*نجاح سياسة نتنياهو سيزيد احتمالات أن تسير إسرائيل نحو دولة واحدة مع توقف طويل في نظام الأبرتهايد. وثمار التطبيع على المدى القصير، بدء من التعاون العسكري وحتى عرض لعومر آدم، سيحل محلها على المدى البعيد نهاية حلم الصهيونية واقامة دولة عربية على انقاضها*
اتفاق التطبيع بين إسرائيل والإمارات، شبيها بخطاب بنيامين نتنياهو في بار ايلان في 2009 وحلم السلام لترامب في 2020، ليس سوى نفس زيادة تغيير العباءة من ناحية السياسة وطرق العمل لرئيس الحكومة. استخدام نظام المفاهيم هذا، المقبول والمعروف في العمليات السياسية، التي استخدمت مع الفلسطينيين والدول العربية بنية تطبيقها من خلال تفسيرات معاكسة للتفسيرات المقبولة على القيادة في إسرائيل قبله وعلى المجتمع الدولي.
هدف نتنياهو ليس حل النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين بمساعدة الدول العربية، بل حسمه بمساعدة دعمها لإملاء شروط غير ممكنة على الفلسطينيين أو بمساعدة لامبالاتها ازاء الوضع القائم. ونجاح سياسة نتنياهو على المدى القصير سيكون خسارة للصهيونية على المدى البعيد.
امام كل دولة توجد في مواجهة مع دولة اخرى غير قادرة على هزيمتها أو التوصل إلى تسوية معها، فإن الاحتمالات مفتوحة لتبني استراتيجية توسيع نظام التدخل عن طريق تضمين طرف ثالث – عامل آخر مهم ولديه موارد – يستطيع تغيير وضع "التعادل".
هذه الاستراتيجية يمكن تطبيقها من خلال السعي نحو تحقيق هدفين متعاكسين: تجنيد موارد الطرف الثالث لصالح أحد الطرفين من اجل هزيمة الطرف الآخر، أو تجنيد الطرف الثالث لصالح توسيع سلة الفوائد وتوزيعها على جميع الاطراف المشاركة عند تحقيق تسوية.
التاريخ مليء بالأمثلة على الاحتمالية الاولى، وأنا سأكتفي بذكر ثلاثة احتمالات منها في منطقتنا. الاحتمالية الاولى هو تجند الدول العربية لحسم الصراع بين اليهود والعرب لصالح عرب فلسطين في حرب الاستقلال وبعدها. الاحتمالية الثانية هي الرؤية الاستراتيجية التي بلورها دافيد بن غوريون في الخمسينيات والتي أساسها بلورة علاقات خاصة وتحالفات على كل المستويات – استراتيجية واستخبارية واقتصادية – مع دول ومجموعات عارضت السياسات العربية التي قادها الرئيس المصري جمال عبد الناصر.
هذه الرؤية نتج عنها تحالف "الضواحي" والتي شملت تركيا وايران واثيوبيا والاكراد والمسيحيين في لبنان. والاحتمالية الثالثة: أحد العوامل التي اثرت على يتسحاق رابين في اختيار العملية السلمية مع الفلسطينيين في العام 1993 هو الادراك بأن هذه العملية هي الثمن المطلوب من إسرائيل دفعه للدول العربية السنية من اجل أن يحظى على تحالف معها لصالح وقف تعزز ايران ومبعوثيها الشيعة.
هناك ايضا امثلة تاريخية كثيرة على الاحتمالية الثانية. لكني اريد التركيز على النزاع الإسرائيلي – العربي – الفلسطيني منذ بداية العملية السياسية مع العالم العربي في العام 1974. اتفاقيات السلام بين إسرائيل ومصر والاردن كانت ثنائية في أساسها، لكن الامر احتاج إلى تدخل الولايات المتحدة من اجل التوصل اليها. بالنسبة للمصريين فإن المساعدات العسكرية الأميركية، اضافة إلى اعادة كل سيناء، كانت مقابل سخي مكنهم من الاكتفاء باتفاق حكم ذاتي لصالح الفلسطينيين والموافقة على تجريد شبه جزيرة سيناء من السلاح.
هذا صحيح ايضا بالنسبة لإسرائيل. فالمساعدة المدنية والعسكرية التي حصلت عليها من الأميركيين (التي تبلغ حتى الآن نحو 200 مليار دولار) ونشر قوات المراقبين الدولينن (ام.اف.أو) كانت بالنسبة لها – إلى جانب خروج مصر من دائرة الحرب – مقابل مناسب لانسحاب كامل من سيناء. الامور كانت مشابهة ايضا مع الاردن: مساعدة مدنية أميركية ومظلة من الجيش الإسرائيلي ازاء تهديدات خارجية على الاردن وتوفير مياه من إسرائيل واعطاء مكانة خاصة في الحرم ووعود اقتصادية مستقبلية، فعلت فعلها وجعلت الاردنيين يوقعون على اتفاق السلام.
بين إسرائيل والفلسطينيين الصورة معقدة أكثر. فقد احتاج الطرفين والولايات المتحدة إلى عقد تقريبا، من العام 1993 وحتى 2007، من اجل الفهم بأنه يجب عليهم توسيع حدود النظام. وتباهي اهود باراك بـ "انهاء الامور خلال ساعتين مع عرفات في نفس الغرفة" في كامب ديفيد 2000، حل محله تعاون متزايد لجهات اخرى: اولا، الدول العربية التي ارادت إسرائيل منها مبادرات حسن نية لا تحتاج إلى الاستثمارات، بالاساس اعطاء تصريح للفلسطينيين بالموافقة على تنازلات طلبتها إسرائيل في مسائل مختلفة (الامن، الحدود، اللاجئين والقدس) مقابل المساعدة الأميركية.
ثانيا، دول اوروبا وغيرها، التي ارادت إسرائيل منها المشاركة في تمويل الاتفاق، بالاساس في مواضيع التعويضات للفلسطينيين وبناء الاقتصاد الفلسطيني. هكذا ولدت في 2004 "الرباعية" (الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة وروسيا). وفي مؤتمر انابوليس في العام 2007 شاركت اضافة إلى الطرفين الولايات المتحدة ودول الرباعية وكذلك ممثلين عن معظم جامعة الدول العربية، منها مصر والاردن ودول ليس لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل مثل السعودية وماليزيا والسودان ولبنان وحتى سوريا.
رئيس الحكومة نتنياهو اتبع مقاربة مختلفة. فقد اعلن أنه اختار وأنه سيطبق الخيار الثاني، وهو توسيع حدود النظام لصالح الطرفين وتسوية النزاع، لكن عمليا هو يعمل حسب الخيار الاول وهو تجنيد جهات لإخضاع الفلسطينيين عن طريق املاء شروطه.
نتنياهو أوقف طوال سنين أي محاولة لتسوية النزاع حسب الخيار الثاني: لقد رفض مبادرة السلام للجامعة العربية من العام 2002 وأعلن في حزيران 2016: "اذا فهمت الدول العربية أنه يجب عليها تحديث مبادرة السلام العربية حسب التعديلات التي ستطلبها إسرائيل، عندها سيكون ما يمكن التحدث عنه".
لقد عارض نتنياهو اربع مبادرات فرنسية، منها مبادرة لتشكيل مجموعة دعم دولية ترافق المفاوضات مع الفلسطينيين، وعقد مؤتمر دولي حتى نهاية 2016، وعارض التعاون مع الرباعية في اعداد التقرير حول الجمود السياسي وعارض اقتراح الاتحاد الاوروبي في كانون الاول 2013 لتطوير العلاقات مع إسرائيل وفلسطين إذا وقعتا على اتفاق سلام، وطلب من ادارة اوباما الحفاظ على الوضع القائم.
مثلا، عارض خطة الامن للجنرال جون الين الذي عمل كمبعوث لوزير الخارجية الأميركية، جون كيري، في 2014، وعبر علنا عن مخاوفه من طرح خطة سلام من قبل اوباما قبيل انتهاء ولايته.
بسبب هذه السياسة قال كيري عن نتنياهو في تشرين الثاني 2017 في دبي: "لا يوجد لإسرائيل زعماء يريدون صنع سلام... معظم اعضاء الكابينيت في حكومة إسرائيل الحالية اعلنوا بشكل علني بأنهم لن يؤيدوا في أي يوم اقامة دولة فلسطينية".
نتنياهو انتظر الفرصة التي جاءت في العام 2016 على شكل الرئيس ترامب. عندها اصبح بإمكانه تطبيق خطته القديمة بمنح حكم ذاتي ثقافي محدود للفلسطينيين في الضفة، التي أسماها "دولة"، وجعل الرئيس الأميركي يقترحها في الخطة، التي هي فعليا املاء استسلام بدون شروط، على الفلسطينيين. حلم السلام لترامب انضم إلى خطاب بار ايلان الذي قال عنه والد نتنياهو، بن تسيون نتنياهو، في مقابلة مع القناة الثانية: "بنيامين لا يؤيد اقامة دولة فلسطينية، سوى فقط ضمن شروط لن يوافق عليها العرب في أي يوم، لقد سمعت هذا منه".
حلم السلام، مثل خطاب بار ايلان، مليء إلى درجة الاكتظاظ بمفاهيم ميزت المفاوضات قبل عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة في 2009، بدء من "دولة فلسطينية" ومرورا "بتواصل فلسطيني" وانتهاء "بعاصمة فلسطينية في القدس". ولكن فعليا لا يوجد في هذه الاقتراحات تطبيق لأي من هذه الوعود.
نتنياهو يضع امام الدول العربية، بمساعدة الأميركيين وتحت تهديد ايران المشترك، الحاجة إلى الحسم من جديد: هل يجب التمسك بمبادرة السلام العربية من العام 2002 والتي تستند على الشرعية والقرارات الدولية والمعايير التي وجهت المفاوضات في انابوليس أم الفصل بين عملية التطبيع وبين الخلافات السياسية في الرأي مع إسرائيل، طبقا لطموح نتنياهو.
أي أن تحظى باستثمارات أميركية ومساعدة عسكرية مقابل استخدام الضغط على الفلسطينيين من اجل الموافقة على مواقف إسرائيل، أو على الاقل عدم معارضتها. بكلمات اخرى، نتنياهو معني بأن تتبنى الدول العربية عن وعي سياسة دول اوروبا ودول اخرى – الاعتراف بإسرائيل وتطبيع كامل معها مقابل رفض الاحتلال وتأييد حل الدولتين، لكن دون الدفع قدما بخطط لتحقيقها وبدون فرض عقوبات بسبب عدم تطبيقها.
هؤلاء المتحمسون من سياسة نتنياهو يجدر بهم أن يقرأوا مقال جابوتنسكي عن "الجدار الحديدي" من العام 1923: "في نظر الكثيرين تبدو الخطة التالية جذابة جدا: يجب الحصول على موافقة على الصهيونية، ليس من عرب ارض إسرائيل، لأن هذا الامر غير ممكن، بل من باقي اجزاء العالم العربي، بما في ذلك سوريا وبلاد ما بين النهرين والحجاز وربما حتى مصر".
واضاف "لو أن هذا الامر كان ممكنا، فانه عندها لم يكن في هذا ما من شأنه أن يغير الوضع من اساسه: في ارض إسرائيل ذاتها كانت نظرة العرب بالنسبة لنا ستبقى على حالها". عودة إلى الواقع الحالي – الفلسطينيون سبق واعترفوا بإسرائيل في حدود 1967 في اتفاق اوسلو. اعتراف عربي بالسيادة الإسرائيلية ما بعد خطوط 1967 لن يغير موقفهم في هذا الشأن.
تصعب معرفة هل ستسير الدول العربية في طريق اتحاد الإمارات، رغم أن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وملك الاردن، عبد الله، لدغا في 2016 عندما حاولا مساعدة نتنياهو على تشكيل حكومة تؤيد العملية السياسية. واذا فعلوا ذلك فإن "نجاح سياسة نتنياهو ستزيد جدا احتمالات أن تسير إسرائيل نحو حل دولة واحدة، مع توقف مؤقت طويل في مرحلة نظام الابرتهايد.
الفلسطينيون سبق وأعلنوا ردا على مبادرة ترامب بأنهم لا ينوون رفع الراية البيضاء وتبني هذه المبادرة. وفقدان الامل بحل الدولتين سيقود إلى تحويل النضال الوطني الفلسطيني إلى نضال من اجل المساواة في الحقوق المدنية، الذي ربما سيرافقه في مراحل مختلفة عنف وارهاب. "ثمار التطبيع" على المدى القصير، من تعاون عسكري وحتى عرض لعومر آدم، سيحل محلها على المدى البعيد نهاية حلم الصهيونية واقامة دولة عربية على
هآرتس- 21/8/2020


.jpg)




.png)

.jpg)


.png)

