"الحياة لذات الحياة"
كما تشبث فلورينتينو بحبّه لفيرمينا دازا في رواية "الحب في زمن الكوليرا" للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز الحائز على جائزة نوبل، حتّى الممات، وعمل كل ما باستطاعته ليعيد حبها الى قلبه رغم زواجها من غيره، سأبقى أحب الحياة إذَا مَا استطعت إِلَيْهَا سَبِيلا.
إنني أعارض وبشدّة رأي المجتمع بأن الحبّ للشباب فقط. ناهيك عن الصعوبات الجسدية للحب عند كِبار السن! وإذا كان هناك الحب لذات الحب فهنا أحب الحياة لذات الحياة في المحيط والجو المعقد الذي خلقته جائحة الكورونا - كوفيد 19.
كان بإمكاني أن أكتب الحب في زمن الفيس بوك أو الانستغرام أو الواتس اب أو التويتر، أو، أو وَ أو... لأننا لم نشعر قبل الكورونا بتهديد وجودي مكشوف وناجز مثلما ترهقنا به هذه الجائحة. حتّى أنني رحت أوسوس كالمجنون ماذا جرى للعالم العاجز عن كشف سرّ خفي يقف ما وراء هذه الجائحة الجاحدة غير البيّنة؟ أيصل الوضع بالإنسان أن يكون على حافة العجز والتسليم بالحال وكأن لا جدوى من المقاومة؟ فأعود من وساوسي واثقًا أنه كما استطاع الإنسان عبر التاريخ النجاة من كل الأزمات والمصائب والأوبئة والحروب والآفات، سينجح حتمًا بفك لغز الفيروس اللعين. مع أن البشرية تدفع ثمنًا غاليًا حتى الآن، وستدفع مستقبلًا ثمن مواجهاتها للكورونا والتغلب على هذا "القاتل الصامت" كوفيد 19، ومواجهة كل الإرهاب الصحي البيولوجي إذا صح القول والتأكد لاحقًا من ادعاء أن الفيروس من صنع الإنسان الخبيث الشّرير.
وما يقف اليوم كتحدٍّ أمام البشرية هو أن تتوحد فعلًا، وأن ترمي جهودها...كلّ جهودها من أجل القضاء على هذا الفيروس. ولعلّ أكبر مثال على بدء هذا التضامن ما تقوم به الصين وروسيا وكوبا وحتى إيران (رغم العقوبات المفروضة عليهما من العم الكبير سام) من جهود أممية لمساعدة الدول المأزومة بهذا الفيروس، وقد ضاقت الدنيا في وجوههم في توفير الإمكانيات والمساعدات الطبية والاقتصادية والنفسية لشعوبها لعبور الازمة.
وتشتد معضلة وغموض الفيروس وتفشيه السريع كما يتضح من توجيهات وزارات الصحة في كل العالم حتّى سارت للاستنجاد بكل قوى الشرطة والجيش لإيقاف حركة العالم صارخين "خليكو بالبيت". وبقيت في البيت ملتزما بالتوجيهات، حتّى استمر الحجر كأنني في حصار يحاصرني عدو معروف يقتحم أجساد البشرية اسمه فيروس الكورونا يجتاح ويهاجم وينتقل عبر الإنسان.
وفي هذه الأجواء تجبر نفسك العودة إلى طبيعتها. بهدوء تام لتمارس برنامج يومك المعتاد في حيز ضيق هو بيتك الذي كنت له عابر ليل فقط تأكل وتشرب وتنام به وتستصعب البقاء فيه زمنا طويلا، اللهم ان عدت ليلا لتستعرض يومياتك اما على "البيلفون" او متجوّلًا بين ايميلات حاسوبك.
ويبدو أن في زمن ووقت الأزمات تتدفق الإبداعات من عقول الحكماء والعلماء والأدباء والشعراء والنشطاء السياسيين والاجتماعيين والثقافيين والرياضيين. وأنت ما زلت في بيتك تتمسك بأنباء وأخبار التلفاز اللعين، فتنهال عليك رزم التوجيهات كيف تمضي وقتك في الحجر القسري وتبقى تلهث كي توائم رغباتك وميولك لما يعرض من برامج حتى تقتل الروتين المتفشي في فضاء يومك غير الاعتيادي.
في البيت بدأت أفكر بجدية وأبعث الرسائل إلى نفسي -أي مني وإليّ- وتذكرت حينها رسالة تشيخوف إلى العجوز سوفورين يقول فيها " ليس هناك أكثر إشاعة للملل واللاشاعرية من الصراع الواقعي في سبيل الوجود، والذي يدمر بهجة الحياة"، فهل بأيدينا نحن نعمل على تدمير واقعنا اذا ثبت ان الفاعلين بنشر الفيروس حقًّا هم دول أو حركات مهووسة بإنقاذ العالم من الأشرار أمثالنا؟
وقال أيضًا "ليس هناك ما يقبض النفس ويخنق ما هو شاعري مثل الكفاح المضني من أجل البقاء فهو يخنق الفرح ويجمد المشاعر ويقمعها".
وقال تشيخوف كذلك "الشمس لا تشرق في اليوم مرتين والحياة لا تعطى مرتين، فلتتشبث بقوة ببقايا حياتك ولتنقذها".
فأنا باقٍ وسأنقذها معكم وسيأتي الحبّ ويكون لحبي بقية..
(يتبع)

.jpg)





.png)


.png)