منذ أهدتني كتابها يَلوبُ سؤال في داخلي: هل تنفصل معاناة الكاتب عن معاناة وطنِهِ؟ أو هل تُفرز معاناة الوطن معاناة أبنائه؟
بعد قراءتي جمال الفكر والكلام للمبدعة شوقية عروق منصور أتاني جواب السؤال مجرجرًا أذياله لأعرف ان معاناة المواطن هي نتاج معاناة الوطن.
إذا كان الكتاب سريرَ كاتبه فعلى صدر هذا السرير تركتْ كاتبتنا اثنتين وثلاثين قصة تستدفئ في عبق إبداعها وبين المستدفئات يُطل علينا (سرير يوسف هيكل). هذا السرير المهجور أرادته شوقية اسمًا لكتاب فيه تجتمع أسرار الكلمات الجميلة بصورها، والمشاعر الوطنية السامية بجراحها ورموزها.
للسرير في التراث الإنساني رموزه.. فهو الدليل على ما يُسّر به، وهو رمز السرور وهو موقع أسرار قدسية خصوصيات الناس من أوفياء ومحبين.
لم تخترْ كاتبتنا الرائعة السرير لتبرز من هيكله هذه الدلالات، بل قدّمته لنا سريرًا مأساويًا يتحدث عن مأساة فلسطين.
هذا السرير المتداعي ملَكه يومًا يوسف هيكل الذي رأس يافا البرتقال والجمال يوم كان على أرضنا وطنٌ اسمه فلسطين. بعد فرار الناس خوفًا من بطش المعتدين وصيد المتآمرين على قامة فلسطين بقيت منازل الفارّين مرتعًا للقناصين. لقد سُلبتْ أملاك الفارين ليأخذها السالبون للعرض والبيع ليصبحوا في عداد أثرياء الحروب.
في عرض سرير الرئيس اليافاوي للبيع أقرأ مع كاتبتنا بيعًا لفلسطين.. أقرأ انتهاكًا لكرامة الإنسان! لقد عرض تاجر يهودي منهوبات بيوت الفلسطينيين، وجاءه في احد الأيام تاجر عربي فلسطيني ليشتري ما سُلب من أهله من ارث وتراث. وتتحرك القصة لتتكرر المأساة.. فالسرير الذي سُلب يومًا من أصحابه نجده يتعرض لعملية بتر وتقطيع من جديد ليباع بحديده وأخشابه لتجار الحديد والأخشاب. لقد أبقى التاجر العربي كرات ذهبية أربعًا كانت تزيّن زوايا السرير الأربع.. أبقاها معه كرمز لأمل العودة حاذيًا حذو أهله المغتربين الحاملين مفاتيح بيوتهم التي كانت يومًا بيوتًا لهم.
يقيني في هذا المقام ان حُلم فلسطين يراود مبدعتنا الفلسطينية.. في كلمات قصصها ننتظر تحرير أسرّتنا وأُسَرنا وأسرانا... في حكايتها عن السرير المنهوب المذبوح أقرأ آمالها لترميم السريروتحريره من مخالب السلب والنهب.
الوطن هنا ليس نزوة في سرير.. هذا ما وجدته لدى مبدعتنا التي في محرابها أتنفس الكلام الجميل والإحساس النبيل. في كلامها ينبوع أمل يتفجر متدفقًا لنشرب في مياهه مياه حبيبتنا فلسطين التي شربها الأنبياء الأتقياء ويستعذبها اليوم الشرفاء الانقياء.
