ثقافة السلام وسلام الثقافة

single

سأل الملك دبشليم بيدبا الفيلسوف مرة، حدثني عن صراعات العنف وعنف الصراعات. قال بيدبا الفيلسوف للملك، اعرف ايها الملك العظيم ان الصراع موجود في هذا الكون داخل الانسان ذاته وبين الانسان واخيه الانسان. هو صراع دائم لا نهاية له، في طياته عنف وجهل بكرامة الانسان وحقيقته السامية المعطاة من الله عز وجل. واساس هذا الصراع محبة المال وشهوة السلطة والسعي وراء السيادة. ويلبس الصراع ثياب التدين الاعمى تارة وثياب الجهل تارة اخرى. فان ادوات هذه الصراعات هي العنف الكلامي والنطقي والعنف الجسدي آخذا اشكالا مختلفة في المجتمعات والبلدان والدول والشعوب. وعندما تلبس محبة المال او شهوة السلطة او عشق السيادة فردًا ما او مجتمعًا ما او جماعة ما فان اداة العنف الكلامي والجسدي تكون هي المسيطرة على العقول والقلوب والنفوس والسلوكيات. فاذا اقتربت السلطة من احدهم نسي من هو ومن هو فيعب من اكسيرها حتى الثمالة ناسيا الانسان الذي في داخله الذي يحمـل بذرة الخير التي وضعها الله . ان السلام ليس غياب العنف لوقت ما او لفترة ما بل ان السلام يلتزم به الانسان في جميع الظروف والاحوال والاوضاع لانه اسلوب حياة ومنهج يتبعه ويعيشه ويجني ثماره. اما اسلوب العنف فهو اسلوب آخر وسبيل حياة اخرى ومنهج آخر يتبعه الفرد او المجتمعات بعيدًا كل البعد عن الوطنية الصادقة التي تسعى لسلامة المجتمع.
قال الملك دبشليم لبيدبا الفيلسوف: اذًا فان هناك شيئًا اسمه ثقافة السلام يفرضها السلام ليكون السلام. اجاب بيدبا الفيلسوف: بالطبع لان الثقافة تنتج السلام والوئام والفهم والتفاهم وهذه الثقافة ليست فقط للعلماء والمتعلمين والمثقفين بل هي لجميع فئات الشعب. وغياب الثقافة العامة يغيب السلام والعكس صحيح. ولا يفوت عليك ان هناك ثقافة خاصة بالسلام ومفهوم السلام وهذه الثقافة هي عكس بداهة العنف وشراسته لان في العنف جهلا، وما اسهل ان تتغذى مجموعات معينة تميل الى العصبية القومية او الدينية او الايديولوجية الى استعمال العنف بواسطة التحريض والسلوك السلبي واستباحة حرمات المجتمع والفرد واستعمال الطرق الترهيبية والتهديد والقمع. ان ثقافة السلام هي نتاج الفكر البشري الايجابي على مر العصور والذي توصل اليه الانسان الواعي والمدرك لانسانية الانسان وكرامة الانسان، وهذه الثقافة السلامية تظهر لدى الانسان في محبته لوطنه ولابناء مجتمعه وشعبه وخصوصا عندما يكون الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي ينادي بوحدة الوطنية. ان عنصر الوطنية والمسؤولية الوطنية هو اهم ما في ثقافة السلام لانها مسؤولية عظمى يحملها الانسان وخصوصا اولئك الذين يسعون الى القيادة. فالوطنية تؤكد على اهمية معرفتنا وادراكنا لهويتنا الانسانية والبشرية والقومية ومعرفة الحقوق الوطنية في زمان ومكان يجدر بنا ان نمارس حقنا الوطني في اتمام الوحدة الوطنية والتأكيد على سلامة مجتمعاتنا الانسانية وشعبنا الواحد.
قال الملك دبشليم لبيدبا الفيلسوف: فماذا تقول في تلاقي الانتهازيين من مثقفين ورجال دين وغيرهم من الذين يسعون الى السلطة والسيادة في زمان ومكان معين غير مبالين بثقافة السلام والوطنية الصادقة. اجاب الفيلسوف انه عين الخراب والدمار اذا استهان اولئك بوطنية المجتمع واستبدلوا وطنيتهم بمصالح خاصة وحب السلطة. ان تلاقي هؤلاء معا يضيع الفرصة على المجتمع الوطني الشريف للارتقاء نحو الخير العام والسلام وبحبوحة العيش وكرا مة الانسان. لذلك لم تقبل مجتمعات وشعوب كثيرة الرجوع الى الخلف وتحكم الرجعيين وغير الوطنيين في مصائرهم. فمهما اختلفت المجتمعات ومهما انقسمت على نفسها تبقى الوطنية هي مقياس الكرامة والسلام ومحبة الخير العام.
إن التجربة الانسانية علّمت الناس ان العنف والانتهازية والتفرقة الدينية ومحبة السلطة لم ولن تنتصر ما دام هناك وطنية صادقة وثقافة سلامية. لذلك ايها الملك العظيم ان عظمتك تنبع من محبتك لوطنك وابناء شعبك وحكمك العادل، ومحبة شعبك لك تنبع من وطنية هذا الشعب وكرامته. فكرامتك هي من كرامته، ادامك الله.



(الناصرة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

مواطنتنا مجبولة بكوننا أبناء الوطن(*)

featured

في الرعب من ذاك التنظيم

featured

بلعين وأخواتها ستكسرهم!

featured

ليبرمان شخصيًا، أحد أسباب "المقاطعة"

featured

نحيّي الاجتماع العالمي للأحزاب الشيوعية

featured

يهودية إسرائيل" بين شرعنة الصهيونية وضمان الديموغرافيا

featured

التجاربُ كالمِسَنّ

featured

الأخلاق والديمقراطية