هآرتس- 1/9/2020
نتنياهو وترامب مختلفان في الشخصية والاسلوب والتكتيك. ولكن ليس في الدوافع والاستراتيجية. كلاهما نرجسيان ومصابان بالرهاب وتسيطر عليهما مشاعر الاضطهاد
الاستقالة الجريئة لرئيس قسم الميزانيات، شاؤول مريدور، يمكن أن تتسبب بهزة عميقة، لكنها استقبلت بعدم اكتراث. رسالة استقالته تضمنت امور تقشعر لها الابدان بشأن أداء وزير المالية يسرائيل كاتس بشكل خاص، وحول ادارة الاقتصاد الاسرائيلي بشكل عام. الهزة الارضية التي كانت تحدث في السابق هي الآن ضربة خفيفة على الجناح، وحتى هي تحدث بصعوبة.
يوجد لذلك عدة اسباب. اولا، كل شيء يتقزم امام الازمات الاكثر وجودية، كما يبدو، التي تتمثل بوباء متفشي وانهيار اقتصادي وعدم استقرار سياسي تحول الى مزمن. ثانيا، سيل الاخبار الذي لا يتوقف والذي تخلقه هذه الازمات، حتى في يوم رحلة الطيران الاستعراضية الى مدينة الملاهي للسلام بدون الفلسطينيين في أبو ظبي، دفع استقالة مريدور الى الزاوية وهناك سرعان ما ستنسى.
ثالثا، بنيامين نتنياهو يعرف كيف يستغل الشلل الذي فرضه على النظام السياسي من اجل ازالة التوازنات والكوابح التي تحجب عنه ثغرات التهرب من المحاكمة، والمس بأسس الديمقراطية الليبرالية التي في وقت محنته كانت بالنسبة له شيء غريب.
مريدور هو ضحية اخرى للصراع ضد استقلالية الوظيفة العامة، وهي حجر اساس في كل ديمقراطية حديثة، التي يسميها نتنياهو واصدقاؤه باستهزاء تحريضي "سلطة الموظفين". وحتى هذه فقط ساحة حرب واحدة من ساحات كثيرة في الحرب المدمرة التي يديرها نتنياهو ضد الأسس المتهالكة للنظام الديمقراطي، الذي رغم ذلك اوصلنا الى هذا الوضع.
بعد أن قام بخصي الكنيست وشل مراقب الدولة والانقضاض على الجهاز القضائي وادخاله الى وضع الدفاع، احتل نتنياهو جزء من وسائل الاعلام وفرض ذعره على الاخرى، كل ذلك بينما كان ينشر بشكل متعمد الخلافات والفتن ويحرض اسرائيل الواحدة على الاخرى – يصعب الامتناع عن التوصل الى استنتاج بأنه في طريقه الى انقاذ نفسه من الضائقة، فان نتنياهو يقوم بثورة. هو يطبق الوصية التي تقول "العالم القديم سنصادره من الاساس"، لكن بطريقة منضبطة وتدريجية وغير مرئية للعين تقريبا.
ثورة نتنياهو هي صيغة نقية وأكثر ذكاء. وبسبب ذلك ربما هي ايضا أكثر خطرا من الحرب الدموية التي يديرها صديقه التوأم دونالد ترامب ضد الديمقراطية في امريكا. ترامب هو شخص متهور وفظ أكثر من نتنياهو. وازاء الاستطلاعات كما يبدو ايضا هو أكثر يأسا ويتجاهل القانون ويتنكر للدستور ويدوس على كل تقليد ويطلق النار في كل الاتجاهات.
وهو يحرض متطرفي اليمين على استخدام العنف ويثير الشكوك حول نزاهة الانتخابات ويمهد الارض لمواجهة قانونية ويثير المخاوف من اندلاع حرب اهلية ويعرض سلوكيات استبدادية وينشر بالجملة اكاذيب كبيرة، التي في ظل وباء الكورونا تحولت الى امور وحشية. افعاله وتصريحاته أدت الى تزايد المقارنات التاريخية بألمانيا في الثلاثينيات التي يمنع استخدامها عندنا.
نتنياهو وترامب يختلفان في الاسلوب وفي التكتيك، وليس في الدوافع والاستراتيجية. كلاهما نرجسيان ومصابان بالرهاب (البارانويا) ويشعران بمشاعر الاضطهاد، رغم أنهما ولدا مع ملعقة من الذهب في الفم وقفزا مثل النيزك الى القمة. كلاهما يردان على معارضة المؤسسة وعلى جهودها اليائسة للحفاظ على القانون والدستور في ظل انفجار قوي لجنون العظمة والتوق للانتقام.
كلاهما يقومان بانقلاب يمكن أن يتسبب بأضرار لا يمكن اصلاحها للديمقراطية ولثقة الجمهور بحصانتها، وبهذا يسحبا البساط من تحت اقدام الحياة المشتركة للمواطنين في دولتيهما. ولكن إذا استيقظا مع ممثليهم الذين اقسموا على الدفاع عن الديمقراطية فسيشخصون الاخطار ويجدون ما سماه يتسحاق بن اهارون قبل نصف قرن "شجاعة التحول قبل الكارثة".

.jpg)




.png)

.jpg)


.png)

