الشاعر الفلسطينيّ الدنماركيّ، يحيى حسن، سيرة عاصفة وتراجيديّة!

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

أسعد الله مساءكم بباقات آذاريّة عبقة من الشعر، في مهرجان آذار الثامن للشعر الفلسطينيّ.

من منطلق اهتمام الاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين، بالأدب الفلسطينيّ في كلّ مكان، وبالمبدعين الفلسطينيّين أينما حلّوا، سأحدّثكم هذا المساء، عن يحيى حسن (Yahya Hassan)، شاعر دنماركيّ فلسطينيّ عرفته واطّلعت على بعض أشعاره المترجمة قبل شهر تقريبا.

لماذا اخترت في هذا المهرجان، أن أحدّثكم عن يحيى حسن رغم أنّه يكتب الشعر باللغة الدنماركيّة؟

السبب هو أنّ صديقتي، المترجمة سوسن كردوش قسيس، ابنة الناصرة التي تعيش في العاصمة الدنماركيّة، قد فاجأتني قبل شهر بالسؤال: هل سمعت بيحيى حسن؟ ولم أكن قد سمعت به، فأخبرتني أنّه شاعر دنماركيّ من أصل فلسطينيّ، يكتب الشعر باللغة الدنماركيّة، وأنّها تقوم الآن بترجمة أعماله، من الدنماركيّة إلى العربيّة.

بحثت عن يحيى حسن، ووجدت سيرة عاصفة وتراجيديّة لشاعر لامع بلغ مجده الأدبيّ الرفيع في جيل مبكّر، وقد كان رحيله مفجعا ومبكّرا أيضا، في الرابعة والعشرين من عمره.

ولد يحيى حسن في 19 أيّار عام 1995، وترعرع في حيّ معظم سكّانه من المهاجرين، هو حيّ آرهوس في جوتلاند، ثاني مُدُن الدانمرك، في بيئة مضطربة حيث سيطر الفقر والعنف الأسريّ والاجتماعيّ عليها. وقد واجه مشاكل مع القانون منذ صغره.

في 29 نيسان عام 2020، عُثر على يحيى حسن ميّتا في شقّته في الحيّ نفسه، وبعد التحقيق، صرّح الناطق باسم الشرطة إنّه "لا يوجد ما يُشير إلى وقوع عمل إجراميّ"، دون أن تُنشر نتائج التحقيق.

وُلد يحيى حسن لعائلة تعود بأصلها إلى قرية لوبية الفلسطينيّة في قضاء طبريّا، والتي هُجِّر أهلها في النكبة عام 1948. لجأت العائلة إلى لبنان، ومن هناك إلى النرويج والدنمارك.

ورد في أحد المواقع: "مثلُ شهاب لمعَ سريعاً اسم الشاعر الفلسطينيّ الدنماركيّ، يحيى حسن، وتحوّل إلى ظاهرة تُثيرُ جدلا تجاوز الأدبيّ إلى السياسيّ، وتخطّى حدود الدنمارك".

وذكرتْ إحدى الصحف: اعتُبر يحيى حسن "الابن الرهيب" للأدب الدنماركيّ، ونجماً بكلّ معنى الكلمة، فقد اقتحم الوسط الثقافيّ والإعلام الدنماركيّ عام 2013، عندما أصدر مجموعته الشعريّة الأولى، وعنوانها "يحيى حسن"، اسمه. وقد بيع منها ما يزيد عن 122 ألف نسخة، وهي سابقةٌ تُعدّ الأولى من نوعها في الدول الاسكندنافيّة مجتمعة.

قد يكون سبب نجاح تلك المجموعة، لدى القرّاء والنقّاد، ما تضمّنته من قصائد عنيفة وغاضبة أثارت جدلا واسعا في الدنمارك وخارجها، لأنّها تتحدّث بجرأة متناهية عن نشأته في أحياء المهاجرين حيث الجريمة وتجارة المخدّرات، وعن مواضيع إشكاليّة أخرى مثل الهويّة والدين والهجرة والنفاق الاجتماعيّ، خصوصاً في أوساط المهاجرين. وقد وجّه انتقاداته الحادّة للجاليات المهاجرة، وخاصّة الجاليات المسلمة والعربيّة؟

في الدنمارك، حيث تنشط الأحزاب اليمينيّة المتطرّفة، استغلّت تلك الأحزاب يحيى حسن إعلاميّاً، فأصبح وجهاً إعلاميّا دائم الظهور.

