لذكرى رحيل المربِّي الفاضل إبراهيم رضا عودة (أبو رضا): فـاض عليه نُـور الحيـاة الأبديَّـة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

أشعَلَت نيران القدر عُمر المربّي الفاضل إبراهيم عودة (أبو رضا)، ارتفعت ألسنة الوداع، متصاعدةً منها دخان الحزن الكثيف، فغطّى كفركنّا حتّى طال المجتمع العربي، وأنا شخصيًّا، وبالأخص أهالي مدينة شفاعمرو، الذين حزنوا لرحيل هذا المربّي، تاركًا جمار الفراق تكوي القُلوب... تاركًا دموع الأسى تنهمر لوعةً على وجنات الذِّكرى.

عندما تعرَّفت إلى الرّاحل كنتُ حينها طالبًا في المدرسة الثانويّة البلديَّة، فلمحتُ في وجهه إمارات الإنسانيّة التي لم أنسها إلى هذا اليوم. نشأت بيني وبينه علاقة ود عميقة، واستمرَّت حتّى ما بعد التَّخَرُّج، بل تعَدَّت حدود الطّالب والمعلِّم، مُتَحوِّلَة إلى صداقة طويلة، عفويَّة جدًّا، بدون تكلُّف، أصيلة بجوهرها. شاركَني وجهه البشوش ببساطته، وحديثه اللطيف، سألني دائمًا عن والدَتي وشقيقتي، فكان يزورهما أحيانًا في المنزل، ترافقه زوجته الفاضلة نبيلة، للاطمئنان عليهما، ممّا عكس شفافيَّة أحاسيسه، التي عتَّقَتها الأيّام في خابية السِّنين المركونة في ركن الماضي، أمَّن عليها بالتزامه الأدَبيّ تجاه الآخرين.

كانت زياراته غاية في اللطف، تعامل معنا بصورة مليئة بألوان الصِّدق، الوفاء والأُلفة، فكوَّنَت خليطًا اجتماعيًّا بسيطًا، فيه نكهة الحنين إلى تلك الفترة المدرسيَّة التي نادتني ذكرياتها لأستذكرها، وإنّني أتذكَّرها بظروفٍ أليمة برحيل أبي رضا المبْكِر، الذي سار على درب المعاناة مع المرض، عشيَّة أسبوع آلام السِّيِّد المسيح. 

لم يكن الراحل مجرَّد مُربٍّ عاديٍّ، بل كان أبًا تربويًّا على مدى عدة أجيال... خلال فترة تعليمه الطويلة في شفاعمرو شكَّل أبو رضا عائلَتَين، الأولى المدرسيَّة، إذ أصبح فردًا محبوبًا بين زملائه المعلِّمين، فنال تقديرهم... نال احترام إدارة المدرسة، وصان هيبتها، تفاعل مع إنجازاتها. عائلته الثّانية، كانت أسرتهُ التي أنشأها على أُسُسٍ صالِحة، أحاط أبناءه بسياج التَّوافُق الأَخَويّ، فرسَموا حوله هالةً تتوهَّج رعايَةً، فحفظوا كرامته وحافظوا على سُمعته الطَّيِّبة بين أهل بلده كفركنّا.

خلال تأديته لواجبه التعليمي في شفاعمرو، لمَس محبَّة السُّكّان له، لامس طيبتهم، بإقامته علاقات متينة مع جميع الأطياف، إلى أن اعتبروه مواطنًا من مواطني هذه المدينة التي أحبَّته... بقي على تواصل دائم مع أصدقائه المعلِّمين، وقد تكرَّرت زياراته للمدينة، لأنه لم يمحُها من لوحة ذاكرته المعلَّقة على جدران تاريخه، لأنّ شفاعمرو رصَّعَت مسيرته بلآلئ الاشتياق.

نال أبو رضا رضى الجميع، اندمج مع مشاعر النّاس بحسٍّ كبير، سواء في السَّرّاء أو الضَّرّاء، لم يخذلهم أبدًا، بل تعاطف معهم بغاية الرُّقيّ، عرفَ أن يُرجِّح كفَّة قراره باتّجاه الحق فقط، ميزان تفكيره كان راجحًا، مُتَّزِنًا، عقلانيًّا بآرائه، لم يَنحَز يومًا ما للآخر، سواء لعِرقِه أو دينه... تركنا أبو رضا بسرعة، لكن نور الحياة الأبديَّة فاض عليه، فقرع له الرَّب أجراس القيامَة، وانتقل من ظُلمة الموت إلى النّور الأزلي السّماويّ، منتصرًا عليه بقوَّة إيمانه، الذي وهبه سرّ الخلود.

قد يهمّكم أيضا..
featured
أمير مخولأ
أمير مخول
·2026-01-07 17:59:14

كلمة تقدير أكثر من شكر مستحق

featured
جلبير الأشقرج
جلبير الأشقر
·2026-01-07 16:38:38

لا… لم يتبنّ ترامب سياسة «تغيير النظام»

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-07 10:38:53

تسفي برئيل: المسار من قرية الترابين إلى حرب أهلية يمرّ عبر بن غفير

featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا