوقف الاستيطان ماعدا القدس ثم توسل إلى نتنياهو لوقف الاستيطان لفترة قصيرة، كي يتمكن من الضحك على الفلسطينيين وإقناعهم بالعودة إلى طاولة المفاوضات وفشل.
عندما كان بايدن، نائبه، مجتمعا مع نتنياهو، خلال زيارته لإسرائيل، أعلنت الحكومة عن مشروع استيطاني جديد. يمكننا اليوم ان نقول أن نتنياهو استطاع تحجيم أوباما. إن خطاب أوباما أمام منظمة الأيباك- وهي منظمة صهيونية تدير دفة السياسة الأمريكية-  هي قراءة لأفكار نتنياهو لكن بصوت أوباما. بينما الحفاوة التي لاقاها  نتنياهو، عندما خطب في الكونغرس، حيث كما جاء في الاعلام وقف  أعضاء الكونغرس تسعة وعشرين مرة، تأييدًا له، الأمر الذي لم يلقه أي زعيم في العالم. لقد صفقوا له حينما ألغى بخطابه شرعية حدود 1967، وأن  القدس الموحدة هي عاصمة إسرائيل الأبدية. صفقوا له على إجراءاته ضد الفلسطينيين، بإخراجهم من بيوتهم  ورميهم في الشارع، فليموتوا هم وأطفالهم، وليسكن، مكانهم المستوطنون اليهود. ليس هذا فحسب فقد طالب نتنياهو الفلسطينيين والعالم أجمع بالاعتراف بأن إسرائيل هي دولة يهودية، أي أنها لليهود فقط، ولا مكان لغيرهم فيها، وهذا مطلب تفوح منه رائحة العنصرية، بينما "حماة الديمقراطية" يصفقون .
لا نستغرب هذه التصريحات من نتنياهو، فهو المؤمن بأن اليهود هم شعب الله المختار، ولكن عندما تنال هذه الأعمال كل هذا الإعجاب من الكونغرس، إذًا فهذه هي الديمقراطية وحقوق الإنسان بنظرهم. كل شي في هذه الأيام جائز: أرضك ليست بأرضك وبيتك هو بيت المستوطن، بينما حصار غزة وقتل شعب بأكمله والقرصنة في عرض البحر ومنع أي معونة لهم، تأتي كلها في إطار دفاع عن النفس.
 يا سادة يا كرام في الكونغرس وكلمة كرام لا تستحقونها، أعلى هذه الأمور صفقتم لنتنياهو؟! ليس الشعب الفلسطيني هو من وضع اليهود في الغيتوات، كانت تلك أوروبا هي التي فعلت ذلك. واليوم تطبق حكومة إسرائيل الظلم والاضطهاد ضد الشعب الفلسطيني في غزة، فهل هذه هي حقوق الإنسان في نظركم؟
يجدر تذكير الرئيس عباس، أنه ومن خلال الأجهزة الأمنية تم التعاون مع إسرائيل، فقد كشف رئوبن فدهتسور الصحفي في هآرتس عن وحدة مسلحة خرجت من قلقيلية إلى تل أبيب للقيام بعمليات، وكيف عجزت المخابرات الإسرائيلية عن كشفها، بينما هذا ما قامت به أجهزة السلطة. ويتساءل فدهتسور، هل حفظوا لكم ذلك وألا يؤهلكم هذا لتكونوا شركاء؟
إننا نقول لعباس، ان حكومة إسرائيل لا تريد السلام وفلسطين لهم كلها اليوم. انتم في الضفة والقطاع  وغدا نحن عرب 1948، وأما موافقتهم على جلسات المفاوضات فما هي إلا لتمرير الوقت بينما الاستيطان  ونهب الأرض مستمر، وثانيا لإيهام الرأي العام العالمي بأن إسرائيل "المسكينة" تريد السلام. وبالطبع ففي مقدورهم  إيقاف المفاوضات، مرة يدّعون أنه لا يوجد شريك ومرة يطالبون بمفاوضات بدون شروط مسبقة. وما أمريكا إلا أداة بأيديهم وهذا ما أكده أوباما في خطابه حين قال بأن أمن إسرائيل بالنسبة لأمريكا مقدس، لذلك فإن الضغط الأمريكي على السلطة الفلسطينية للرجوع إلى المفاوضات ما هو إلا لعبة هدفها جعل السلطة تتراجع عن طلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ثم بعد أن تنتهي دورة الامم المتحدة فليس أسهل من  إفشال هذه المفاوضات.
 مع أنه لا يمكن الوثوق حتى بالأمم المتحدة فهي ملك لأمريكا حيث هي قادرة على الخروج بأي قرار تريده، رغم المعارضة الدولية- هذا ان وجدت معارضة، فقرار احتلال العراق لا يزال حاضرا في أذهاننا. أما إسرائيل فكلنا ما زلنا نذكر قول بن غوريون بأن الأمم المتحدة هي لا شيء. ومع كل ذلك على السلطة الفلسطينية أن لا ترضخ للمطالب الأمريكية رغم تهديداتها بقطع المساعدات المالية عنها لتموت جوعا.  فخير للشعب الفلسطيني أن يموت على أن يرضخ للابتزاز ولتحل السلطة نفسها وتلقي بهذا العبء على كاهل العالم وفي المقدمة إسرائيل.
لن يتزحزح الشعب الفلسطيني عن بيته ولا عن بلاده، إلا ميتا، ولنرَ ما إسرائيل فاعلة. إن أمريكا ليست حامية بل حرامية حقوق الإنسان، فلتدر الشعوب العربية ظهرها لها، فهي ليست بحاجة إليها. قد يقول قائل انني جننت عندما يقرأ هذا الكلام، أما الحقيقة فهي أن أمريكا هي التي بحاجة إلى الشعوب العربية، إلى ثروات بلادنا والينا كسوق استهلاكية والى أموالنا، فهل سأل أحد عن الملايين أو المليارات  التي تستثمرها دول الخليج في شراء سندات مالية أمريكية في سبيل دعم الاقتصاد الأمريكي، وهل تساءل أحد ماذا سيحدث لهذا الاقتصاد لو سُحبت هذه الأرصدة؟ هذا لو استطاع أصحابها أن يسحبوها. هذا معناه انهيار الاقتصاد الأمريكي. تنقص القيادة العربية الشجاعة بحيث تكون سيدة نفسها، لتدير أمورها وأموالها وثرواتها بنفسها، وفقا لمصالحها.
لقد استكان الحكام العرب لوعود أمريكا مرات ومرات، فماذا حققت لهم. هل هنالك حادث واحد وقفت فيه أمريكا موقفا حياديا؟ وها هي اليوم تهدد السلطة بأنها ستستخدم حق النقض إذا اتخذ قرار بقبول فلسطين كدولة في الأمم المتحدة. نعم إلى هذا الحد. إن خطوة السلطة الفلسطينية لنيل الاعتراف الدولي لهي خطوة حكيمة وضربة للنية الأمريكية الإسرائيلية العربية المبيّتة تجاه القضية الفلسطينية، وإلا لماذا هذا الخوف لدى إسرائيل وأمريكا، عندما نجد انه  حتى بيرس يتجند لإقناع السلطة بالعدول عن ذلك والعودة إلى المفاوضات.
وهنا أختتم وأقول لأمريكا وإسرائيل ان ملوك ورؤساء الدول العربية مقدور عليهم  أما على الشعب الفلسطيني فخيطوا بغير هالمسلة، وحذار حذار للسلطة أن تتراجع عن طلبها  حتى لو وضعوا في يمينها الحقوق الفلسطينية مكتوبة وعليها البصمات العشر من حكومة إسرائيل وأمريكا. فحذار .  

 

 (كفركنا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

كلمة وفاء!... لأحرار هذا العالم

featured

كفوا بلاءكم عن شبابنا

featured

متى يمحو نور المحبة ظلام الحقد؟

featured

وقاحة غير عادية!

featured

معبر رفح ... الغريق يتعلق بقشّة؟

featured

التذرع بحماية الديموقراطية من الإرهاب الى تدميرها

featured

رِضاك يا أمِّي..