حكاية أُم فاطمة الطنطورية

single

الطنطورة المهجرة الباقية



**شهادة في ذكرى مجزرة الطنطورة

خلال سهرتنا العائلية مع  عمي أبو رمزي ذكرت أمامه بأن ذكرى احتلال وتهجير الطنطورة حلت في 22 أيار فقال لي:
هل تعلم أن إحدى عائلات الطنطورة التي تم تهجيرها سكنت في بيت جدك صالح؟ قلت: لا اعلم ذلك ففي تلك السنة لم أخرج للحياة بعد، لكن هل لكَ أن تحدثني عن تلك العائلة؟
فقال حسنًا وأضاف:
في أيار 1948 وصلت بلدنا عرعرة وغيرها من قرى المنطقة في وادي عارة وام الفحم أعداد كبيرة من أهالي قرى منطقة الروحة والساحل مثل إجزم، عين غزال، صبارين، خبيزة، قنير، السنديانه، أم الزينات وكفر قرع  وغيرها من القرى التي تم تهجيرها.
وقال العم ابورمزي: كنت يومها بجيل العاشرة وأذكر العديد من الاحداث وروايات المُهجرين، لكن ما أردت روايته لك هو عن العائلة التي استضافها جدك صالح في بيتنا.
قلت: وما هي هذه الرواية؟     
قال: إستضفنا امرأة من الطنطورة ومعها خمس بنات أكبرهن سنًا فاطمة ربما عمرها مابين 10 الى 11 سنة .
كما استقبل جارنا أبو فيصل عائلة قريبتها أم عبد الله.
ويتابع: ما زال راسخًا في ذاكرتي ذلك المنظر المأساوي لإمرأة ومعها خمس بنات صغار بلا زوج أو أخ وهي مريضة وفي وضع صحي صعب، وسمعت ما روته لأُمي عما قامت به العصابات الصهيونية في الطنطورة فقالت المرأة (أم فاطمة) لأُمي وأنا جالس استمع  كيف شاهدت وأهالي الطنطورة عملية اطلاق النار على مختار الطنطورة  وقتله بدم بارد بادعاء قيامه بتنظيم عملية شراء السلاح  للدفاع عن الطنطورة، وبعدها قاموا بإطلاق النار على مجموعات من الاهالي خاصة الشباب أمام أعين الاطفال والنساء والشيوخ وأكدت أنها شاهدت مجموعة (دفعة) عددها أكثر من 25 شاب تم قتلهم وهم عُزّل من قبل قوات اليهود التي احتلت الطنطورة.
وتنهد العم ابو رمزي متألمًا: قالت أم فاطمة قام عسكر اليهود  بتجميع الرجال من سن 15- 55 ومعهم زوجي ابو فاطمة وهو سائق قطار ووضعهم في تجمع واحد وأنهم واصلوا عمليات  القتل، بعد أن حمّلونا نحن والاطفال والشيوخ في سيارات ورمونا غربي كفر قرع بمنطقة المراح وقالوا يا الله من هون للشرق واطلقوا زخات رصاص فوق رؤوسنا فهربنا ووصلنا اليكم.
كانت أم فاطمة مريضة جدًا - يقول العم أبو رمزي - وبعد 40 يومًا توفيت وتم دفنها في مقبرة عرعرة أما بناتها فبقين عندنا وتحت رعاية قريبتهن أم عبد الله وزوجها، وبعد مدة تقدم لطلب يد فاطمة من قريبها ابو عبدالله وزوجته شخص من كفر قرع يدعى يوسف وتم زفافها له وعاد معها الى كفر قرع بعد عودة أهلها الى بيوتهم.
سألته: وماذا مع بقية العائلة؟
قال: بعد تسليم عرعرة ومنطقة المثلث الى إسرائيل من قبل الملك عبد الله (اتفاقية رودس) في أيار 1949 ودخول قوات الجيش  الاسرائيلي فكان أول ما قاموا به هو طرد (تهجير) جميع اللاجئين الى منطقة الاردن شرقًا خاصة الى يعبد وجنين وهذا ماحدث مع أخوات فاطمة وعمتهن  أم عبد الله.


**الوالد سائق القطار يبحث عن عائلته


سكت العم أبو رمزي وتنهد ثم قال: في أحد الأيام  وبعد عدة سنوات وصل بيتنا شخص لا نعرفه بعد أن سأل عن  بيت جدك صالح وقدم نفسه بأنه زوج أم فاطمة التي إستضفناها وبناتها، وسرد جدك ما حدث مع أم فاطمة ووفاتها وانتقال البنات لحوزة ورعاية عمتهن أخته أم عبد الله، وطلب زيارة قبر زوجته، ورافقته ووالدي الى المقبرة، وبكى طويلا وهو يصرخ على فراق زوجته وبناته. بعد عودتنا للبيت روى أبو فاطمة ما حدث معه وعدد من ابناء بلده ممن بقوا على قيد الحياة ، حيث نقلهم الجيش الاسرائيلي الى منطقة اللد والرملة، وأجبروهم على حفر الحفر وإخراج المواطنين العرب الذين تم قتلهم في بيوتهم ودفنهم، وبعد انتهاء هذه المهمة، أجبرونا على القيام بنقل وتحميل محتويات البيوت من أثاث وممتلكات وغيره الى سيارات وتفريغها في أماكن مختلفة، وبعد أن انتهت مهمتنا هذه حملونا في سياراتهم وأنزلونا في منطقة حدودية مع الاردن وامرونا بالتوجه شرقًا وهم يطلقون النار فوق رؤوسنا.
وقال العم أبو رمزي: بعد القيام بالواجب وفق عادتنا العربية الأصيلة لضيفنا أبو فاطمة، طلب مساعدته بالوصول الى بيت صهره يوسف زوج فاطمة في كفر قرع، ورافقه والدك أخي محمود أطال الله في عمره وأوصله الى بيت فاطمة وزوجها ووفق ما سمعته من محمود كان اللقاء مؤثرًا جدًا .


** القضاء الاسرائيلي ضد الحقائق!


حتى هنا أنتهت رواية عمي أبي رمزي، وفيها تأكيد واضح على ما ذكره البروفيسور مصطفى كبها: "لقد قام الباحث تيدي كاتس من خلال بحث عن قرى الكرمل الجنوبي لنيل شهادة الماجستير بشرح حيثيات هذا الموضوع، ولكن القضاء الاسرائيلي تدخل في سابقة مثيرة واقروا ببطلان التفاصيل الواردة في الرسالة، وعلى اثر ذلك قامت جامعة حيفا بالغاء اقرار الشهادة ورفض منحها لكاتس".
هذا الموضوع أشغل وما زال يشغل الأوساط العلمية والأكاديمية الإسرائيلية والدولية حول ما حصل وحول قضية اعتماد الشهادات الشفوية كمصدر تاريخي وكيفية انعكاس ذلك على بحث ما جرى في حرب ونكبة 1948 .
آمل أن أكون قد ساهمت في نقل الرواية الفلسطينية الحقيقية لما حدث في الطنطورة وغيرها من البلدات الفلسطينية من جرائم قامت بها القوات الصهيونية المحتلة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

هل يمكن أن نصادم؟!

featured

روافع فلسطينية

featured

قديمًا قالوا: "شرُّ البلية ما يضحك!"

featured

الجبهة إلى أين؟

featured

....ولمّا اشتدّ ساعده رماني

featured

إما الاشتراكية وإما الفقر والحروب!

featured

يغتالون أشجار الصّبّار