عام 2019، أي بعد مرور ستّ سنوات على إصداره الأوّل، أصدر مجموعته الشعريّة الثانية بالعنوان نفسه، "يحيى حسن 2''، وتحتوي على تسع وخمسين قصيدة جديدة، وقد رُشّحت فور صدورها، لجائزة "مجلس الشمال للآداب". وهي جائزة تأسّست عام 1962، وتُمنح كلّ عام لعمل أدبيّ كُتب بإحدى لغات بلدان الشمال الأوروبيّ (الدول الاسكندنافيّة)، ويُلبّي "المعايير الأدبيّة والفنيّة العالية".

في المجموعة الثانية، لم يغيّر يحيى حسن نهجه، كتب من جديد عن الجريمة والعصابات المسلّحة وحوادث السرقة والسجن والمخدّرات والأمراض العقليّة. وقد صرّح للإعلام الدنماركيّ بعد صدورها: "أكتبُ عن حياتي وعن نفسي، والبؤس هو المحفّز الأساسيّ لديّ، معظم حوافز قصائدي ناتجة عن الهراء الذي نعيشه".

لا شكّ أنّ هذا الكلام، يُذكّرنا بكلّ تأكيد، بحالنا هنا، بالجريمة وآفة العنف التي تنحرنا يوميّا، والهراء الكثير الذي نعيشه؟

كان يحيى حسن ذا شخصيّة متمرّدة، وله طريقة مميّزة بقراءة قصائده. كان يقرأها بنغمةٍ واحدة كأنّه يقرأ نصّاً دينيّا. وقصائده كانت بمثابة سيرة ذاتيّة له، لشابّ نشأ في حيّ للمهاجرين، وتعرّض فيه مع إخوته إلى الكثير من العنف الأسريّ، وقضى جزءاً من طفولته في إصلاحيّاتٍ لتقويم الأحداث.

استغلّت وسائل الإعلام الغربيّة شخصيّة يحيى حسن المتمرّدة، وأفكاره المتطرّفة، وذلك للإساءة له شخصيّا، وللعرب والمسلمين في الغرب وعامّة. في حياته، وبعد موته أيضا، حاول الإعلام الغربيّ تصويره على أنّه كان معادياً للإسلام. فبعد موته مثلا، نشرت وكالة "الأسوشيتد بريس" خبراً عنوانه: "مات الشاعر الفلسطينيّ الدنماركيّ الذي انتقد المسلمين". ولكن، ردّا على تلك الاتّهامات أكّد من عرفوه أنّ سيرته لا يمكن أن تُختزل بهذه الطريقة المسيئة، وأنّه كان معتزّاً بهويّته العربيّة والإسلاميّة، وبشكل خاصّ بفلسطينيّته، وأنّ الإعلام الغربيّ لعب دوراً مسيئاً في حياته وفي رحيله المأساوي. هذا ما أكّده على الأقلّ، أحد أصدقائه المقرّبين، الشاعر الفلسطينيّ نجوان درويش، وهو شاعر وناقد وصحافي فلسطينيّ من القدس.

وقبل موته، ردّ يحيى حسن نفسه على تلك الاتّهامات، وأكّد أنّه لم يتخلّ يوما عن الإسلام، رغم تفكيره بطريقة مختلفة. قال: "ولدت مسلماً وأريد أن أموت مسلماً، لكن الإنسان يمكن ألّا يفكّر مثل معظم الناس".

يحيى حسن حقّق شهرة واسعة في مجاليّ الأدب والسياسة. فقد أقبل الجمهور الدنماركيّ بشغف على لقاءاته الكثيرة مع الإعلامي الدنماركيّ، والتي كانت تُثير الكثير من الجدل، بسبب حياته المثيرة، وآرائه النقديّة حول المهاجرين والثقافة الإسلاميّة، والتي دفعت البعض لاتّهامه بـ "الردّة"، وتشويه صورة المهاجرين في الغرب. كما أنّه تلقّى العديد من التهديداتٍ بالقتل، لذلك كانت أمسياته تُقام تحت حماية أمنيّة.

