الترجمة بوصفها استعادة وجود: قراءة تأملية في أعمال سوسن كردوش قسيس!

A+
A-
الرواية التاريخية الفريدة "العربية السعيدة" للكاتب الدنماركي ثوركل هانسن

الرواية التاريخية الفريدة "العربية السعيدة" للكاتب الدنماركي ثوركل هانسن

في زمن تهاجم فيه اللغات وتتنازع السرديات، لا تُعد الترجمة مجرد فعل لغوي بارد، بل هي حفر في الطبقات الخفية للوجود، وسرد آخر لما لم يُقل في النصوص الأصلية. من هذا المنظور العميق، تأتي تجربة المترجمة الفلسطينية سوسن كردوش قسيس، التي لا تشتغل على النصوص كقواميس جامدة، بل تتعامل مع الترجمة كطقس داخلي من طقوس الإنصات لما طُمس، ولما تسرب من بين لغتين ومنفى.

/الترجمة كطقس وجودي

سوسن ليست مجرد مترجمة على الضفاف؛ بل هي مقيمة في منطقة الاضطراب اللغوي، حيث اللغة الأم تُستحضر كجُرح، وحيث اللغة المترجم عنها ليست قوة غريبة فحسب، بل مرآة للذات حين تتهجّى العالم في غيابه. تنتمي إلى الجغرافيا الفلسطينية الممحوة والمنفية، والمقيمة في كوبنهاغن، تقف في موقع معقد بين شرق لا يستوعبها وغرب لا يحتضنها. هذا الوعي المضاعف بالاقتلاع والتجاوز يُفجر في ترجماتها أسئلة وجودية لا تُطرح عادة: ما الذي يُفقد حين يُنقل النص؟ وما الذي يُكتسب حين يُعاد ولادته في لغة أخرى؟

/ترجمة "خيرة أولاد الله" منفى جديد داخل النص

في ترجمتها اللافتة لرواية "خيرة أولاد الله" للكاتب الدنماركي مورتن بابي، لا تنقل سوسن مجرد حكاية عن العنف الحضري والتوتر العرقي، بل تدخل النص كأنها تدخل منفى جديداً. الرواية، التي تفتتح بجريمة قتل شاب من أصل تركي على يد دنماركي متطرّف، ليست توثيقاً واقعياً للإسكندناف فحسب، بل بنية استعمارية مضادة تتجلى فيها أوروبا مكاناً للتهميش والطبقية واللاانتماء..

/"العربية السعيدة"، الترجمة كتأريخ للمجهول واستعادة للمضمر

في ذروة منجزها الترجمي، تبرز سوسن كردوش قسيس من خلال ترجمتها للرواية التاريخية الفريدة "العربية السعيدة" للكاتب الدنماركي ثوركل هانسن، التي تستعيد بأسلوب روائي مشوّق وقائع البعثة العلمية الدنماركية إلى الجزيرة العربية بين عامي 1756 و1763. كانت هذه أول بعثة أوروبية كبرى تهدف إلى استكشاف "العالم العربي" علميًا، وقد توجهت إلى اليمن تحديدًا، بما يحمله هذا الاسم – "العربية السعيدة" – من دلالات استشراقية.

لا تكتفي الرواية بتوثيق الحدث، بل تفتح أفقًا أعمق لمساءلة العلاقة بين أوروبا و"الشرق"، بين العلم والمغامرة، بين الاكتشاف والهيمنة. تسرد الرواية المصائر المأساوية لأعضاء البعثة الستة، الذين لم ينجُ منهم سوى واحد، وتُظهر كيف يتحول المشروع العلمي الطموح إلى ملحمة إنسانية من المرض، العزلة، والصراع الثقافي.

تلتقط سوسن كردوش هذا النسيج التاريخي والأنثروبولوجي بحس لغوي مرهف، وتقدّمه بلغة عربية تُوازن بين الأمانة للنص والمساءلة النقدية له. تُحوّل الترجمة إلى فعل مقاومة رمزي، حيث يُعاد التاريخ لا بوصفه سجلًا للأحداث، بل كمرآة للأسئلة المعاصرة حول التمثيل، والاستعمار، والعلم، والانتماء.

/سيرة ميشيل كردوش:  الترجمة كتحرير وجداني

في عملها على سيرة عمها ميشيل كردوش، "من الناصرة بدأت الحكاية"، تنتقل سوسن من الترجمة الأدبية إلى الترجمة الوجدانية. هنا لا تعيد نقل حيوات، بل تُرمم ذاكرة مهددة بالاندثار. ميشيل، اللاجئ الفلسطيني الذي انتهى في أمريكا، يكتب ذاته كمن يكتب ضياعه. وسوسن، المترجمة-الابنة-الراوية، تعيد تحرير هذه الذاكرة بلغة جديدة، ولكنها لا تكتفي بالنقل، بل تمارس نوعًا من "التحرير الوجداني".

/الترجمة الوجودية كمقاومة

لا يمكن قراءة تجربة سوسن كردوش قسيس إلا بوصفها تجسيدًا لمفهوم "الترجمة الوجودية"، أي الترجمة التي تُمارس بوصفها مقاومة للعدم، وإصرارًا على جعل الصوت الآخر مفهومًا، لا غريبًا، بل مرآة محتملة للذات.

سوسن تكتب الترجمات كما يُكتب الشعر العظيم: ليس لتجميل العالم، بل لفضحه، وليس لتقريبه، بل لجعله أكثر وعياً بذاته. إنها لا تخاف من اللغة، بل تواجهها بوصفها قوة رمزية يمكن إعادة تشكيلها. ومن هنا، فإن مساهمتها لا تكمن فقط في النصوص التي نقلتها، بل في الطريقة التي جعلت فيها الترجمة فعلًا فلسفيًا وثقافيًا بامتياز.

/خاتمة

في زمن تتزايد فيه الرداءة والانزلاقات السطحية في الترجمة العربية، تأتي تجربة سوسن كردوش قسيس اقتراحًا عميقًا: أن الترجمة ليست "مهنة" فحسب، بل هوية بديلة؛ وأن كل لغة تُنقل لا تُنقذ فقط، بل تُبعث من جديد على لسان مترجمة اختارت أن تسكن الهوامش كي تعيد بناء المتن.

قد يهمّكم أيضا..
featured
أمير مخولأ
أمير مخول
·2026-01-07 17:59:14

كلمة تقدير أكثر من شكر مستحق

featured
جلبير الأشقرج
جلبير الأشقر
·2026-01-07 16:38:38

لا… لم يتبنّ ترامب سياسة «تغيير النظام»

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-07 10:38:53

تسفي برئيل: المسار من قرية الترابين إلى حرب أهلية يمرّ عبر بن غفير

featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا