فلنتكاتف جميعا من أجل الارتقاء بالعمل التطوعي في فلسطين

single

// مـقـدمـــة:

تحتفل دول العالم في الخامس من كانون الاول/ ديسمبر من كل عام " باليوم العالمي للتطوع" تنفيذا للقرار الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 1997 والذي اعتمد العام 2001 أول عام دولي للمتطوعين، فلا تقتصر الاحتفالات بهذا اليوم على المؤسسات والمراكز التطوعية بل تحتفل به أيضاً الحكومات والمؤسسات الأهلية والمنظمات العامة.
          وتأتي هذه المناسبة هذا العام وسط اهتمام واسع بالعمل التطوعي على كافة المستويات المحلية والإقليمية والدولية، فمنذ اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة الخامس من كانون الاول/ ديسمبر "يوم عالمي للتطوع " ارتفع مستوى التوصيف العالمي للعمل التطوعي، فقد تم تشكيل ما يزيد عن 120 لجنة وطنية للعمل التطوعي من جميع أنحاء العالم بدعمها العديد من اللجان المحلية والإقليمية، كذلك شهد الموقع الرسمي لمتطوعي الأمم المتحدة على شبكة الانترنت ما يزيد عن 9 ملايين طلب، بالإضافة إلى اتخاذ خطوات هامة لقياس مساهمات المتطوعين بهدف خلق أطر تشريعية للتطوع، وإقامة البنية الأساسية المطلوبة لدعمه، وتكوين شراكة أكثر فعالية بين الحكومات و نظام الأمم المتحررة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام والأطراف المعنية الأخرى.
وبهذه المناسبة أتقدم بهذا التقرير لتسليط الضوء على التجربة الفلسطينية الرائدة في مجال العمل التطوعي، ولإبراز أهميته في تعزيز صمود شعبنا الفلسطيني في وجه العدوان الإسرائيلي المتواصل، وسأتناول أيضا آلية تطوير العمل التطوعي في ظل الظروف الراهنة، فالعمل التطوعي في فلسطين يعتبر جزءًا من مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية وشكلا مبدعا من أشكال التصدي والمقاومة والصمود، وتعبيرا صادقا عن الفكر التقدمي الحضاري

 

// التجربة الفلسطينية المميزة في مجال العمل التطوعي:-

          لقد تعرض الشعب الفلسطيني لكثير من الحروب والويلات والثورات المتتالية، وكان لزاما على أبناء الشعب الفلسطيني خلق أشكال من النضال والتكافل الاجتماعي التي تمكنه من الصمود والبقاء في الأرض، فكان العمل التطوعي هو الوسيلة الأنجع لتحقيق ذلك، لذلك اتخذ العمل التطوعي في فلسطين في جميع مراحله واجهة العمل السياسي الوطني،فارتبط بعملية مقاومة الاحتلال على مدار تاريخ الشعب الفلسطيني الحديث والمعاصر، فقد ارتبط ذلك بالبعد القومي العربي في نهاية العهد العثماني، وارتبط بالبعد الوطني والاجتماعي في عهد الانتداب البريطاني، وبعد النكبة وبعد تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية تركز العمل التطوعي في مجال التجنيد العسكري للطلبة والشباب من أجل الدفاع عن الوطن.
         
ولكن بدأ العمل التطوعي المنظم في فترة السبعينيات بعد صحوة المواطنين الفلسطينيين من صدمة الاحتلال الصهيوني، وكان لبروز وتطور العمل التطوعي في تلك الفترة أثره الفعال ودوره الكبير في تعميم ثقافة التطوع وقيمة التعاون والعمل الجماعي، وجاء هذا التطور ارتباطا بتطور الأطر الجماهيرية و الاتحادات الشعبية التي تشكلت كامتداد للأحزاب والقوى السياسية الفلسطينية والقوى اليسارية، وقد ساعد انتشار العمل التطوعي في تلك الفترة تزايد الحس الوطني لدى جميع قطاعات المجتمع، ونظرة الطلاب والشباب للعمل التطوعي على أنه شكل من أشكال التصدي والمقاومة يعبرون من خلاله عن حسهم الوطني وطاقاتهم عدا عن إقرار جامعة بير زيت للعمل التطوعي كمتطلب إلزامي لتخرج الطلبة في الأراضي المحتلة وتزامنا مع مخيمات العمل التطوعي في مدينة الناصرة التي نظمتها بلدية الناصرة كرد على سياسة الحكومة الاسرائيلية بمعاقبتها وحرمانها من الميزانيات بعد فوز تيار وطني متمثل في جبهة الناصرة الدمقراطية.
          ومع حلول عام 1976 كانت لجان العمل التطوعي الشبابية قد انتشرت في جميع الأراضي المحتلة وكان لها فروع في معظم قرى ومدن ومخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة،وقد لعبت هذه اللجان دورا كبيرا في ترسيخ مبدأ العمل التطوعي في الجامعات والمعاهد والمدارس الثانوية بأشكال وطرق مختلفة، وعملت على ربط الطلبة والشباب الفلسطيني في أهم القضايا الوطنية التي تواجهها جماهير الأرض المحتلة وأولى هذه القضايا هي مصادرة الأراضي، وقد اعتمدت هذه اللجان على الجماهير من جميع القطاعات في تنفيذ أهدافها واستطاعت الحفاظ على أراض مهددة بالمصادرة، وأثبتت أن العمل التطوعي هو إبداع الجماهير الواسعة الفقيرة، كما برهنت أن العمل التطوعي لا يمكن أن يتطور ويأخذ أشكالاً جديدة دون أن يلمس حاجات الجماهير الواسعة، وقد هدفت إلى تحقيق تواصل فعال للشباب الفلسطيني ومجتمعهم، وبناء علاقة متينة بينهم وبين الأرض من خلال الفعاليات والمخيمات التطوعية المتنوعة.
          وقد شهدت فترة الثمانينيات تطورا ملموسا في مجال العمل التطوعي وتعمقت قيمته خلال انتفاضة عام 1987، وتجسد ذلك بأشكال و أساليب متعددة تم ابتداعها وابتكارها، وبلغ العمل التطوعي في تلك الفترة ذروته، وأنجزت الكثير من الفعاليات الشعبية والجماهيرية، كما شهدت السنوات الأخيرة من عمر الانتفاضة انتشار لجان جماهيرية تطوعية مختلفة، كلجان مقاومة الاستيطان ولجان الدفاع عن الأراضي.
ومن خلال تشكيل لجان العمل التطوعي المتخصصة، برز العديد من المؤسسات التطوعية واتسع نطاق التخصص في عملها، فبرزت مراكز الأبحاث المتخصصة، ومنظمات حقوق الإنسان،والمؤسسات النسوية والشبابية، وقد برزت الإغاثة الطبية كرد مباشر لتدهور الخدمات الطبية في المناطق المحتلة وإغلاق عشرات العيادات والمستشفيات الحكومية، وعلى نفس الدرب شقت الإغاثة الزراعية طريقها في خدمة المزارعين على إيجاد حلول للمشاكل الزراعية المتفاقمة، كذلك تأسس اتحاد الشباب الفلسطيني على يد مجموعة من الطلبة والشباب الناشطين الذين شاركوا في تشكيل لجان العمل التطوعي، وقد جاء تأسيس اتحاد الشباب لحاجة ملحة لدى الشباب الفلسطيني وحرصا على تجميع طاقاتهم وتطوير إمكانياتهم في كافة الصعد ليساهموا بفعالية في بناء الوطن والمجتمع.
         