عند قراءتنا لقصائد يحيى حسن، نجد أنّه كتب معاناته الشخصيّة. حكى مثلا عن قسوة أبيه في معاملته وإخوته، وتعنيفهم الدائم، والضرب المبرح، وعن الإصلاحيات ومراكز التأهيل النفسيّ التي أُجبر على العيش فيها هرباً من عتمة الشوارع التي ألقي فيها منذ صغره، وعن العالم السفليّ والتفكّك الأسريّ، عن فلسطين واحتلالها، وعن الإسلام، وعن صوت فيروز، وعن جيل والديه من اللاجئين إلى الغرب، ذلك الجيل الذي عاش على المنح الماليّة المخصّصة للعاطلين عن العمل.

اختلفت الآراء النقديّة حول قيمة شعر يحيى حسن، فبينما رأى البعض فيه موهبة شعريّة شابّة، شُجاعة ومتمرّدة، رأى البعضُ الآخر أنّ تربيته المشوّهة كانت سببا في نهايته المفجعة. كما انّ أسلوبه الشعريّ يتميّز بكونه نثريّا مباشرا وصادما، يستخدم فيه لغة قويّة وحادّة. ستلحظون ذلك في القصيدة المرفقة التي أختتم بها هذه المداخلة، وهي بعنوان "طفولة"، ومأخوذة من مجموعته الأولى. وأثناء قراءتها ستلحظون أيضا، كيف ينتقل من الهمّ الشخصيّ إلى الهمّ الفلسطينيّ العامّ، ليُؤكّد لنا أنّهما همّان متّصلان لا ينفصلان، وستلحظون كذلك كيف يُضمّن قصيدته ويُنهيها أيضا، بعبارات موجزة تُحيل إلى معاناته الشخصيّة، ومعاناة المهاجرين في الغرب، وكذلك إلى معاناة غزّة التي تُحيل هي بدورها إلى معاناة شعبه الفلسطينيّ.

وإليكم القصيدة:

طفولة

خمسةُ أبناء يَصْطَفّون وأبٌ يَحْمِل عصاً
بكاءٌ لا يوصف وبِرْكة بَول
نمدُّ أيدينا بالتناوب
مِنْ أجلِ أن نُخفِّف عن بعضنا
أصواتُ الضربات مثلُ المطر
وأُختي تقفز بسرعةٍ شديدة
مِنْ قَدَمٍ إلى أُخرى
وشلّالٌ من البول يَنْدَفِع أسفَل ساقيها
تُقدِّم يداً
تَسْحَبها وتُقدّم يدها الأُخرى
إن لم تكن سريعة بما يكفي ستنزل الضربات كيفما اتفق
ضرباتٌ
صراخٌ
وأرقام
أحياناً 30 (ثلاثون)، أحياناً 40 (أربعون)، وأحياناً 50 (خمسون).
ركلة في المؤخَّرة توصلها إلى الباب الآخر
الآن يُمسِك أخي من كتفيه ويُثبّته
ويبدأ بالضرب والعدّ.
رأسي محنيٌّ بانتظار دوري.
أُمّي تهشّم الصحون على الدرج  

"الجزيرة" تواصل نقلها المباشر
الأعلام تحترق
جرافاتٌ تعمل بهمّةٍ مسعورة

وأعضاء بشريّة ناقمة
غزّةُ في الشمس
إذا لم يعترف بوجودنا صهيونيّ
إذا كنّا موجودين أصلاً
عندما نُزَوبِعُ الخوف والألم
عندما نتشبّث من أجل نَفَس ومعنى
في المدرسة ممنوعٌ الكلامُ بالعربيّة
وفي البيت اللغة الدنماركيّة ممنوعة

... ...

ضرباتٌ
صراخٌ
أرقام …

(مداخلة الكاتب في مهرجان آذار الثامن للشعر الفلسطينيّ، الطيّبة: 26/4/2025)

قد يهمّكم أيضا..
featured
أمير مخولأ
أمير مخول
·2026-01-07 17:59:14

كلمة تقدير أكثر من شكر مستحق

featured
جلبير الأشقرج
جلبير الأشقر
·2026-01-07 16:38:38

لا… لم يتبنّ ترامب سياسة «تغيير النظام»

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-07 10:38:53

تسفي برئيل: المسار من قرية الترابين إلى حرب أهلية يمرّ عبر بن غفير

featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا