بمقدور الخطوة إعادة القضية الفلسطينية الى مركز الاهتمام والحدث، ولو لأيام
- من الصحيح الافتراض طبعًا بوجود تهديدات أمريكية مالية أيضًا. أي حجب معونات وقروض وتلويح بتجفيف مشاريع. لكن بوسع القيادة الفلسطينية مواجهة هذه التهديدات. أو على نسق شعار براك أوباما الانتخابي قبل 4 سنوات: !Yes It Can ويمكننا العودة الى العام الماضي لإثبات ذلك
//
يلمس المتابع نوعًا من التردّد لدى القيادة الفلسطينية بشأن إعادة التوجه الى الأمم المتحدة للمطالبة برفع مكانة عضوية فلسطين. فالقرارات الصادرة عن العديد من الهيئات حتى الآن، ومثلها التصريحات في هذا الشأن، تُصاغ بلهجة "الهيئة كذا تؤكد.." لكن سرعان ما يلحق بـ"التأكيد" استدراكٌ ما، ليبقى الموقف كله في ظل علامة السؤال والضباب.
صحيفة "الاتحاد" أشارت في افتتاحيتها وسط الأسبوع بهذا الشأن الى التالي: "يبدو أن هناك من يتردّد، ربما خشية من عدم توفير غطاء عربي من خلال لجنة المتابعة العربية، وكذلك بالطبع خشية من تهديدات أمريكية ابتزازية". لهذا فإن المطلوب للقيام بهذه الخطوة هو التخلي عن المخاوف والتحلي بجرأةٍ سبق للسلطة الفلسطينية أن نجحت باستجماعها قبل نحو عام، وطرحت القضية بقوة في الأروقة الدولية.
طبعًا، لا مكان للسذاجة والظن بأن خطوة تجديد مبادرة المطلب برفع مكانة فلسطين، ستحقق استقلالا فلسطينيًا. لا. ولكن لا مكان أيضًا لسطحيّة النظر في هذه الخطوة التي بمقدورها أن تعيد القضية الى مركز الاهتمام والحدث، ولو لأيام، وأن تجبر المؤسسة الاسرائيلية على مواجهة سياسية أمام العالم كله، وأن تُخرج القضية من حيث يريد لها الاحتلال الاسرائيلي أن تنحصر تحت رقابته وسيطرته وهيمنته، سواء داخل الجدران والحواجز، أو داخل مربعات "التنسيق المدني والأمني" الثنائي، حيث القرار الأول والأخير للاحتلال. كذلك، فتجديد المبادرة يحمل رسالة للمسؤولين الأمريكيين مفادها: لستم وسيطًا محايدًا ولا نزيهًا. لستم سوى منحازين لجهة الاحتلال الاسرائيلي.
رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قال أمس: "هناك عراقيل وضغوطا كثيرة كي لا نذهب الى الجمعية العامة للأمم المتحدة". وأضاف أن "الرفض الأمريكي للتوجه الفلسطيني للامم المتحدة جانب من جوانب ممارسة الضغط بأشكاله المختلفة". ومن الصحيح الافتراض طبعًا بوجود تهديدات أمريكية مالية أيضًا. أي حجب معونات وقروض وتلويح بتجفيف مشاريع. لكن بوسع القيادة الفلسطينية مواجهة هذه التهديدات. أو على نسق شعار براك أوباما الانتخابي قبل 4 سنوات: !Yes It Can ويمكننا العودة الى العام الماضي لإثبات ذلك.
كتبتُ في حينه كيف أن العناوين المتتالية جاءت متناقضة: واشنطن حجبت الدعم المالي عن السلطة الفلسطينية، ثم: واشنطن رفعت الحجب. سبب الحجب كان التوجّه الفلسطيني الى الأمم المتحدة، ومع أن السبب لم يتغيّر فإن النتيجة الأمريكية المترتّبة عليه انقلبت بفارق 180 درجة.
واشنطن اعتبرت أن خطوة السلطة "ستضرّ بالمفاوضات". هذا مع أنه تم التوجّه الى الهيئة الشهيرة بكونها الشمس التي تشعّ شرعيةً دولية؛ تلك التي تستخدمها واشنطن بشكل مطّاطي وفقًا لمصالحها وغطرستها. ولكن في حالة فلسطين تغيب قصص الشرعية كالكسوف. يصبح طلب الاعتراف من مصدر الشرعية فعلا يستقدم العقاب. ففكرة ألاّ احد فوق الشرعية، لا تشمل واشنطن. وهذا يقول الكثير عن شرعيّة سياساتها طبعًا.
الضغط المالي الأمريكي لم يحقق أهدافه. فالسلطة الفلسطينية أصرّت على مبادرتها، بل تحدّت واشنطن. وهنا لا يمكن كبت المجاهرة بمدى التفاجؤ الإيجابي المنعش من تلك الصلابة غير المعهودة التي طالما تُقنا اليها.. لقد تم الإثبات مجددًا أن الولايات المتحدة ليست قدَرًا محتومًا. بل يمكن تحدّيها حتى لو لم يثمر الأمر من فوره.
مثلما الأمر عليه اليوم، فالتقديرات قبل عام كانت أن المبادرة الفلسطينية قد لا تحقّق هدفها في المدى المنظور. فواشنطن مارست ضغوطًا نجهل كنهها على دول مجلس الأمن، لكننا نعرف أنها "ضغوط هائلة" كما نقلت مصادر مطّلعة. مع ذلك، ففي الطريق تم تحقيق هدف ثانوي ولكن هام تمثل بالعضوية في اليونسكو.
واشنطن سوّغت تراجعها لاحقًا عن حجب الدعم المالي بكونه يضرّ بالأمن القومي الأمريكي. لا بل ان مسؤولين أمريكيين كبارًا زعموا ان رفع الحجب جاء بمباركة اسرائيل. مرة اخرى جرى استخدام "الأمن" للتهرّب من الاعتراف بأن الضغط فشل. فواشنطن لا يمكنها الاعتراف بألم حجر داود الصغير وإنْ لم يصبها في مقتل.
لقد تبيّن أن تحدّي أمريكا أمر محبّذ بل قد يكون مربحًا أحيانًا. فالسلطة الفلسطينية كسبت معنويًا وظهرت صلبة وجريئة، ولم تخسر ماليًا أيضًا. كذلك، ومهما تشدّقت تل أبيب وواشنطن، فلن يمكنهما إخفاء حقيقة أنه لا يمكنهما إدارة الظهر للقضية الفلسطينية. إنهما في قبضتها. بل عليهما الدفع أيضًا. إن كابوس واشنطن وتل أبيب المشترك هو أن تقول لهما السلطة الفلسطينية: لن نواصل اللعب! ومن يدري، فربما سنحتاج قرارًا كهذا في المرحلة القادمة.
حاليًا، أدى مجرّد الحديث عن تجديد المبادرة الى إصابة وزير الخارجية الاسرائيلي أفيغدور ليبرمان بحالة قريبة من الجنون المؤقت، حيث فتح مصاريع التحريض على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، بل اعتبره أشدّ خطرًا من "الارهاب". هذا الصراخ الاسرائيلي على قدر الوجع المتوقّع من إعادة شدّ الرحال الى الأمم المتحدة. وهو المؤشّر الأقوى على وجوب المضيّ في تجديد المبادرة، ولينفلق ليبرمان وجميع من معه.