ومع بداية التسعينيات بدأت بوادر التراجع تقتحم الحياة السياسية بشكل عام مما أدى إلى حالة من الإحباط على مختلف قطاعات المجتمع، وحدث انكماش واضح في فعالية الأحزاب والفصائل الفلسطينية وانخفضت قاعدتها الجماهيرية وحدث تراجع كبير في كل مجالات العمل الجماهيري المختلفة سواء على المستوى التطوعي، الطلابي، العمالي، النسوي، الشبابي، أو غير ذلك مما أثر سلبيا في تطوير و تفعيل العمل التطوعي في تلك الفترة.
          وفي الوقت الحاضر تراجع العمل التطوعي بشكل واضح للعديد من الأسباب منها الاعتقاد السائد لدى البعض بأن السلطة الوطنية الفلسطينية تتحمل وحدها مسئولية تقديم كافة الخدمات والمتطلبات الأساسية في شتى المجالات، بالإضافة إلى وجود تراجع عام في عمل التنظيمات السياسية بالنسبة للعمل التطوعي والتي كانت تلعب دورا هاما في تشكيل اللجان التطوعية عدا عن عدم وجود استراتيجية أو خطة وطنية حول النهوض بواقع العمل التطوعي وتشجيعه وتحفيز المتطوعين، كذلك الوضع السياسي العام واختلاف الدافع في هذه المرحلة والانتشار المتزايد للقيم الرأسمالية الفردية في المجتمع بدلاً من قيم التعاون والتكافل الاجتماعي.
ولكن مع بداية انتفاضة الأقصى بدأت بعض البوادر لإعادة الاعتبار للعمل التطوعي وإن كانت بشكل غير منظم من قبل بعض الشباب والطلاب المتطوعين.

 

// أهمية العمل التطوعي في تعزيز صمود شعبنا الفلسطيني :

 

          في ظل الظروف والأوضاع الصعبة التي يمر بها شعبنا الفلسطيني وتدهور الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والصحية نتيجة للاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الأراضي الفلسطينية المحتلة والتي طالت جميع مناحي الحياة والذي ترك آثارا مأساوية على السكان، تبرز أهمية النهوض بواقع العمل التطوعي و تفعيله لما له من دور هام بتخفيف معاناة أبناء الشعب الفلسطيني وإعادة ما دمره الاحتلال الإسرائيلي وتعزيز صموده في وجه العدوان الإسرائيلي المتواصل.
وقد لعب المتطوعون الفلسطينيون من طلاب و نساء و رجال وشيوخ من كافة القطاعات الاجتماعية دورا هاما في الحد من المشاكل والعقبات التي تواجه المجتمع الفلسطيني وقد سد الكثير من الاحتياجات في شتى المجالات، وضربوا مثالاً طيبا على العطاء و التكافل مما يؤكد مدى قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود والثبات من أجل تحقيق أهدافه الوطنية المشروعة وعلى رأسها التحرر الوطني والديمقراطي وحق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، كذلك لعب المتطوعون دورا هاما في مقاومة الاحتلال والتصدي له على مدار تاريخ الشعب الفلسطيني عبر مراحل حياته المختلفة، وقدموا خدمات جليلة للوطن من خلال المؤسسات الحكومية وغير الحكومية والفعاليات الوطنية والرسمية في جميع المجالات.
     ففي المجال الصحي قدم المتطوعون في الطواقم الطبية الكثير من الخدمات الصحية للجرحى و المصابين وتوفير العلاج والدواء لهم و عملوا ليل نهار من أجل إنقاذ حياة المرضى والجرحى في الوقت الذي تعاني منه المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية أوضاعا صحية خطيرة، بسبب منع وصول الإمدادات اللازمة للسكان وتعرض المستشفيات والعيادات  و المستوصفات الطبية لعمليات التدمير والتخريب على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي، وأثناء تأديتهم لواجبهم الوطني تعرض هؤلاء المتطوعون للعديد من الاعتداءات الهمجية على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي حيث استشهد و أصيب عدد كبير منهم.
وفي المجال الزراعي لعب المتطوعون دورا هاما في مساعدة المزارعين في مواسم الحصاد وقطف الزيتون، والمشاركة في حملات استصلاح الأراضي الزراعية التي تعرضت للتجريف على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي و كان الهدف من هذه الحملات تعزيز صمود المزارعين والاحتفاظ بأراضيهم المهددة بالمصادرة و الارتباط والتشبث بها والدفاع عنها، وشارك المتطوعون أيضا بحملات غرس الأشجار للرد على عمليات قطع الأشجار التي تقوم بها قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين.
وفي المجال الاجتماعي شارك المتطوعون في المؤسسات الخيرية بعمليات توزيع المساعدات الغذائية وتقديم مساعدات مالية على أسر الشهداء والجرحى والمعتقلين، والعائلات الفقيرة التي فقدت مصدر رزقها وأعمالها من  جراء الحصار المشدد الذي تفرضه قوات الاحتلال وقاموا بحملات جمع التبرعات لتقديمها للأسر المحتاجة والمناطق المنكوبة والمدمرة من جراء العدوان الإسرائيلي والحصار المشدد.

 

// آلية تطوير العمل التطوعي في فلسطين في ظل الظروف الراهنة:

أولاً: يجب على جميع المؤسسات والفعاليات الوطنية والرسمية وكافة شرائح المجتمع تكثيف جهودهم من أجل تطوير العمل التطوعي في فلسطين من حلال استراتيجية وطنية تهدف إلى تشجيع العمل التطوعي وتعزيزه بين كافة القطاعات الاجتماعية الفلسطينية المحلية وإشراكهم في التطوع كل حسب إمكانياته واحتياجاته.
ثانيا: يجب على وسائل الإعلام أن تمارس دورا اكبر في توعية أفراد المجتمع بأهمية العمل التطوعي ومدى حاجة المجتمع إليه، ودوره في عملية التنمية، وفي دعوة المواطنين عامة إلى المشاركة في الأعمال التطوعية التي ستقوم بها المؤسسات الرسمية والأهلية.
ثالثا: ضرورة أن تضم البرامج الدراسية للمؤسسات التعليمية المختلفة بعض المقررات الدراسية التي تركز على مفاهيم العمل التطوعي وأهميته ودوره التنموي، كذلك يجب أن تمارس المدرسة والجامعة والمؤسسة الدينية دورا أكبر في حث الشباب على التطوع خاصة في العطل الصيفية.
رابعا: يجب دعم المؤسسات والهيئات التي تعمل في مجال العمل التطوعي مادياً ومعنوياً بما يمكنها من تأدية رسالتها وتأدية خدماتها، كذلك يجب دعم جهود الباحثين لإجراء المزيد من الدراسات والبحوث العلمية حول العمل التطوعي للمساهمة في تحسينه وتطويره بشكل عام.
 
خامسا: ضرورة إنشاء اتحاد عام للمتطوعين يشرف على تدريبهم وتنظيم طاقاتهم ويتابع أمورهم، ويستثمر أوقاتهم بشكل فعال، ويساهم في إكسابهم المهارات والخبرات المناسبة، ويقوم بتوزيع المهام عليهم، ويحدد الأنشطة التطوعية التي سيقومون بها والتي تلي الاحتياجات الأساسية للمواطنين، ويعمل على إعادة تشكيل لجان العمل التطوعي في المجتمع الفلسطيني.
سادسا: يجب تبنّي سياسات تهدف إلى تعزيز التخصص في العمل التطوعي، والاستعانة بالكوادر والكفاءات الموجودة في المؤسسات الحكومية والرسمية للتطوع للمساهمة في التنمية الوطنية من خلال برنامج منظم تقوم الجهات المشرفة على العمل التطوعي بإعداده وتنسيقه والإشراف عليه.

 

(سكرتير العمل الطلابي لحزب الشعب الفلسطيني)

قد يهمّكم أيضا..
featured

لإنجاح اليوم العالمي لحقوق جماهيرنا

featured

المقاطعة تتصاعد أمام الجرائم الاسرائيلية!

featured

صوتي + صوتك = يؤثر

featured

المجرم مَن يفرض الأجواء الدمويّة

featured

الاعتراف بدلا من الاقتلاع

featured

الموضوع: الاحتفال بمئوية القائد الخالد جمال عبد الناصر

featured

الحُكم للشعب

featured

غِلٌّ وغشٌ وحَسَد