ألسَّبَت الكبير (3) | محمد نفّاع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

من غير المعقول، أن أسرد تاريخ وحكايات وحاجة كل الأغراض، الّتي يعجّ بها السّبت، من القاع إلى القمة، أو على الأقلّ من أرضِه إلى جمامه، وإلّا احتاج الأمر الى مجلّدات، وإلى عُمرٍ طويل جدًا وقُدرة على العمل. لذا سأكتفي بالإشارة وانتقاء ما هو أهَمّ.

ربَصْتُ كومة الملابس التي أجلس عليها بارتياح، سأضطرّ إلى التفتيش عن معنى اسم الرَّبّيصة، وهو موقع له مكانة في البلد، وهل التربّص أحد أقارب الرّبْص!! ورحت أنبش، هذا قنباز والدي الأبيض، والقشاط العريض، عرض الكَفّ، هناك آباء وأزواج أشقياء، بلا شفقة يضربون الزوجات والأولاد بقشاط الجلد الماكن العريض. البعض يتزنّر بشَمْلة حرير، سوداء أو بنيّة، شَقْراء شحمية اللون، ومن يستعمل الكَمَر، كمر الصوف الملوّن وله جَيبان على الجانبين، فيهما المصاري، الورق والمعدن الفراطة، لكن كيف المرور هرولة على أغنية:

جَفْرا ويا هالرّبع

                  عالبير نَشّالِ

ومزنّرة بالكَمَر

                 فوق الكمر شال

يا ربي يغيب القَمَر

                تَسَلّمِك حالي

وتكون ليلة عَتِم

                والسّرج مطفيّه      

ومع القمباز سَلْطَة سوداء، بتفصيل الساكو، لكن السَّلْطة خفيفة ومن قماش ناعم، تُلبس للكمال، بلا بطانة ولا قَبّة ولا عروات وأزرار. أبي والحمد لله، لم يضرب أحدًا من بيتنا في القشاط، كان ضد العنف، في كل حياتي أكلتُ منه كم من كَف على إيدي اليمين لأني سرقت جَرَنْك من جَرِنكة دار قاسم لِحْسين، وأمي أيضا ضربتني في المكان المناسب لأنّني أدْقَرْت على تفاح في عين الأسد، وأضربتُ عن المشي إلى حطين، إلى زيارة النبي شعيب.

وهذه العمامة البيضاء والطربوش الأحمر، وفيه طاقية بيضاء، الطرابيش ليست كلّها أصليّة، عندما يعرق أبي وهو ينكُش على العِنَب والزيتون، كانت حافة الطربوش تحلّ على جبهته لتترك مشحة حمراء عليها.

تراني أبدأ بالأغراض الكبيرة، فهذا كُرسي كتاب الدّين الملوّن والملوي من قَش القمح، وهو بطول ذراع، يضع القارئ الكتاب على بابه الواسع، أوسع من المُنْخل وأضيق من منْسَفَة القَشّ، أما "أواعي الموت"  الكاملة والجديدة فقد ألبسوه إياها يوم وفاتِه وكذلك ملابس أمي، ظلّ منها قنابيز مخمل أرْمغان، خضراء وسوداء وعنّابيّة وزرقاء، ومن جهاز العروس في الأيام الماضية، هذا هو الرُّبِع، رُبع ماذا لا أعرف، وهو من جهاز العروس، وملوي من القَش الملون، وبحجم الدِّسْت الوَسْطاني، بعد الكَشْكول والطنجرة وقبل دِسْت الْبُوحَلق، وفيه الأغراض الغالية، المناديل الناعمة المشجّرة ومن عدة ألوان متآلفة، عليها صُور فراشات وطيور وورود، ولبعضها دَواير محاكة على الصُّنّارة – أوْيةِ السَّبع أشكال. دِست البوحلق للدِّبْس، والمعقَّد، وطبيخ الكرش مع الرّاس والكراعين، والوسطاني للفّ كم من راقة من الملفوف وورق العنب، وعَمَل القَوَرْما من لية الغنم واللحم الأحمر. والطنجرة لطبيخ المجدّرة والمفَلْفَلة والشلباطة، وتفوير الحليب في الموسم، قبل أن يقلّ الحليب وتقلّ قيمة الرّاعي كما يقول المثل. أما الكشكول فلقابولية الكُبّة.

في الرُّبع تُحفَظ الصّنوبريّة والكُردان والصّمادة. في جَلْوِة العروس، وجدتُ فيه طاسة الرَّعبة، والملفّ الملَولَب مَلْكوكة ٌعليه لكّات حرير من عدة ألوان، لِغلْينة اللّباسات، لباس أسود مْغَلين بالحرير على تفصيل الغليون، كانت الغلايين دارجة في تلك الأيام، وفيه كتاب الدين والقَلابة، من تَنَك على مْفَصَّلات، تفتح وتغلق، نكتب عليها بقلم القصَب والرَّشْق، ثم تمحى الكتابة بعد أن نحفظ الدرس غيبًا عند الخطيب.

وهذا جزدان أبي، أحضره من الأرجنتين، وله عدة جُيوب، من جلد أصْلي مرسوم عليه فُرسان مع سيوف ورماح ودروع، يشبهون فرسان الإغريق والطرواد، اياس وأُوذيس وأخيل وذيوميذ ومانيلا وأغاممنون، وفرسان الطرواد هِكطور وذيغوب والعديد من أبناء فريام ملك طروادة وأبطال حلفائها، سنواتٍ عديدة من القتال بسبب هيلانه الحسناء التي أَغْراها فاريس ابن فريام، واختلف آلهة الأولمبوس، قِسمٌ مع الاغريق مثل هيرا وأثينا، وقسم مع الطّرواد مثل آرس أو مارس إله الحرب وكذلك فوليذون لأن أوذيس سَمَل عين ابنه السّيكلوب "فوليفيم"، ذي العين الواحدة في الجبين. الجزدان يبدو انه من زمَن الرئيس "بيرون" المحبوب في بلاده، وكان أبي يكثر الحديث عنه، وهو غير الشاعر الكبير لورد بايرون من بلاد الانكليز، للإغريق شاعرهم هوميروس الذي دوّن الإلياذة والأوذيسة. ذكرني الجزدان بكرشة أم التّلافيف، مطلّقة السَّبْعة، رجل طلّق سبع زوجات لأنهن لم يُتقِنَّ تنظيف كرشة أم التّلافيف، فسموها مطلّقة السّبْعة، فبالإضافة إلى الكَرْشِة الكبيرة، هناك أيضا – طاقية الرّاعي – بتفصيل الطّاقية، والكرشة الوسطانية!!

في الرّبع مكحلة عتيقة من المخمل ملبّسة على عدة قَصَبات فيها كُحل أسمر للزّينة، وأحمر وأبيض للعلاج، مع مِيل من نبات الطّرْف.

مرَّت ما مرَّت مرَّت ما مرَّت

                                يا ميل الكُحل في عينا جرَّت

الحِلْوِة حَمْلتْ جرّتها

                         ونِزْلِتْ عالعين

يخرب بيت اللي صابْها

                          ما ظْرَف هالعين

عينك عليها دمعة           

                     والكحل مْنين

وهذا الكاتب الكبير والطبيب يوسف ادريس، راح يهزأ بالفلّاحين الذين يداوون عيونهم بورق الطَّرْفا، ثم حَلّل ذلك في المُختبر فوجد فيه النسبة الكبيرة من العلاج المُصَنّع، الناس الناس، فيهم حِكْمة، ولذلك الميل من الطّرْفا للعلاج، عَشَرات وعشرات المرات ظلّت أمي تحدّثنا عن "شقفِة من مِنْتيان الشيخ" ومحرمة أختها مِحِسْنِة، حافظت عليهما للبَرَكة والصّداقة. وتبيّن ان الشيخ هو الشيخ الهَجَري من الشام، وقد يكون أصله من هَجَر في بلاد الحجاز، يا بايع التّمر في هَجَر.

أما أختها محسنة فهي من مجدل شمس والدة الرفيق أحمد القَضماني، جَلبتْلها محرمة ثلج من جبل الشيخ الى أرض الخيط، فحفظت المحرمة للذكرى، وظلت مع شقفة المنتيان في أعز مكان، في الرُّبع.

وكيف حال هَجَر اليوم وبلاد الحجاز، وجبل الشيخ المحتلّ وأرض الخيط المنهوبة.

بلادٌ بها كُنّا وكُنّا مِن أهْلِها

                            اذ الناس ناسٌ والبلادُ بلادُ

وهذه ملابس صغيرة حلوة لأخي الذي عاش سنة ونصف ومات بالحَصْبة هو وأرْنَبه ويوسف ونوّاف في شهر واحد، كان أشْلَب مني بكثير، والصبايا البارْحات البادْحات يَقلنَ لأمي: هاتي كنج معك، وتردّ أمي: يا بارحات بِتحبّوه لأنه شَلَبي، معهنّ حق.

رحتُ أسأل عن معنى كلمة كنج، حتى قال لي أحدهم واسمه كنج، سأل الأتراك في أنطاليا فقالوا له: معناها الشاب الفتي الجميل. أما أسماء الكبار عندنا فكانت على اسم قائمقام تركي في صفد، اما مجاملة أو تقربا وخوفًا.

كان أبي يريد أن يسميه قاسم على اسم أحد أجدادنا القُدامى والذي عاش في حارة العزاميّة ونصَبَ المشْنَقة، كان وجيه البلد بلا مُنازع ويدفع الضريبة للأتراك بليرات الذّهب، يبدو أنه كان من جماعة الدولة العِلّية الظالمة. رفضت أنا هذا الاسم لأنني كنت "أقْرُط" في حرف القاف – قاسم – وأقول آف، آسِم، أما حرف الكاف فأتقنت لفظها من طفولتي، ولا أدري اذا كانت هنالك علاقة بين كنج التركي ونهر الكَنج المقدس في الهند!!

زعل قسم من أقربائنا، أخذ على خاطرهم، وأنا أتّهم الجد قاسم بخدمة الأتْراك.

أما شقيقه حَمّود فكان شيخ العقل في فلسطين، وتنازل عنها لعائلة طريف في جولس قبل ما يقارب الثلاثة قُرون كما كتب بعض المؤرخين أو المتعاطين مع هذه المواضيع، في فلسطين وسوريا ولبنان ومنهم واحد من عائلة طريف.

إحدى عَمّاتي الوَرِعات البسيطات الشّغّيلات، وفي مْعايَرَة العائلات كانت تقول: جدّنا كان ناصب المَنْشَقة، لم تُفرّق بسلامتها بين المشنقة والمنشَقة وَ...!! ها أنا أجد الورقة التي كتبت عليها عن حطين وأهلها وبساتينها قبل أكثر من سبعين سنة، وهي أول ما كتبتُه، فرح أبي وأمي وأنا أشير إلى مقام النبي شعيب غَربيّ حطين، وكانت توسَّمتْ فِيّ الخير عندما حلمتْ ان شيخًا ورعًا من لبنان قال: انا بدّي أميِّل على هذي الدار، وأمي حبلى، فوُلدتُ أنا، وصِرْتُ – من "الجُهّال" وليس من العُقّال، فراحت تشتم الشيخ الكذاب، وعندما صرتُ شيوعيًا، لا خلّتْ ولا بَقّت للشيخ، مْتَلبس تلبسه، وكم عمامة تمشي ورا الدَّجال ابليس اللعين، لكنها تقول ذلك وبسمة خفيفة على وجهها، بلا زَعَل..

 

يتبع – وقد تكون الحلقة القادمة الأخيرة، أقول قد للتشكيك.

قد يهمّكم أيضا..
featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة