news-details
ملحق الجمعة

التجلّي والخفاء في مدائن عبد النّاصر صالح

الحضور والغياب

يجمع عنوان الدّيوان ("مدائن الحضور والغياب") بين ثنائيّة الحضور والغياب. ومفهوم الحضور والغياب ينتمي إلى الفلسفة أكثر منه إلى النّقد والأدب، ومنها دخل إلى عالَم الدّراسات النّقديّة الحديثة.

     قد يكون الحضور حضورًا مادّيًّا أو حضورًا معنويًّا أي ذهنيًّا. والحضور مناقضٌ للغياب، إذ لا يمكن للشيء أن يكون حاضرًا وغائبًا في الوقت نفسه حسب "قانون التناقض". إلا أنَّ الغياب لا يعني عدم الوجود، فهو موجود في مكان ما وفي ظروفٍ أخرى، وبهذا يتبيّن أنَّ العلاقة بين الحضور والغياب تقوم على الاختلاف لذا لا نستطيع أن نقارن بين كلمة "حضور" وكلمة "غياب"، إذ نتناول شيئا من خلال معارضته مع غيابه، وهذا الغياب لا يمكن تحديده إلا بحضور آخر. وعليه، إنَّ العلاقة بين الحضور والغياب ليست علاقةً ضدّيّةً إنّما علاقةً تكامليّةً، ذلك أنَّ الشيء يُعرَّف بالآخر، أي الحضور يعرّف من خلال الغياب والعكس كذلك. تأتي هذه الفكرة كمعارِضة للفكرة التي تدّعي بأنَّ الشيء إمّا يكون حاضرًا أو غائبًا. فالضدّ، النقيض، شرطٌ أساسيّ لمعرفة الشيء.

      ترتبط الظّاهرة الشّعريّة ارتباطًا وثيقًا بثنائيّة الحضور والغياب، وعلى الرَّغم من أنَّ العلاقة بين الحضور والغياب على المستوى المعجمي هي علاقة تناقض، ذلك أنَّ الحضور، كما سبق وذكرنا، نقيض الغيبة، إلا أنَّ العلاقة بينهما على المستوى السياقيّ هي علاقة تكامليّة. فالنّصّ الحاضر يستحضر آخر غائبًا. وهذا يعود بنا إلى جدلية المحذوف والمثبت، فكما جاء عند تودوروف (فيلسوف فرنسي بلغاري) إنَّ بعض العناصر الغائبة في النّصّ تكون حاضرة في الذّاكرة. 

     إنَّ الدّال (المتمثّل بالنّصّ الحاضر المكتوب) ما هو إلا تجسيدًا للمدلول (المتمثّل بالنّص الغائب المتصوَّر ذهنيًّا)، وبالتالي على الدّارس أو القارىء استدعاء التصوّر الذهنيّ الغائب. ومن خلال العلاقات التكامليّة بين الدّال والمدلول، بين الحضور والغياب، تولد المقوّمات الأدبيّة أو الشّعريّة للنّصّ.

     إنَّ قراءة النّص وفق ثنائية الحضور والغياب يتطلّب الكشف عن معالم النّصّ الدّاخليّة، انفتاحها على فضاءاتٍ أخرى وإعادة إنتاج النّصّ وفق أفقٍ أوسع.

     تقوم قصائد ديوان "مدائن الحضور والغياب" على العلاقة التكامليّة التي تحملها هذه الثنائيّة المتضادّة: الحضور والغياب. وأوّل ما يتجلّى ذلك في عنوان الدّيوان حيث جمع الشّاعر بين الطرفين، الثنائيّة الطباقيّة: الحضور والغياب، بحرف العطف "الواو" والذي يفيد الجمع بين المعطوفَين، مجسّدًا العلاقة التكامليّة بين الطرفين. وتتّضح هذه العلاقة على الصّعيد السّياقيّ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان نفسه، فيها يعرض الشّاعر صورًا متلاحقة للغياب وينقل عدّة صورٍ عن الحياة والموت. إنَّ العلاقة بين مركّبات العنوان هي علاقة صميميّة.

وكذا في العتبة الداخليّة، الإهداء، تتوحّد الأضداد، يقول: "إلى مدائن تسكنني بغيابها" (ص 5). 

 

     إنَّ ملامح التجلّي والخفاء، الحضور والغياب، في الدّيوان، جاءت في أكثر من مستوى: المستوى اللّغويّ، المستوى النحويّ والمستوى الدّلاليّ. وهي ثلاث دوائر مترابطة لا يمكن الفصل بينها. 

    لقد جمع الشّاعر بين هذه المستويات عبر أساليبَ فنّيّةٍ تقوم هي الأخرى على ثنائيّة التجلّي والخفاء، نحو: تقنية القناع، التناصّ والرمز.

سنتناول أبرز ما جاء في الدّيوان:

 

  • القصيدة القناع

لقد استخدم الشّاعر القناع للتعبير عن رؤيته. والقناع هو وسيلةٌ فنّيّةٌ تقوم على استعارة شخصيّةٍ يتحدّ الشّاعر بها لتعبّر عن حاله وعن مواقفه، يضفي عليها بعضًا من ملامحه وتجربته ويستعير منها، فتتوحّد الشّخصيّتان في شخصيّةٍ واحدةٍ تتكوّن ملامحها من ملامح الشّخصيّتين مجتمعةً، فيكون القناع الذي هو نتاج التفاعل بين الطرفين: الشّاعر والشّخصيّة المستعارة.

     تقنيّة القناع تجسّد ثنائية التجلي والخفاء في قصائد عبد النّاصر صالح، نحو ما جاء في القصيدة الأولى "البدويّ". والقناع في هذه القصيدة بسيطٌ، غير مركّبٍ، اعتمد فيه الشّاعر على شخصيّةٍ واحدةٍ هي البدويّ وأسقط رؤيته، تجربته وآلامه عليها. تخفّى الشّاعر وراء القناع ليعبِّر عن ذاته، عن آرائه وعن أفكاره بأسلوبٍ فنّيّ يُبعد القصيدة عن المباشَرة. 

     البدويّ هو العربيّ من القبائل الصّحراويّة المختلفة، وأراد الشّاعر بالبدويّ نفسَه (الشّاعر)، يرمز به إلى العربيّ الفلسطينيّ، إلا أنّه لا يقصد البدويّ بالصّورة المعهودة في عقولنا، وقد صرّح بذلك موجِّهًا خطابه للبدويّ بعباراتٍ مشحونةٍ بالطاقة بدلا من البكاء، يدعوه لكتابة قصيدةٍ جديدةٍ وإلى ترك المراثي فوق ضريحه الوهميّ، فالمدائن تناديه! يقول: 

"فلتكتب قصيدتكَ الجديدةَ أيّها البدويُّ 

ولتخلع هواجسَك القديمةَ،

والمراثي الرّثة البلهاء فوق ضريحك الوهميّ     

نادتكَ المدائنُ". (ص 7)

 

عن أيّ مدائن يتحدّث؟!!

     مدائنُ يتسلّق أهلها جروحهم، مدائن باتت المآذن فيها تستغيث، وكأنّ جاهلية يثرب قد عادَت، وأحرق الـمَغول الـمُتَمَتْرِس خلف القلاع قصر الخليفة؛ مدائن كثُرت فيها الهزائم، فاستفزَّت الشّاعر ليقول: "يا لعنة الآتين من إرث الهزائم" (ص 8). وفي هذه المدائن أبطال الرواية، أولئك الذين "شوّهوا وجه المسيح/ ولوّثوا قدسية العذراء" (ص 8).

بهذه الصّور صعّد الشّاعر الصّراع، صراع الهوية والانتماء!! وقذف في عدّة مواضع أسئلة الانتماء:

"فلأيّ موتٍ تنتمي؟" (ص 8، 11)

"أيّ موت يصطفيك لكي تؤرّخ للقيامةِ" (ص9)

"ولأيّ ذاكرةٍ سترجعُ حين يُدْهمك الضّبابُ/ وتستجير بمائك الوثنيّ"؟ (ص 11)

"إلى أيّ صوتٍ تنتمي" (ص 12)

 

   إنَّ هذه الأسئلة تؤكّد الانتماء للموت لا للحياة، ولعلّ في ذلك تعبيرًا عن الغضب من الوضع في الشّارع العربي في ظلّ الاحتلال. إلا أنّه من هذا الموت ينتفض، من الموت يصعد إلى الحياة، متسربلاً بروائح الشّهداء: 

"بين الموت والأعراس فاصلةٌ

وأعياد ستُطفىء حرقتي

متسربلاً بروائح الشّهداءِ

أصعدُ  .." (ص 11)

 

     بين هذه التساؤلات، بين الحضور والغياب، يستعيد الشّاعر ذاته منتقلاً من صيغة المخاطَب إلى صيغة المتكلِّم الأوّل (انظر التحوّل ص 12)، ليصرّح عن هوية صوته ويدافع عن نفسه، فهويّته لا تنكرها العواصفُ ولا خيام الرّاحلين ولا الينابيع (ص 12). إنَّ صوته لا ينتمي للخائفين، ولا لأولئك الذين يبيعون جلودهم أو الذين يجلسون "القُرفصاء أمام أعتاب الخليفة" (ص12). فهو يرفض التلوّن والنّفاق في وجه الخليفة من أجل الاستكساب، يرفض الكذب وخطاب الخيانة. تلك الخيانةُ التي "أخرجَت بحّارة الصّحراء من فصل التفاوض" (ص 10). وبحّارة الصّحراء، هو البدويّ، العربي الفلسطينيّ؛ أراد بذلك أنَّ الفلسطينيّ أُبعد ولم يعد طرفًا في مفاوضات السلام. ولعلّ في ذلك إشارة إلى كلّ الدّول التي تآمرت على الشّعب الفلسطيني.

    لقد أسقط الشّاعر القناع الذي رفعه في بداية القصيدة؛ "أنا البدويّ"، قال وقد كرّرها ثلاث مرّات. لهذا، تحوّل على المستوى النّحوي من أسلوب المخاطَب إلى أسلوب المتكلّم الأوّل، لكنّه تجاوز بهذه الأنا حدود المتكلِّم الأوّل نحو الجماعة، أراد بها الشّعب الفلسطينيّ. كما تحوّل من استخدام أفعال الأمر، التي استخدمها في خطابه للبدويّ بهدف حثِّه على النّضال، إلى أفعال في الزّمنين الماضي والحاضر للإشارة إلى نضاله في السابق وإلى استمراريّة هذا النضال. إنَّ هذه الأفعال تؤكّد يقظة الفلسطينيّ من جهةٍ وتحدّد انتماءه من جهةٍ أخرى.

     البدويّ هو الشّعب الفلسطينيّ الذي لا يجرفه الغروب، ولا يُبطىء الليل من شمس طلعته، لم يرضخ لطاغيةٍ ولم يجترَّ قافيته على سُجف الكلام. له كلّ ما في الأرض، له حكمة الأنهار التي تحرس القصائد والتاريخ، الأنهار التي ستحفظ وتنقل الحقيقة من جيلٍ لجيل، فلم ولن يودي به النسيان (ص 16- 17).

     تجدر بنا الإشارة إلى أنَّ الشّاعر لم يتحدّ مع الشّخصيّة المستعارة (كما هو الحال في الكثير من قصائد القناع)، إنّما تقنّع بها وانسلخ عنها مستخدمًا أسلوب الخطاب، ثمَّ صرّح بأنّه هو نفسه البدويّ. ونردّ ذلك لسببين: الأوّل أنه يريد إيقاظ النّائم من سباته وحثّه على النضال، والثاني، للتأكيد على انتمائه لهذا الشّعب واندماجه في الحياة السياسيّة. 

     نلحظ في هذه القصيدة اجتماع عدّة ثنائيات تجمعها علاقة الحضور والغياب، منها: حضور الشّاعر وغيابه، الحياة والموت، الانتماء واللا انتماء، الموت والقيامة، النهوض والخمول، الوقت وغياب الوقت (لا وقت)، الوطن مقابل الأطلال، الأسماء الغائبة والأسماء الحاضرة، الخيانة والإخلاص.

     لقد جسّدت تقنية القناع التي وظّفها الشّاعر العلاقة بين الحضور والغياب، أو كما أسميناها التجلي والخفاء، حيث تخفّى الشّاعر وتجلّى صوته في صوت البدويّ. وجاء ذلك في أكثر من مستوى: اللّغوي، النّحويّ والدلاليّ.

     لقد أحسن الشّاعر في اختيار مفرداته التي جاءت متجانسةً على امتداد القصيدة، فقد اتخذّ البدويّ قناعًا له وألبس القصيدة دلالات تتصل بالبيئة البدويّة، نحو: الأطلال، الصّحراء، بحّارة الصّحراء، الخيام وغيرها.

 

  • التّناصّ

التّناصّ هو وجود علاقةٍ أو حوارٍ بين نصّين أو أكثر والتفاعل معها من خلال استحضارها، ذلك أنَّ النّصّ الأدبي يضمّ استدعاءاتٍ من نصوصٍ أخرى، قد تكون أدبيّة، دينيّة، أسطوريّة وغير ذلك، يوظّفها الأديب أو الشّاعر في إطارٍ جديدٍ ويطعِّمها بدلالات ومعاني جديدة. وبهذا نكون أمام نصَّين، الأوّل حاضر، وهي القصائد في هذه الحالة، وآخر غائب يؤثِّر على التحليل. 

في مدائن الحضور والغياب تناصات عدّة، أبرزها:

التناصّ الدّيني

في قصائد الديوان تناص مع الدّيانة المسيحيّة، ويتجلّى ذلك من خلال توظيف رموزٍ عدّة في القصيدة الواحدة وفي قصائد الدّيوان عامّةً، وقد جاء بعضها جليّ وبعضها مبطّن. فيما يلي أبرز مظاهر هذا التّناصّ:

الصَّليب

قال الشّاعر: "فاحملْ صليبكَ" (ص 11)، وهذا يحيلنا إلى قول المسيح: "احمل صليبَك واتبعني" [متى 16: 24؛ مرقس 8: 34؛ لوقا 9: 23]. ومعنى ذلك الاستعداد للموت في سبيل اتّباع المسيح، فبعد أن أوصى المسيح بحمل الصّليب قال: "فَإِنَّ من أرادَ أَنْ يُخَلِّصَ نفسَه يُهلِكُهَا ومن يُهْلِكُ نفسه من أَجلِي فهذا يُخَلِّصُها. لأَنَّهُ ماذَا يَنْتَفِعُ الإِنسَانُ لو ربِحَ العالَمَ كُلَّه وَأهلَكَ نَفسَهُ أَو خَسِرَهَا؟" [لوقا 9: 24-25؛ متى 16: 26؛ مرقس 8: 35-36]. إذًا، هي دعوة لأن تحمل صليبك وتتخلّى عن كلّ شيء، أن تُفني ذاتكَ من أجل المسيح.

     لقد اقتبس الشّاعر قول المسيح وألبسه دلالاتٍ جديدةً، دلالاتٍ تحثّ على النّضال وعدم الاستسلام، على التضحيّة من أجل الأرض والوطن. أراد من خلال هذا القول تثبيت الانتماء في النّفوس الضّعيفة والدعوة إلى التضحية.

لقد ألحق الشّاعر قوله "فاحملْ صليبكَ" بقولٍ آخر: 

لستَ موسى كي تشقَّ عصاكَ بحرًا"  (ص 11)

     ويحيلنا هذا القول إلى موسى وعصاه السّحريّة التي شقّت البحر، كما جاء في التوراة، وقد أراد الشّاعر بهذا تأكيد المعنى السّابق ودفع البدويّ، الفلسطينيّ، إلى النضال.

     يأمر الشّاعر البدويّ بأن يحمل صليبه ويمشي لأنّه ليس موسى، وعصاه لن تشقّ البحر. لا يستطيع أن يهرب فهو ليس من بني إسرائيل. لذا عليه أن يحمل صليبه ويسير في درب الآلام، عليه أن يناضل ويقاوم، عليه المواجهة والتحدّي كما واجه المسيح اليهود. وأراد الشّاعر بذلك تعزيز الانتماء الفلسطيني في النّفوس الضائعة والنائمة.

 

2. القيامة

يسأل الشّاعرُ البدويَّ/ العربيّ الفلسطينيّ: 

"أيُّ موتٍ يصطفيكَ لكي تؤرّخ للقيامةِ؟" (ص 9)

     والقيامة هي من أهمّ الأحداث في الدّيانة المسيحيّة. فحسب المعتقدات المسيحيّة، بعد أن صُلب المسيح يوم الجمعة بيد الرومان قام من بين الأموات.

     ومرة أخرى يحمِّل الشّاعر هذه الدّلالة بأخرى وطنيّة، يريد من خلالها تأكيد تضحية الفلسطينيّ الذي لا يهاب الموت في سبيل الوطن، فما هذا الموت إلا موتًا وهميًّا كما جاء في بداية القصيدة.

وهكذا تتحدّ دلالات النَّصَّين لتحمل معنى جديدًا.

 

3. الصّعود

استخدم الشّاعر لفظ الصّعود في أكثر من موضع، منها:

"سأصعدُ من عظام الميّتين، 

ومن تجاعيد الخيام وشهقةِ الأنساغ"  (ص 13)

     في القول إشارةٌ إلى صعود المسيح بعد قيامته إلى السّماء. إنَّ صعود المسيح يدلّ على نجاح عمله على الأرض ونهاية خدمته عليها والعودة إلى المجد السماويّ، الارتقاء إلى السّماء.

     والموت في قصيدة "البدويّ" يرتبط بالتضحية في سبيل الوطن.

 

4. المعموديّة

لقد كرّر الشّاعر استخدام الفعل عمّد، بصيَغه المختلفة، من ذلك قوله في قصيدة "طيور الفينيق"، قصيدة مهداة إلى كفر قاسم، حاضنة الشّهداء:

"عمَّدْتُكِ جسدي ودمي" (ص 80)  

     المعموديّة طقسٌ مسيحيّ، من أسرار الكنيسة، معها يبدأ الفرد حياةً جديدةً؛ تتصل المعموديّة بالموت، 

الموت أمام الخطيّة، الموت في المسيح والاتحاد به من أجل الحصول على حياةٍ أبديّة. المعموديّة موت وقيامة.

     لقد ألحق الشّاعر الفعل "عمَّدْتُكِ" بالجسد والدّم. وهذا المشهد الشّعريّ يستدعي قول السّيّد المسيح لتلاميذه حين أخذ الخبز وهم يأكلون، وقال لهم: "خذوا كُلوا هذا هو جسدي"، ثمَّ أخذ الكأس وقال لهم: "اشرَبُوا مِنها كُلُّكُم، لأَنَّ هذا هو دمي ... الذي يُسفك من أجل كثيرين لـمَغفِرَةِ الخطايا" [متّى 26: 26-28].

وأراد المسيح بقوله المجازيّ هذا، الاتحاد مع الله والحصول على الحياة الأبديّة، ويتحقّق ذلك بالإيمان وبالتضحية.

وفي موضع آخر من القصيدة نفسها استبدل الشّاعر الجسد بالرّوح، فقال: 

" عمَّدْتُكِ روحي ودمي" (ص 88)

‏     حمّل الشّاعر المعنى بالتضحية، فكما المسيح ضحّى من أجل الآخرين، كذا الشّهداء يضحّون من أجل الوطن. وكفر قاسم المعمَّدة بالجسد، بالروح وبالدّم هي هوية كلّ فلسطينيّ.

     ففي هذا الزمن الذي غاب فيه الحق وزحف إليه الباطل، أعلن الشّاعر فلسطينيّته، وأنّ فلسطين وكفر قاسم إنّما هي أسلحة الفقراء، خبز الفقراء ومأوى الفقراء، يعمّدها بجسده، بروحه وبدمه.

 

5. النّواقيس

النّواقيس جمع النّاقوس وهي مِضْرابُ النَّصارى الذي يضربونه إِيذانًا بحلول وقت الصَّلاة. وهذا البدويّ/ الشّاعر منحازٌ "لإيقاع النواقيس الجريحة" (ص 14)، منحازٌ للتضحية والموت من أجل خلاص البلاد!

 

6. العُنّاب

لقد افتتح الشّاعر قصيدته الأولى (البدويّ) بقوله:

"لا وقت للعنّابِ كي يشتطّ في النسيان" (ص 7)

وقال في موضعٍ آخر من القصيدة نفسها:

"لا وقتَ للعنّاب كي ينعى بنادق من مَضوا" (ص 10)

 

ونسأل، لماذا العُنّاب تحديدًا؟!

      إنَّ اختيار العُنّاب لم يكن صُدفةً! العُنّاب نباتٌ شائكٌ منتشر في فلسطين، وقيل إنَّ الرومان الذين تواجدوا في القدس زمن المسيح، صنعوا منه تاجًا ووضعوه على رأسه. فهذا العُنّاب شاهدٌ على عذاب المسيح. ومن هنا قوله: 

"وأبطال الرواية شوّهوا وجه المسيح/ ولوّثوا قدسية العذراء" (ص 8)

      لقد اختار الشّاعر المسيح لأنّه تعذّب، ضحّى وخلّص البشر، هو رمزٌ للتضحية والخلاص، والبدويّ/ الشاعر يطمح إلى خلاص الفلسطينيين من المؤامرات ومن الاحتلال. 

     وكأنَّ الشّاعر لا يريد من هذا البدويّ أن يضيّع الوقت، بل عليه أن يلتفت إلى أولئك الذين شوّهوا وجه المسيح وإلى المغول المتمترسين خلف القلاع، وأن ينظر إلى أسباب الجهل والظّلام في البلاد.

     وهذا يبرّر استبدال الشّاعر لاحقًا كلمة "العُنّاب" بلفظ "البدويّ"، حيث أكسبه الدّلالات الخاصة بالعنّاب، يقول:

"لا وقت للبدويّ كي يلقي قصيدتَه

أمام الخيلِ والوديانْ..

ولا وقتَ لي لأنامَ ملءَ سريرتي 

واغطَّ في النسيانْ" (ص 13)

     كذلك، جاء أنَّ الجنود قديمًا أحاطوا معسكراتهم بالعُنّاب، حيث اعتُبر سدًّا منيعًا لمعسكراتهم، يمنع النّاس من الاقتراب منهم اجتنابًا لشوكه. فحمّل الشّاعر هذا المعنى للبدويّ كذلك، البدويّ هو عنّاب الأرض، حارس الأرض، ومن هنا قوله:

"يا بحّارة الصّحراء:

قلبي حارسٌ لنشيدكم

وأنينِ صَهوتِكم

وطُهرِ صلاتكم" (ص 16)

***

لقد استحضر الشّاعر رواية المسيح وما تعرّض له من عذابٍ من قِبل اليهود دون أن يستسلم، فقد أدماه الشّوك وحمَل صليبه، ضحّى بنفسه من أجل أبناء أرضه، ثم كتب قيامته، فخلّص نفسه وبني البشر.

إنَّ موتيف التضحية الذي وظّفه الشّاعر في أكثر من صورة تجلّى في عدة مواضع من خلال بعض الرموز الخاصّة بالدّين المسيحي.

     أراد الشّاعر بذلك توجيه رسالةٍ إلى البدويّ، إلى الشّعب الفلسطيني، لتعزيز عزيمته من جهةٍ، ولإشعال نار النّضال في القلوب التي باتت تبكي على الأطلال وتكتب المراثي من جهةٍ أخرى. وكأنَّ به يقول للبدويّ: قم وانهض رغم الأغلال، احمل صليبَكَ رمز خلاصك، وسِرْ، امشِ درب الآلام لتصل إلى الخلاص. لا تقف عند الأطلال أو عند الخيام، فكلّ ما في الأرض لكَ، وأجراس المسّرة في الأعالي "ترفع للنخيل غناءه الجبليّ،/ كي ترتّل ما تيسرَ من مواجِدِها الدّفيئة". (ص 16)

     لقد وظّف الشّاعر عدّة دلالاتٍ أخرى مستقاة من الدّيانة المسيحيّة، نحو: المذبح والميلاد، ليغذّي الفكرة الجوهريّة وهي الانتماء وروح النضال والتضحية من أجل الخلاص من العَذاب. وبهذا تتجانس الوحدات الصّغرى التي وظّفها الشّاعر في خدمة هذا التّناصّ وتتكامل معًا في ظلّ الوحدة الكبرى، نقصد القصيدة كلّها.

 

التناصّ الأسطوري: أسطورة الفينيق

الفينيق أو العَنْقاء (وسُميت بكذا لأنَّ في عنقها بياض كالطوق) هي طائر خياليّ جاء ذكرها في قصص السندباد، ألف ليلة وليلة والأساطير العربيّة القديمة. وقيل إنَّ العنقاء تترك موطنها كلّ ألف عامٍ وتسعى صوب فينيقيا، تختار نخلةً شاهقةً تبني لها عشًّا هناك ثمّ تموت بالنّار، ويخرج من رمادها مخلوقٌ جديدٌ، عنقاء جديدة، وتعود إلى موطنها الأصلي. اختلفت الروايات في هذا الطائر، إلا أنَّها أجمعت بأنّه يجدّد نفسه بنفسه. 

     وقد جاء ذكره في قصيدة "طيور الفينيق"، المهداة إلى كفر قاسم- حاضنة الشهداء. فالشّهداء لا يموتون بل ينتشرون في الأرض وتبقى ذكراهم في كلّ مكان؛ من النّار، من الرّماد، من الموت تُزهر الحياة، شهداء كفر قاسم كطيور الفينيق لا يموتون إنّما يولدون من جديد.

أراد الشّاعر من خلال طير الفينيق الإشارة إلى التجدّد والاستمراريّة.

 

إنَّ استخدام أسلوب التناص بأنواعه جعل النّصّ نصًّا مفتوحًا إذ يقوم على معارف يخزّنها الشاعر. وهذا يدلّ على سِعة اطّلاع المبدع وثقافته الواسعة. 

     تجدر الإشارة إلى براعة الشّاعر في حُسن استخدام النصّ المتناص في تشكيله للنّصّ الجديد، وتوظيف بعض رموزه في جسد القصيدة لإثراء النّصّ من جهةٍ، ولإحالة المتلقي إلى النّصّ الغائب من جهةٍ أخرى. 


 

  • الذاكرة كمكان للحضور

الذّاكرة هي المكان الذي تختبئ فيه الذّكريات، الأفراح والأوجاع، مكانٌ يسكن فيه الغياب فلا يغيب.

وفي ذاكرة شاعرنا ذكرياتٌ، أحداث وأعلام ضحّوا من أجل الوطن، رحلوا دون أن يغيبوا. وممّن سكن ذاكرته:

 

  1. الطفل الشّهيد

للطفل الفلسطينيّ دورٌ أساسيٌّ في تشكيل القصيدة الفلسطينيّة الوطنيّة وذلك لمساهمته في النضال والتصدّي لرموز الاحتلال. 

     استحضر الشّاعر في هذا الديوان صورة طفلٍ استُشهد: فارس عودة. طفل فلسطينيّ تصدّى بحجارته الصّغيرة لدبابةٍ إسرائيليّة، فقُتل برصاص قوّات الاحتلال، وذلك في هبة أكتوبر عام 2000، وقد أثارت هذه الحادثة وصورة الطفل المجتمعَ الدوليّ.

     فارس عودة، طفل فلسطينيّ رسم بصورة استشهاده القوّة، الإرادة والإصرار. هذا الطفل الذي غيّبه الاحتلال يمثّل صورة الطفل الفلسطيني المنشغل منذ صغره بتحرير بلاده، الطفل الذي يقاوم الاحتلال وكأنّه يَعِد بمستقبلٍ أفضلَ.

     إنّه "ولد المعجزة" على حدّ قول الشّاعر؛ وولد المعجزة هو أحد المصطلحات الخاصّة بالطفل الفلسطيني التي اكتسبتها القصيدة الفلسطينيّة، إلى جانب مصطلحات أخرى، هي: طفل/ أطفال الحجارة، الطفل المعجزة، الطفل الصّامد والطفل الجبّار.

     قدّم الشّاعر من خلال صورة الطفل الشّهيد صور المعاناة اليوميّة للطفل الفلسطيني وصور الطفولة المفقودة. كما أشار إلى المعاناة النفسيّة للطفل: "أيّ قنبلةٍ ستفجّر رأس الفتى..." (ص 67).

     هذا الطفل مُثقلٌ بأسباب الحزن، وكذا سرب الحمام، رمز السّلام، حزينٌ على شرفات النّوافذ، ينتظر الحريّة ويحرس قلب المدينة. هذا الحمام الحزين هو دعوة للالتفات إلى الشّعب الفلسطيني من أجل التخلّص من الحزن ومن الاحتلال.

إنَّ استحضار الطفل الشّهيد تجسّد ثنائية الحضور والغياب أو كما أسميناها التجلي والخفاء في القصيدة، أبرزها قوله:

قُتل، استُشهد إلا أنّه مزدحمٌ بالحياة. (ص 71)

 كما جمع بين ثنائيات ضدّيّة أخرى مستخدمًا أسلوب الطباق، الفنّ البلاغيّ البديعيّ الذي يقوم على التضادّ، نحو قوله:  

وهذا الولد إنما هو "ولد الرّيح والظمأ- الجوعِ/ والبردِ والحرّ" (ص 70)

     لقد خصّص الشّاعر للطفل مساحةً في قصائده، ففي قصيدة "سَلِمتْ يُمناك" يرصد الشّاعر معاناة الطّفل الفلسطيني وانشغاله في قضيّته في مواجهة العدو، الطفل الذي يملأ صوته الصّارخ فراغَ الكون، يسدِّد حجرًا في مرمى القتلة ويُشعل نار غضبه لِما يرتكبون. يثني الشّاعر على نضال الطفل الفلسطينيّ مؤكِّدًا أنّ حجارته عَلَمٌ لا يغيب وكذا دمه، إنّهما ذاكرة تحفظ كلّ وصايا

الشّهداء. ويُحيّي الشّاعر الطفل الفلسطينيّ الطالع من الخيمة، فبه غاب الكُفر وسطع محيّاه بالإيمان، فهذا الطّفل المناضل هو المبصر أمّا الزّمن فأعمى.

     جسّد الشّاعر من خلال هذه القصيدة ثنائيات عدّة، نحو: الموت والحياة، حضور الشّهداء في الذاكرة، الـمُبصر والأعمى.

     إنَّ استخدام صيغة المضارع يمنح النّصّ الحركة الدائمة والتي تشير إلى استمراريّة الحال، إلى استمرار الاحتلال ومعاناة الأطفال وتحدّيهم لما يواجهون. إنَّ الصّور الشّعريّة الحركيّة في هذه القصيدة تكشف عن مدى العلاقة بين الطّفل وما يدافع عنه. 

 

  1. فدوى طوقان 

استحضر الشّاعر فدوى طوقان الغائبة بل الحاضرة أبدًا، جاء في مطلع القصيدة:

"وحدكِ الآنَ،

لا

لستِ وحدكِ" (ص 44)

تعيدنا هذه المفردات إلى ديوانها الأوّل "وحدي مع الأيّام".  

     في هذه القصيدة يخاطب الشّاعر فدوى طوقان مؤكدًا لها البقاء على العهد، وأنّ أشعارها في كلّ مكان. ويقول لها بحنينٍ ممزوجٍ بالحزن: 

"تفْتَتِحينَ البياض على أفقٍ/ يتراوح بين بكاءين" (ص 45)

فيجمع بذلك بين اثنين: الحضور والغياب، البداية والنهاية، بكاء الحضور وبكاء الغياب. فهذه الحياة تسير بين هذين القطبين.

يعترف الشّاعر بالحزن ولا يعترف بالغياب، فمفارقة الجسد لا تعني الغياب، يقول: 

"لم يبتعد صوتُك المشتهى عند مفترق العمر،

لم أبتعدْ عن حزني" (49- 50)

ويُثبت حضور الشّاعرة فدوى طوقان من خلال صورةٍ بيانيّةٍ مختزلةٍ اختتم بها القصيدة:

"يجلسُ الموتُ في حالةِ القُرفُصاء

بينما..

يقف الشِّعرُ في حالةِ الكِبرياءْ." (ص 51)

أراد بذلك أنَّ الشّاعرة فدوى طوقان حاضرةٌ، خالدةٌ بفضل شعرها، فالأثر الأدبيّ هو الخلود الحقيقي.

     تجدر الإشارة إلى أنَّ الشّاعر انتقل من أسلوب الخطاب إلى صيغة الماضي، يقول: "كنتُ أزخرف غيم البدايات وحدي"؛ "كُنت وحدي" (ص 50). يحمل هذا الانتقال مفارقة، فهذا الشّاعر الحاضر في الحياة يشعر بالغربة والوحدة، أمّا فدوى الغائبة عن المكان فهي حاضرة. تطرح هذه الفكرة ثنائية الحاضر الغائب والغائب الحاضر، وهذا يدلّ على مدى حنين الشّاعر لفدوى طوقان.

 

  1. عزَّت الغزاوي

استحضر الشّاعر الكاتب الفلسطيني الراحل عزَّت الغزاوي (توفي 4/4/2003)، ابن قرية دير الغصون قضاء طولكرم، وكان قد كتب عن معاناة الشّعب الفلسطيني، واعتقلته القوّات الإسرائيليّة عدّة مرّاتٍ بسبب نشاطه السياسيّ المناهض للاحتلال. حصل على جائزة ساخروف لحرية الفكر عام 2001، وجائزة حرية الإبداع النرويجيّة عام 1994.

 من خلال هذه الشّخصيّة يستحضر الشّاعر الفكر الحرّ الذي بات غائبًا في بلادنا.

 

  • الرمز

إنَّ القصيدة القناع تقوم على الرمز ولكن ليس كلّ رمزٍ قناعًا، وكذا الأمر بالنّسبة للتناصّ. يشمل الدّيوان على الكثير من الرموز سنتطرق إلى أبرزها فقط:

  1. الماء

يتجلّى الماء في أكثر من صورة، منها: المطر، الدّموع، الأنهار والبحر. ولا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ الماء بصوره المختلفة، يشير في عدّة مواضع في الدّيوان إلى القضية الفلسطينيّة، إذ كان البحر وسيلةً لتهجير الفلسطينيين (منها على سبيل المثال قصيدة "حالات البحّار العاشق").

    لهذا، تمنّى الشّاعر في قصيدة "المائي"، والتي تناول فيها القضية الفلسطينيّة بأبعادها السياسية، الاجتماعيّة والاقتصاديّة، أن يكون المائيّ يرفُلُ بالنّدى والرّيح والطّير .. كي يرسُمَ صورةً منسيّةً للبحر (ص 23).

وكأنّه يريد أن يغسل الزّيْف ويستعيد الصورة الفلسطينيّة، تاريخ الشّعب الفلسطينيّ. 

 

  1. الحجر

يُعتبر الطفل الفلسطيني وسلاحه، الحجر، رمزًا للنضال والثورة. لقد اقترن الطّفل والحجر بالنّضال. والطفل في القصيدة الفلسطينيّة لا يبحث عن الأمن والأمان إنّما هو مناضل. وقد يتّخذ الحجر الذي يشكّل رمزًا للنضال والكفاح والمقاومة معنى آخر يقوم على الهدوء والراحة، نحو ما جاء في قصيدة "وجه الغزالة" (المهداة إلى فارس عودة):

"ولدٌ معجزة

عاد من نومه تحت ظلّ الصفيح

وأودع أحلامه غيمه 

وعصافير تعبر صوب المخيم". (ص65)

إلا أنَّ الهدوء والنوم الهادىء لن يتحقّقا إلا بزوال الاحتلال:

"ليس يأخذني النّوم من يقظة السّيف،

لا وقتَ للنّوم". (ص 67)

هذه الحجارة هي الوسيلة للحياة، بها ينبتُ الأمل: "تنبُت أزهارنا الحجريّة" (ص 70).

 

في الختام

تنطلق أشعار عبد النّاصر صالح من انتمائه لوطنه، كيف لا وهو الشّاعر المناضل؟!

     الوطنيّة عند عبد النّاصر صالح لم تكن شعارًا يلوّح به، بل انطلقت من فكرٍ وممارسةٍ، فناضل بالفكر، بالجسد وبالقلم. ويتجلّى ذلك في نشاطه السياسيّ وفي شعره الذي لا يخلو من الوطنيّة والانتماء. كرّس أشعاره لوطنه ولقضايا شعبه وحمّلها بالأمل من أجل التحرّر من الاحتلال. 

     الوطنيّة تعني الانتماء، هي العلاقة التي تربط الفرد ببيته وتقوم على الحبّ، ولا يمكن لها أن تكون إلا بالتضحية. بهذه المفردات غذّى الشّاعر قصائده مستعينًا بأساليب فنّيّة مختلفة وبدلالاتٍ أخرى أزهرت في حقل القصيدة وفي ظلّ الدّيوان.

     وقف الشّاعر أحيانًا بين زمنين غائبين هما الماضي والمستقبل، واشتعل الاغتراب والحنين في قلبه. إنَّ الغياب بأشكاله المختلفة التي تجلّت في الديوان تدخل في تشكيل هُوية الشّاعر.

     مدائن الحضور والغياب هي مدائن تقطن قلب الشّاعر، تتأرجح بين التصريح والتّلميح، بين الحضور والغياب، وقد طعّم الشّاعر النصّ بدلالات رمزيّة؛ فالنّصّ لا يقول كلّ شيء إنّما يخبّىء أكثر مما يُظهر، علينا ملء الفراغات وسدّ الفجوات التي تركها النّصّ. كما كَثَّف ملامح التجلي والخفاء بواسطة أساليب بلاغيّة عديدة، نحو: الطباق، الاستعارات والكنايات.

     في هذا الديوان سكب الشّاعر رؤيته وفكره بألفاظٍ جزلةٍ، بسلاسةٍ وانسيابيّة، بأبجديّةٍ يسكنها الاغتراب، الحزن، الشّكوى والأمل. في هذا الدّيوان يسكن ألمٌ، دمعةٌ وجبال حنين تعتليها الهموم. الحنين إلى ماضٍ سرق منه الزمان مَن أحبّ، الحنين إلى حاضر أجمل.

     في هذا الدّيوان، صوت شاعرٍ أتعبته الحياة، مزّقه الموت والغياب، فحمل حزنه ومضى يكوي الجراح، يمسح الدّموع عن لغته وينهض معها، فلا يجلس عند أطلال الحزن ولا يكتب قصائد رثاء، بل يشحن صوره بالطاقة وبالأمل لأنه من أبناء النّور. صوتٌ يتعانق فيه الألم والأمل في بلدٍ جريحٍ، بلد يحرقه أنين الوجع وتضَمِّده رائحة الأمل. 

     بين التجلي والخفاء، بين الحضور والغياب، عُلِّقت لغة الشّاعر، صوَرُه الفنيّة ودلالاته المتشابكة في جسد القصيدة. بين التجلي والخفاء دقّت نواقيس الحنين، الحنين إلى أناسٍ رحلوا دون أن يغيبوا، إلى أناس يسكنون في مدائن الغياب ولهم في نفوسنا مدائن الحضور الأبديّ. مدائن رحلَت عنا إلينا، غابت عنا وأشرقت في عَيْنَيْنا، فكان الانفصال والاتّصال. مدائن حملت في كفيها شوق الحضور وحنين الغياب.

     وبين التجلي والخفاء تقف الكلمات الجريحة على أصابعها، تطلّ علينا وفي فمها خيوط نورٍ خجولةٍ، تتأرجح على حبال الموت والحياة، وأجراس المسرّة تستحمّ بدموعٍ تشتعل بالحرقة وبالرجاء.

(حيفا)

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب