مع الشاعرة روز اليوسف شعبان في  "أحلام السنابل" | د. محمد حبيب الله

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

أهدتني الشاعرة السيدة روز يوسف شعبان ديوانها الشعري الذي صدر حديثًا تحت عنوان "أحلام السنابل" وقد خاطبتني في اهدائها لي بقولها "أُستاذي الفاضل دكتور محمد حبيب الله"، ذلك ان روز لم تنسى يومًا انني كنتُ استاذها في جامعة حيفا ضمن الحلقة الدراسية حول "تعليم اللغة العربية كلغة أٌم". لا زلتُ أذكرها جيدًا طالبةً مجتهدةً ومحبةً للغة العربية، فكانت مساهمتها في الدرس مُلفتةً للنظرِ من حيثُ مشاركتها في النقاش الذي كان يدور حول تعليم اللغة العربية في مدارسنا كلغةُ أُم وعنوانُ الهويةِ للمواطن العربي الفلسطيني في إسرائيل. لقد عرفتُ روز أيضًا في عملها مديرةً في مدرسة الرينة الابتدائية حيثُ كنت مسؤولا عن تطبيقات "توصية لجنة برافر" من أجل تحسين التعليم العربي وهنا عرفتها مديرةً ملؤها المسؤولية فكانت تتميزُ بعلاقتها الدافئة مع المعلمين واشاعة اجواءٍ تربويةٍ في المدرسة.

لقد كنت الاحق في الفترة الاخيرة ما كانت تنشره روز من أشعار في الفايسبوك والصُحف المحليّة. الا أن اهدائي الديوان أعلاه كان مفاجأةً سارةً لي ولقد قرأتُ هذا الديوان مرتيّن الاولى من حيثُ التعرف على القصائد التي وردت في الديوان والثانية من أجل الوقوف عند بعض القصائد التي شدتني بشكل خاص. لقد وجدتُ في الديوان انني أمام شاعرةٍ حساسةٍ لما يدور من حولها من مجتمعها القريب والبعيد حيثُ كانت تصورُ معاناة شعبها هنا وفي الضفة والقطاع والذين يرزحون تحت الاحتلال. لقد وجدتُ فيها شاعرةً ذاتُ مشاعر فياضة وصاحبةُ تعابيرٍ شاعريةِ جميلة. كانت القصائدُ رائعةً تُشنفُ الأذان بموسيقاها ومعانيها. لقد استطبتُ هذه الأشعار بالرغم من موقفي المتحفظ من قصيدة النثر وكوني متحيزًا للشعر العمودي الموزون والمقفّى. لقد وجدتُ ان روز تقول شعرًا حقًا في جِرس كلماتهِ ومعانيهِ وتعابيرهِ بالرغم من كونهِ شعرًا غير عامودي، الا في قصيدتينِ يُمكن احتسابهما من شعر التفعيلة الذي ابتدعته الشاعرة العراقية نازك الملائكة (ص 23) وقصيدة شاعر المرأة نزار قباني (ص 88). وسآتي على ذكرهما لاحقًا.

لقد صدق الدكتور بطرس دله في تقديمه للديوان حين قال في مقدمته للديوان بأن "هذا الكلام الجميل لا يمكنُ أن يصدر الا عن نفسٍ حساسةٍ وضائقةٍ أدبيةٍ تمييز الغثة من السمين والجميل الملفت للنظر من الكلام العادي فأشعارك ان كانت نثرية فهي تحمل في طياتها الكثير من الابداع وجمال الكلمات وانسجامها بحيث يشعر القارئ بانه ازاء كلام في ملامح القصيدة وتحليق الشعراء". لقد وجدت في بعض اشعارك يا روز نسمات نزارية خاصةً عندما غُصتُ في حروف المعاني وأفعال الماضي والمضارع والأمر وفي علامات السؤال التي ظهرت في القصيدة "سيدي الرئيس" (ص73). فهذه القصيدة رائعةٌ ونجحت فيها في توظيف قواعد اللغة بصرفها ونحوها فكانت صرخة احتجاج على ما يجري ويدور، فشفيت غليلي في هذه القصيدة حين قلتي:

سيدي الرئيس لقد حارت أقسام الكلام فيك

الاسم والفعلُ والحرف كلها أعلنت براءتها منك على الملأ

فرفعت عتابها اليكَ ونصبت اعمالكَ في المحاكم

وجزمت كلامك في المحافل

حروف الجرِّ جرت معها بكاء أطفالٍ مشردين ودموع كل البائسين

وأسندتها اليكَ فعليك ومنك واليك كل هذا الاجرام اللعين

قتلٌ وحربٌ للبلاد ولكل مفاهيم الدين

جنودكَ.. سيوفهم.. سلاحكَ.. مدافعهم

كلها قتلت.. هدمت.. حرقت.. أبادت..

ولا من مغيث ولا من معين

اسماء الاستفهام بك محتارة والافعال جميعها منك براء

القصيدة رائعة أنصحُ بقراءتها في الديوان او بالرجوع الى موقع الشاعرة.

هنالك قصائد كثيرة استوقفتني وشدتني مثل "سأرحلُ"، "سألتك الرحيل"، "سكنتني عيناك"، "صمود وحنين"، "انتظار"، "ترنيمة عاشق"، "عقد الياسمين" وقصائد أخرى كثيرة. في قصيدة "سأعود يومًا اليك" ظننتها في البداية غزلٌ في الحب واكتشفتُ في نهايتها ان الغزل لأرض فلسطين. في قصيدة سأرحلُ (ص46) تؤكد البقاء في أرضها وبلدها وأن لا بديل للوطن فتأبى الرحيل فتقول:

لن يبقى لك أرضٌ ولا أوطان

غريبا ستعيش في كل البلدان

فكن سدًا منيعا في وجه الطوفان

لقد استوقفتني قصيدة "انتظار" (ص23) لأني شعرتُ في قراءتها موسيقى شعر التفعيلة وشعرت بنازك ونزار

نطوف البوادي في رحابنا

تتيه في شعابنا القفار

تصفنا الرياح في أهاتنا

تؤوينا في قعرها الابار

لا سعف النخل تسعفنا، ولا الصلوات والافكار

لا ماء يروي تيهنا لا ولا عجائب الاقدار

اما الابيات الاخيرة من القصيدة فتذكرني بقصيدة "الطلاسم" لايليا ابو ماضي حين تتساءل

كيف جئنا؟ كيف تُهنا كلنا؟ كيف جفت في نفوسنا الأنهار؟

واخيرا قصيدة عقد الياسمين (ص88) والتي تذكرني بنزار قباني وقصيدته "طوق الياسمين" وهي تتساءل في هذه القصيدة

 أتحبني؟

أتسألني في غنجٍ وحنين؟

كيف يا حبيبتي تسألين؟

فالشمس غابن اذ رأتكِ

بهذا الضياء تشعّين

وذاك البدر لملم ضياءهُ

اذ بك عند المساء تقبلين

وانزوى الورد خجلا حين تضرج خداك بحمرة الشفق

وحين يفوح في الاجواء عطرك الدفين

أخيرا لك مني تحيةُ معطرةٌ بالإجلال والتقدير وأبارككِ على اصدار هذا الديوان.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
أمير مخولأ
أمير مخول
·2026-01-07 17:59:14

كلمة تقدير أكثر من شكر مستحق

featured
جلبير الأشقرج
جلبير الأشقر
·2026-01-07 16:38:38

لا… لم يتبنّ ترامب سياسة «تغيير النظام»

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-07 10:38:53

تسفي برئيل: المسار من قرية الترابين إلى حرب أهلية يمرّ عبر بن غفير

featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا