ألسَّبَت الكبير (2) | محمد نفاع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

فتحت الجارور الأول في السَّبت، أطلق صوتًا خشنًا، لسنوات لم يفتح، والفصل شتاء، غلظ خشبه، معلوم، من الشباك بزجاجه المكسور، تدخل الرطوبة ونتف الغيم، وحتّى نقاط من الشتاء، حِزّ من الغبار على قطع الملابس العتيقة، حِزّ رفيع، أغبر على القماش الأسود، فالجارور لا يلضم تمامًا عند إغلاقه، من هذا الفُسخ، يتسرّب غبار الأيام والأعوام، قطع قماش، للرّقاقيع، مقصّ خياطة، أزرار، قبل أن يُرمى الثوب العتيق بعد الخدمة الطويلة، تقطع أزراره لوقت الحاجة، أزرار ضيّقة وواسعة، سوداء وبيضاء، ونُتف خيطان، وقمع خياطة، تضعه الواحدة في الاصبع النّصّاني وهي ترقّع الملابس العتيقة خوفًا من نغز الإبرة، وفي القمع حبيبات نافرة مرشومة رشمًا. وتقول الحُزّيرة: قدُّه قدّ البُندقة وإله مية عين مبرِزْقَه، والجواب القمع، البعض يسمونه الكَشكَبان. وترقيع الملابس منه ما هو متقن، ومنه التّشبيط بحسب الحاجة، لباسات وثياب وشراويل وقنابيز، كلها فيها رُقع، ملابس خام وشيت وزُفير ومارونِس وفُسْترَه، يجلس عدد من النساء في الشمس، ومع كل واحدة مقصْ وإبرة وقمع وخيطان وكومة من الملابس، وكنت أنا أعبي الإبر ذات الخرم الضيّق، فالواحدة خفّ نظرها في هذا الجيل، وإذا ضاع المقصّ أو القمع والإبرة من الفشكلة والعفاشة، يُتّهم ابليس اللعين بأنه أخذ هذه الحاجيات لمَرَتُه قبل أن يعيدها، الله يخزيه ويلعنه، يخزي طَرايقُه.

كل ذلك وهن يتحدثنَ، ولا واحدة تصبر على الثانية، ولا تعرف راس الكلام من أساسه، قرقرة نِسوان، وإذا نغزت الإبرة إصبع واحدة، تشهق ليس من جوزتها، بل من جنب فمها فيخرج الصوت كالصفير الحادّ الرّفيع وكأنها شربت شايًا ساخنًا جدًا.

في الجارور مَشايات للهَرْي، للشُغل بعد أن عتقت، وراح عزّها، إذا اهترأت المشاية من كعبها يركب الصَّنايعي، وهي الكلمة المؤدبة المخفّفة للسكافي من غير مْعيرِه، مع أن الجَبَرْتي كما قرأت بعد ذلك وفي كتابه: عجائب الآثار في التراجم والأخبار، يستعمل كلمة صرماية وصُرماتي، وأكثر ما يستعمل عندنا المشاية والصرماية، وكم واحدة هدّدت قليل أدب: إسّه في الصرماية على راسَك، بَقَطِّع المشاية على راسك، وهو سلاح النساء، لا يقل خطورة عن سلاح الدّمار العام الشامل، وبسببه تمّ غزو العراق، أما اذا كانت قدَم الوحدة فَكْحة، وتميل المشاية إلى بَرَّه أو جُوّه، فتوضع لها مَيّالة، وإذا انمزع سختيانها فهناك التِّشْريبِه أي رقعة السختيان.

ويسرح فكري إلى اليونان، هناك رأيت تمثالًا من حَجَر لإلهةٍ تهاوِل على إله أراد أن يتحركش بها، تهاول عليه بالحذاء، هو سلاح قديم عندهن، الله لا يِحْوِجْنا إلُه.

أغلقتُ جارور الملابس العتيقة والرقاقيع، وفتحت الجارور الثاني، فيه مقصّ العنب لتقطيش الدّوالي، ومنجل للحطب، ومنشارة ومسَنّ، ومسامير وقطع حديد وجِلْدات، إذا طِلع المنكوش وارتخى في موسم نكاش الأرض، فتوضع له مصّة بعيد السامعين.

مع هذه الكومة من الحدايد والبولاد، وجدتُ محفار الكوسا، أذكره منذ الطفولة، أسود عتيق مع مشحات بيضاء باهتة، لحفر الكوسا، وأنا أعجب لماذا يقول البعض لنَقْر الكوسا، نقّار الخشب يقوم بعمله بصوت مسموع، وكذلك نقر بلاطة الكبة وجُرن الجاجات وكلها من الحَجَر، أو نقر جرن ورعن على عيون الماء، بالدَّبّورة والسّفل والزّْميل. منقار كوسا!! نَقر كوسا!! غلط وعيب هذه الحداثة.

عصفور الحْسيسي الحِرِك الجميل يغني وهو ينقر كوز التين:

أنا حسيسي ويش منّي

                       زَلفة كشك أحسن منّي

يقول ذلك بمسكنة للصّياد حتى يفلته، وعندها يقول:

أنا حْسيسي بونَقّار

                     فخذ مِنّي بملّي الدّار

أنا حْسيسي الوِسْت لوسْت

                             فخذ مني بملي الدِّسْت

أيام زمان كانت الواحدة تحفر الكوساية الزّرقاء المضلّعة بحجم الفِهْر، ومدقّة الكبّة، ومصبّ القهوة المرّة، وليس كهذه الفَتاتيل الصغيرة، بالكاد يدخل فيها المحفار تنشرِم من بابها أو تنقدح. وكم من خيرات مباركة تضيع، فتاتيل كوسا، وخيار، وفقّوس، ملايين القناطير في العالم كل سنة، والجوع والفقر يضرب ضرباته، والعالَم المتحضّر يتفنن في الدلال والإذلال، عداك عن وُريقات الخَسّ في أكل الطائرات، وشقحة البندورة الضّيقة كزِرّ الكبّوت والشاقِل، والتعريفة – نُصّ القرش – من عملة فلسطين.

وهذا أحد خفيفي الدّم يجد صبيّة تحفر كوسا صغيرة فيقول: أنا تركت بوي حاطِط كوسايِة تحت باطُه وأمي بتحفرها، من كبرها. كانت الكوساية المحشية مع لَبَن أو دِبس بندورة بعلية زهرية حامضة تشبع زَلَمِه. وماذا مع هذه البامية، والشاهين بالكاد ينبز من كَعبُه!!

أغلقت الجارور الثاني على المحفار، ورحت أفتح السَّبَت بالمفتاح الموضوع في الجارور المعلق في قيطانِه عتيقه حمراء كاشحة. طباقة السَّبَت ثقيلة، لها مَسند أو سَنْده من نفس خشب السَّبت، خَشَب جوز، أقول السبت الكبير لأن هناك ما هو أصغر بكثير، والسَّبت من جهاز العروس تضع فيه حاجياتها، إذا كانت دار العروس قريبة من دار العريس، يحمله أربعة رجال، أما إذا كانت بعيدة أو من قرية أخرى فيحمّل على الجمل، الذي يروح يتمختر في مشيته، والسَّبت محزّم على ظهره يتمايل باعتزاز.

وبعض رجال الدين الهُبْلان، يجعلون السّبت من أدوات التعذيب وقت الحساب والعقاب يوم القيامة.

يأتون بأمر الله ويضعون حَلْمة بزّ الإمرأة المُذنبة على باب السَّبت ويطبقون السَّدّة على حلمة البِزّ. وكأن حلمة البِزّ إياها، تستاهل هذه المعاملة.

أما الزجال المبدع ابن البقيعة فيقول وعُمر السامعين والعارفات والعارفين يطول:

يا ريم الغَلا تمَخْتَري بهالقدّ

                               كأنه من حْبال الشّمس مِنقَدّ

عصِدْرِك صَوّب العصفور مَنْقَد

                              نقد نَقدِه قَطَف كَرْزِه وهرَب

اذكريني ان كان بالماضي حِلِمْتِ

                              وحنّيتي شْوَيّ وعالعاشق حِلمتِ

قالت لي حْلِمتْ بتمَصْمِصَ حَلمتي

                              فِقِتْ رايِب حَليبي عالثّياب

البعض يقول ان هذا زجل لبناني، قد يكون في هذا القول بعض التّجني والغيرة، هكذا يكون إظهار المحبة والشوق للحَلَمة.

أما يوم الحساب والقيامة فيكون في مصر عند الأهرام حيث تُحفظ حجّة كل واحد من الخليقة، هناك جاء سيدنا هِرمس الهرامسة، كان يأتي إلى الصخرة العظيمة وفي موقع بعيد وبلاد بعيدة، يقرأ شيئًا من الدّين ويلمس الصخر ويلبطه، فيطير الحجر بقدرة الله ويطبّ راكبًا في مكانه. ولا نعتقد أن سيدنا هرمس الهرامسة، رسول الآلهة، بخفّيه الذهبيين هو الذي تحركش بالإلهَة وهاولت عليه بالحذاء الذي يشبه الصّندل المُنمنم الجميل، فهل الإلَهة تلبس بُسطارًا ثقيلا مُمَسمرًا بشِعًا!!

واحد عندنا ظلّ يضرب الآخر حتى يقول: دخل بُسطارَك لِحْمر المْمَّسْمَر، أما مارس إله الحرب وفوليدون فلا يتهجّن عنهما وكذلك زِفْس.

فتحت السَّبت وركيت الطباقة الثقيلة على الحيط، واجهتني كومة من الملابس السوداء، لا يوجد عليها حِزٌّ من الغبار، ولا مَشْحة، لأن الطّباقة تلضم بشدّة بلا أي فُسْخ، وإلّا كيف تطبق على حلمة البِزّ.

جلستُ في السَّبت على كومة الملابس، وتهيأتُ لنبش ما فيه، لكن كيف عرف هذا الرّهط من رجال الدين أن حلمة البِزّ حسّاسة الى هذه الدّرجة!! الملاعين المناحيس، هذه خصلة جيدة، أشهد ذلك لصالحهم، فكل الاحترام والتقدير والتبجيل، هذه صفات حميدة، وبهم نقتدي، لن يتزحزح هذا السَبت الأسود الكبير من خشب الجوز من مكانه، ولن يذهب إلى مِصر، لا بصورة لاجئ ولا مهجّر، ولا مبدّل، ولا عيرِه مستردّة، ولن يقع في أيدي الجلّادين، الذين يغلقون ويطبقون طباقة السّبت على حلمة البزّ إياها، والكل يعرفها، لا أقصد بِزّ الأم قطعًا وبتاتًا، مقطوعة مفصولة، وأنا لهبلي أول طلعتي قلت لصبية عزباء قدّام أهلها وعدد من الحضور، وهي تحمل على باطها طفلا يبكي، قلت لها: عَجَبْ رضْعيه!! شهقت الصبية، والبعض ضحك ضحكة صفراوية، والبعض الآخر صمت على كَشرَة ترمي اللّقمة من الثمّ، وأمي قرصتني قرصة موجعة، لكننا اليوم نضحك أنا والصبية، أو على الأقلّ نبتسم، وأنا أحوم حول الموضوع.

ومع ذلك كيف عرف هؤلاء أن حلمة البِزّ حسّاسة الى هذه الدرجة!!

 (يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة

featured

سقوط وهم الديمقراطية الليبرالية في إسرائيل