حين سُئلَ رئيس بلديَّة في جنوب البلاد، في بثٍّ تلفزيونيٍّ مباشر، "إلى متى هذا القصف؟ وما هو الحلُّ؟" أجاب قائلا إنَّه على الجيش أن يعمَل كلَّ ما في وسعه وأكثر، كما عمِلَ في شمال البلاد، لِيَجلبَ الهدوء لسكَّانه، ظنًّا منه أنَّ القوَّة والبطش على أشكاله "وفنونه" وإرهابه من خلال الحلِّ العسكريِّ هما السَّبب في الهدوء، متجاهلا أنَّ انتهاء الاحتلال الاسرائيليِّ لجنوب لبنان،هو هو الذي أوصل المنطقة إلى هدنة، وهدوء حذِر مع ترقُّب، على طريق إنهائه تمامًا بانسحاب جيش الاحتلال من مزارع شَبعا اللبنانيَّة المحتلَّة..
إنَّ إنهاء حالة الحرب والقتل والتَّدمير والهلع والخوف عندالشَّعبين، الرَّازح تحت وطأة الاحتلال والمواطن في الدَّولة المغتَصِبة،منوطٌ بتحقيق السَّلام الحقيقيِّ، العادل والشَّامل، الذي يجب على حكومة البلاد ان تجنحَ بثبات وتسعى إليه حالا، فهي تُعلن، دومًا، عن رغبتها في تجديد المفاوضات، لأنَّها تريدها مفاوضات دوريَّة من أجل المفاوضات، وتريد أن تستمرَّ في طحن الماء، لتراوح المنطقة مكانها وتبقى دائمًا في "دوَّامة حيِّك منديلو" من أجل كسب الوقت لبناء المزيد من المستوطنات ومصادرة الأراضي لتغيير معالم البلاد وفرض أمر واقع على شعبنا والمنطقة..
إنَّ الحديث عن التَّهدئة والهدوء وعن المفاوضات من أجل السَّلام، هو كلام جميل، لكنَّه تصريح إعلاميٌّ فضفاضٌ، لا رصيد له،لكسب الرَّأي العام، المحلِّيِّ والعالميِّ، كما يُقال "كلام فاضي"، لأنَّه خديعةٌ ووهنٌ وإذلالٌ ومكيدةٌ، إنَّه "كلمةُ حقٍّ يُراد بها باطلٌ"، ولا نيَّة عند حكومة البلاد لتطبيقه، وما بين الحقِّ والباطلِ خطٌّ مسطورٌ وواضح وشَعبُنا أَعرَفُ بشِعاب المنطقة وملوكها وأمرائها وسلاطينها ومفكريها وأدرَى بثالوثه الدَّنس منذ وعد بلفور المشؤوم والمأفون!لكن عليه أن يعرف وضع الخطِّ الفاصل ما بين العدوِّ اللدود والصَّديق الودود أو "الصَّديق" اللدود..
وشعبنا أسَنُّ في تجربته، على مدى قرنٍ من التَّحدِّي والمقاومة، ويعرف "أنَّ الشُّعوب إذا هبَّت ستنتصر" ويعلم أنَّ النَّصر بيد الشُّعوب وأنَّ إرادة الشُّعوب هي العُليا وهي التي تُملي وترسِمُ مستقبلها بحرِّيَّتها واستقلالها وهي على يقين أنَّ الاحتلال إلى زوال "وما في مستعمر بِضَل" وعليه أن يعتمد في نضاله، أيضًا، على التَّعاون والتَّضامن اليهوديِّ العربيِّ كتجربة الجزائر، بلد المليون ونصف المليون شهيد، والتَّضامن الأمميِّ، حيث أتى الجزائر محاربون فرنسيُّون (شيوعيُّون في غالبيَّتهم) ليقفوا مع الجزائر ضدَّ بلدهم، فرنسا المحتلَّة، وعلى شعبنا أن يعرفَ أنَّ تجنيد جميع القوى المحبَّة للسَّلام لنصرة قضيَّته العادلة، هو أمر حيويٌّ وضروريٌّ..
لقد كانت التَّظاهرة في حيفا يوم أمس الأول الثلاثاء، وقبل أسبوع أيضًا، جبارة بحضور رفاقنا الشُّيوعيِّين والجبهويِّين، عربًا ويهودًا،وقوى يهوديَّة يساريَّة أخرى، وكانت ناجحةً بالتزامهم وببطولتهم في مواجهة اليمين الفاشيِّ والتَّصدِّي للعنصريِّين ورجال الشرطة و"الياسام" الذين تعاطفوا مع الفاشيِّين لا بل غضُّوا الطَّرف عن شعاراتهم العنصريَّة البذيئة واعتدائهم على بعض من رفاقنا ونحن على قناعة تامَّة أنَّ لقاءاتنا قادمة حتى النَّصر مهما كانت التَّضحيات من أجل نصرة أهلنا في غزَّة والضفَّة الغربيَّة وكَنْسِ الطَّاغوت..
نضال مشترك هو طريق الأُسُود إلى شاطئ السَّلام المنشود..
