الدكتور حسن حنفي صاحب فكر اليسار الإسلامي، وعلم الاستغراب

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

(23 شباط 1935م – 21 تشرين الأول 2021م).

في سلسلة بحثنا وتعريفنا بالمفكرين العرب اخترنا المفكر العربي المصري د. حسن حنفي المولود في الثالث والعشرين من شباط/فبراير 1935م وتوفي في 21 من تشرين الأول / أكتوبر/ 2021م، وتعود أهمية هذا المفكر بأنه طرح قضايا لم تطرح من قبل كما اجتهد وطرحها وحاول بكل صدق أن يعطيها الاهتمام العلمي والفكري، والدفاع عن مواقفه دفاعا علميا وفكريا، لا من خلال الشعارات فقط بل من خلال البحث العلمي في تاريخ العرب والمسلمين على مدى عصوٍرٍ مختلفةٍ، والخروج من هذه الدراسات ببرنامج عمل واضح المعالم.

كان حنفي أستاذا جامعيّا حاضر في أكثر من جامعة في الشرق والغرب مارس التدريس في عدد من الجامعات العربية وترأَسَ قسم الفلسفة في جامعة القاهرة. له عدد من المؤلفات في فكر الحضارة العربية الإسلامية، حاز على درجة الدكتوراة في الفلسفة من جامعة السوربون وذلك برسالتين للدكتوراة قام بترجمتهما إلى العربية ونشرهما في عام 2006م تحت عنوان " تأويل الظاهريات" والتي أعدها سنة 1966م و"ظاهريات التأويل"، وقضى في إعدادها حوالي عشر سنوات، وقد عمل مستشارا علميا في جامعة الأمم المتحدة في طوكيو في الفترة من (1985- 1987م). وكان نائب رئيس الجمعية الفلسفية العربية، والسكرتير العام للجمعية الفلسفية المصرية. (1)

وكما أسلفنا سابقا فإن من مشاريعه الفكرية المهمة " اليسار الإسلامي" والذي ظهر في كتابه " اليسار الإسلامي والوحدة الوطنية" في سلسلة كتبه الدين والثورة في مصر 1952-1981م الكتاب الثامن (2).

وفي تعريفه بالاسم والشعار "أي اليسار الإسلامي" يقول "كتابات اليسار الإسلامي استمرار لمجلة "العروة الوثقى"(3) ولجريدة "المنار" نظرا لارتباطها بالمشروع الإسلامي كما حدده الأفغاني: مقاومة الاستعمار والتخلف، والدعوة إلى الحريّة والعدالة الاجتماعية، وتوحيد المسلمين في الجامعة الإسلامية أو الجامعة الشرقية. اليسار الإسلامي تكملة إذن لأول مشروع إسلامي في تاريخنا الحديث عبَّر عن واقع المسلمين واحتياجاتهم السياسية والاجتماعية. لم ينشأ في فراغ، وليس بدعة في الحركات الإسلامية ولو أنه يبدو لأول وهلة كذلك بعد أن خبا مشروع الأفغاني وتناقص وتقلص في جريدة المنار، بل تراجع أحيانا بعد ذلك في مجلات الوعظ والإرشاد وجرائد الدعوة على سبيل الرشاد. (4)

     ويتابع قوله: "إلاّ أنَّ اليسار الإسلامي يركز على التمايز في الأمة الإسلامية الواحدة بين الأغنياء والفقراء، بين الأقوياء والضعفاء، بين القاهرين والمقهورين، نين من يملكون كلَّ شيء ومن لا يملكون شيئا، بين من يوجدون وبين من لا وجود لهم، تمايز بنص القرآن وبداهة المشاهدة. فالأمة لدينا وكما هو الحال عند الأفغاني أمَّتانِ حكام ومحكومون، قادة وشعوب علية وسفلة. ولمّا كانت مأساتنا في وجود الطرف الأول وغياب الطرف الثاني وسيطرة الطرف الأول واستغلال الطرف الثاني فإن اليسار الإسلامي يركز على الطرف الثّاني، ويعبر عن الأغلبية الصامتة المقهورة بين جماهير المسلمين، ويدافع عن مصالح النّاس، يأخذ حقوق الفقراء من الأغنياء، وينصر الضعفاء على الأقوياء ويجعل النّاس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على أعجميِّ إلا بالتقوى والعمل الصالح". (5) 

     وخلال حواره مع من قد يناقشون هذا الاسم وفي تفسيره لمشروعية الاسم اليسار الإسلامي يقول: نحن نتحدث عن الواقع… "واقع المسلمين من حيث هم مجتمعات ودول، وطبقات وملاّك. ونحن لا نتحدث عن الإسلام، بل نتحدث عن المسلمين في واقعٍ تاريخيٍّ محدد. وما دمنا في التاريخ والزمان فنحن في ميدان الصراع والحركة وتعارض المصالح وصراع القوى وتفاوت الدخول. وعلى هذا المستوى هناك يسار ويمين. ومع ذلك فالتصورات المختلفة للعقائد كما مثلتها الفرق الاسلاميّة بها يسار ويمين على ما يثبته علم اجتماع المعرفة، فالمعتزلة يسار والأشاعرة يمين. والفلسفة بها يسار ويمين. فالفلسفة العقلانية الطبيعية عند ابن رشد يسار، والفلسفة الاشراقية الفيضية عند الفارابي وابن سينا يمين. والتشريع بهِ يسار ويمين، فالمالكية التي تقوم على المصالح المرسة يسار، والفقه الافتراضي عند الحنفية يمين، وفي التفسير، التفسير بالمعقول يسار والتفسير بالمأثور يمين. وفي التاريخ في الفتنة الكبرى، علي يسارِ ومعاوية يمين، والحسن سيد الشهداء يسار ويزيد والأمويون يمين. ( 6).

 ويتابع دفاعه عن موقفه: "وسيقول دعاة القانون والنظام في كلِّ عصر الذين يرفضون التغيير نحو الأفضل إبقاء على الأوضاع القائمة بما فيها من تسلط سياسي وسيطرة اقتصادية وأوضاع طبقية أنها لعبة اليمين واليسار لتفرقةِ الأمة وبث الفرقة وإضمار الضغائن وإثارة الفتن، فاليسار خائن كافر ملحد عميل، دمويٌّ زنديق، حقود لا يحب الخير للنّاسِ. والحقيقة أنَّ ذلك أثر من آثار الاستعمار الثقافي في بلادِ المسلمين حين أرادَ تشويه الألفاظ والمصطلحات والأفكار عمدا حتى لا يقترب منها مثل الحرية، والديمقراطية، والشعب والصراع... الخ ومنها اليسار حتّى يأمن الاستعمار أي تحركات شعبيّة أو حركات اجتماعيّة تنادي بالتحرر من الاستعمار والقضاء على الاستغلال، وهو ضامن لدخول الحيلة على "الأخوة في الله" نظرا لما يرى فيهم من حمية في الدين (7 ).  بينما اليسار الإسلامي يريد تجاوز الهداية.. إلى تغيير الواقع الفعلي بفعل جماهير المسلمين (8).

ويتابع: "واليسار الإسلامي درع جديد للإسلام والمسلمين وحصن منيع للمسلمين ضد محاولات الاستعمار الأخيرة لاحتواء ثورات المسلمين وجعله الإسلام عقيدته الاستراتيجية يحتويها قبل أن تحتويهِ"(9).

    وأخيرا وليس آخرا هذا نزر يسير من فلسفة وفكر المفكر د. حسن حنفي وهي دعوة لقراءة أفكاره ومناقشتها والاستفادة منها وقد نعود في قادم الأيام لمناقشة وقراءة بقية مؤلفاته خاصة دعوته لعلم الاستغراب، ردا على علم الاستشراق الذي يقوم به الغرب نحونا، وسنحاول في قادم الأيام التطرق لهذا الموضوع ، وغيره من المواضيع لنثبت أن ارض الوطن العربي ليست عاقرا وأن الاجتهادات في تخليص العالم العربي من هذه الكبوة مستمرة ولن تنقطع حتى يعود هذا الشرق قويا منافحا عن الوطن عقلانيا وإنسانيا لأن هذا الأصل في حضارته التي عمت العالم في يومٍ من الأيام.

إشارات:

  1. ويكيبيديا الموسوعة الحرة، تم الولوج في 24-04-2025م.
  2. الكتاب من إصدار مكتبة مدبولي في القاهرة، 1989م.
  3. العروة الوثقى مجلة أصدرها الشيخ محمد عبده ومن خلالها طرح أفكاره التي اعتبرت تقدمية في ذلك الوقت ونافح عن مواقفه بقوة وبقناعات فكرية في ذلك الوقت، وسمينا هذه الزاوية كافتتاحية الأعداد لمجلتكم الإصلاح تيمنا بمجلة الشيخ محمد عبدة المذكورة وقد كتبنا عن الشيخ محمد عبده (1849- 1905م) ومشروعه الديني التربوي المتقدم عن معاصريه في أعداد سابقة من مجلتنا الإصلاح كجزء من التنوير الفكري لأجيالنا.
  4. د. حسن حنفي (1989م)، اليسار الإسلامي والوحدة الوطنية، القاهرة، مطبعة مدبولي ص3.
  5. هناك: ص4.
  6. هناك ص8.
  7. تحت شعار المؤمنون ضد الكفرة والملحدين ألب الاستعمار العديد من الشباب العرب والمسلمين في الدول العربية بموافقة الأنظمة والتغاضي عما يحدث من تجنيد شبابنا الأبرياء ضد الاتحاد السوفيتي وضد النظام التقدمي في أفغانستان مما أدى في النهاية لاحتلال أفغانستان من قبل النظام الرأسمالي الخنازيري الأمريكي، وتأليف المنظمات الإسلامية المتطرفة التي غَذَّتها الامبريالية الأمريكية، ولكنها في نفس الوقت وتحت شعار محاربة الإرهاب ما زالت تحتل أجزاء من سورية ومن مناطق أخرى من الوطن العربي سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.( المحرر.).
  8. نفس المصدر ص10.
  9. نفس المصدر ص13.

 ( عرعرة – المثلث).

قد يهمّكم أيضا..
featured
أمير مخولأ
أمير مخول
·2026-01-07 17:59:14

كلمة تقدير أكثر من شكر مستحق

featured
جلبير الأشقرج
جلبير الأشقر
·2026-01-07 16:38:38

لا… لم يتبنّ ترامب سياسة «تغيير النظام»

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-07 10:38:53

تسفي برئيل: المسار من قرية الترابين إلى حرب أهلية يمرّ عبر بن غفير

featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا