الرواية الفلسطينية – النكبة وصدمة جيلي الطفولة والشيخوخة (1)| د. رياض كامل

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

مقدمة

تتغيا هذه المقالة أن تبحث فيما قدمته الرواية العربية الفلسطينية حول تأثير النكبة في جيلي الطفولة والشيخوخة، ودور العجوز وما آلت إليه أحواله، ودور الطفل وما انتابه من مشاعر الخوف والقلق، وأبعاد ذلك على مستقبله، وطريقة مواجهة كل منهما هول هذه الصدمة وردود أفعالهما. للرواية القدرة، على اختراق المشاعر، وعلى الخوض في مواضيع وقضايا يتعذّر على المؤرخين أن يدخلوها. يسعفها في ذلك توظيف تقنيّات ووسائل فنية تمكِّنها من تحريك العقل والعاطفة معا، ومقاربة مواضيع أكبر صدى وتأثيرا، وأكثر عمقا في النفس البشرية من الدراسات التاريخية والاجتماعية. فكتُب التاريخ لا تبحث في شعور المناضلين والمدافعين عن حقوقهم، على سبيل المثال، ولا تتحدّث عن طفل فقد عائلته وبيته واضطُرّ إلى هجران مدرسته وأترابه ومراتع طفولته، ولا عن عجوز هرمَ وفقدَ أجمل سنين العمر وهو ينتظر العودة إلى وطن اقتلع منه، ولا تتحلى الدراسات الاجتماعية بنفس القدرة على الكشف عما يمور في أعماق النفس عبر تجنيد تعدّد اللغات وتعدّد الأصوات.

لقد تحدثت كتب التاريخ عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتصدّى الباحثون الفلسطينيون، في شتى المجالات، للرواية الإسرائيلية، وحاولوا تفنيدها وبيّنوا وجهة النظر الفلسطينية، وقامت دراسات اجتماعية بتقصي أحوال الناس المهجَّرين والمشتَّتين، لكنها كلها لا تستطيع أن تدخل في تخوم العاطفة التي يتخصّص بها التخييل الروائي، الذي من شأنه أن يدخل في تفاصيل دقيقة جدا، وفي وصف تبدّلات المكان، وما رسمه الزمن من أخاديد في وجه عجوز، وفي وصف فاجعة طفل يفقد بيته وموطنه ويسير في رحلة التهجير والتشتّت والمعاناة مثل أي رجل بالغ.

لقد أصابت النكبة كلّ الأجيال وكلَّ أفراد العائلة الفلسطينية، دون أن تقتصر على الشيخ والطفل، بل لقد أصابت نيرانها عصب الحياة العائلية برمّتها، دون أن تستثني أحدا، وامتدّت لتصل الجيل الثاني والثالث. لكننا اخترنا الحديث عن هذين الجيلين نظرا لما لهما من خصوصية وفرادة، فصدمة الشيخ العجوز من النكبة لها وقع كبير في النفس، وتأثير بالغ الأثر فيه وفيمن حوله، فقد قضى حياته الطويلة فوق تراب أرضه، وعاش من خيراتها، وأطعم من محصولها أولاده وأحفاده، وبنى بيتا وعائلة فوقها، وحفظ كل قطعة أرض في قريته، وميزات كل منها دون الأخرى، فارتبط بها ارتباطا عاطفيا عميقا. أما العجوز ابن المدينة فهو الذي حفظ كل شارع وكل زقاق فيها، وميّز بين سكان حاراتها وعرف انتماءاتهم الطبقية والفكرية، وزار مقاهيها ومرافقها فانغرست فيه كل بقعة منها بعد أن أثّر فيها وأثّرت فيه لأنها المكان الذي يُكسبه الأمن والأمان. لقد كانت النكبة بالنسبة لأبناء هذا الجيل هي الصدمة الأقوى في حياتهم وهم يشهدون كل ما بنوه ينهار أمام عيونهم، فيما يعبث الزمن بآخر ما تبقى لهم من عظام، ومع ذلك لم ينطفئ قبس الحلم بالعودة.

أما الطفل فهو ذاك الصغير الذي لم ير من الدنيا بعدُ إلا سحر الطفولة وجمالها، وهو الذي يسرح ويمرح في صحن الدار وفي الحقول وفي ساحات القرية وأزقتها يقضي فيها سحابة يومه، فإذا به، بين ليلة وضحاها، يفقد طفولته وتنهار كل أحلامه أمام عينيه، ويحمل بقجة فيها بعض ملابسه وحاجياته يقطع السهول والجبال سائرا نحو المجهول، فيما يرى بيته يبتعد عن ناظريه شيئا فشيئا حتى يختفي نهائيا، فلا تبقى منه سوى الذكريات. تنقطع علاقة الطفل بأترابه وبمراتع طفولته وتُبتر كما تبتر الساق من الكتف، وهو الذي ما زال طريّ العود غير مهيأ بعد لمواجهة الدهر وبلاياه. ينهار عالمه كله كما تنهار البيوت إثر زلزال مروّع، ويتغلغل الحزن والأسى في حناياه يرافقانه أبد الدهر.

كُتبت العديد من الأبحاث حول النكبة وتأثيرها في الأدب والفن، ويبقى هناك العديد من الزوايا التي يجب معالجتها في ضوء انتعاش الرواية العربية الفلسطينية، وازدياد وعي الباحثين بأهمية كشفها وإبرازها. لقد أصابت النكبة، كما أشرنا أعلاه، كل أفراد العائلة، ولم تفرّق بين جيل وآخر، وامتدّت صدمتها واستطالت حتى وصلت الجيل الثالث من أبناء الشعب العربي الفلسطيني الذي لم يكن الضحية المباشرة لها، لكن يبدو أن وجع الشتات والفرقة وضياع الأرض قد انتقل تأثيره من جيل لجيل، ورسخ في الذاكرة وتجذّر عميقا، رغم موت الغالبية العظمى ممن عايشت النكبة وذاقت مرها.

لم يكن اختياري دراسة دور الرواية الفلسطينية في ترسيخ وجع النكبة لدى الطفل والشيخ عفويا، فقد كان ذلك حديث الناس الذين حملوا بقجهم وأطفالهم وتركوا أغلى ما يملكون من متاع وبيوت وعقارات هربا من الموت، وبحثا عن الحياة، بعيدا عن البيت والوطن، وكان الحديث عن الشيخ والطفل يأخذ منحى آخر نتيجة حساسية هذين الجيلين. وطالما تساءلت عن مشاعر هؤلاء الهاربين من الموت نحو الشتات والفرقة، وعمّا راودهم من أفكار هم وصغارهم أثناء الهجيج وبعده. ولما تابعت ما يصدر من روايات فقد وجدت أن مرور سبعة عقود ونيف على النكبة لم يطفئ وجعها وألمها، وأن الروائيين ما انفكوا حتى اليوم ينهلون من ألم هذه الصدمة. فقد عمل السابقون على نشر الوعي من خلال الأعمال الفنية المتنوعة؛ رسما ونحتا ومسرحة وتمثيلا ورقصا وغناء، وكان للسينما دور هام في نشر الوعي بهول الفاجعة اعتمادا على ما تقوله بعض الروايات، واعتمادا على ما تناقلته الأفواه في المجالس واللقاءات داخل البيوت وخارجها. فكيف ساهمت الرواية في ترسيخ الوعي العام، وكيف صوّرت شيخَ النكبة وطفلَها؟

 

//تمهيد

تقوم الرواية العربية الفلسطينية بدور هام في تفنيد الرؤية الصهيونية، وتعمل على نشر الوعي لدى القارئ الفلسطيني والعربي والأجنبي، إذ يستطيع المتتبّع أن يرى بوضوح سعي الروائيين الفلسطينيين إلى إيصال رسائلهم إلى كل الجهات، عبر توسيع النشر في أقطار عربية متعددة، وعبر الترجمات إلى لغات عدة، بل يمكننا القول إن بعض الروائيين كانوا على وعي تام بأهمية مخاطبة الأجنبي حين كتبوا بعض إنتاجاتهم باللغة الإنجليزية منذ جبرا إبراهيم جبرا وروايتيه؛ "صراخ في ليل طويل" (1946)، التي أعاد كتابتها باللغة العربية سنة 1955، ورواية "صيادون في شارع ضيق" (1960) التي ترجمت هي الأخرى إلى العربية سنة 1974. وهناك اليوم من يكتب الرواية بلغات أجنبية نذكر منهم الروائية الفلسطينية سعاد العامري التي نشرت روايتها "شارون وحماتي" بداية باللغة الإيطالية (2003)، ثم بالإنجليزية (2005) وبعدها بالعربية (2007) وبلغات أجنبية عدة، ورواية "بدلة إنجليزية وبقرة يهودية" التي نشرتها بداية باللغة الإيطالية (2020) ثم بالإنجليزية قبل أن تقوم بنشرها باللغة العربية (2022). وهناك بعض الأدباء والباحثين والروائيين من أصول فلسطينية، ممن ولدوا في دول أجنبية، أو ممن يعيشون هناك، يساهمون عبر رواياتهم ودراساتهم في مخاطبة القارئ الأجنبي بلغات تلك الشعوب.

شغلت الرواية الفلسطينية، كما بينا في مقالنا "اللغة، المكان والزمان في الرواية الفلسطينية"، بأهم الأحداث في تاريخ فلسطين، بدءا من العصر العثماني وحتى اليوم، وكشفت عن الوضع السياسي والفكري والاجتماعي لكل حقبة. يرى الدارس أن العائلة الفلسطينية في العصر العثماني كانت تعيش حياة شبه مستقرة؛ لها بيتها وحقلها وخيلها وماشيتها، تأكل وتشرب وتقيم الأفراح، وإن كانت لا تنعم بالهدوء والسكينة، كما يتجلى في روايتي "قناديل ملك الجليل" (2012) و"زمن الخيول البيضاء" (2007) للأديب إبراهيم نصرالله، وفي رواية "راكب الريح" (2016) للروائي يحيى يخلف التي تعكس صورة للفتى الفلسطيني القادر على اجتراح المعجزات وتحقيق الأحلام والوصول إلى البعيد، والتصدي للرجعية الفكرية المتمثلة في الإنكشارية، من الداخل، وللمحتل الغريب القادم من الغرب، ممثلة بنابليون وحملته على الشرق العربي (1798) وارتكابه مجزرة في يافا، لم يتحدث عنها التاريخ إلا بشكل عابر. ومع كل هذه البلايا التي جرّبها الفلسطيني وخبرها، وبالرغم من الغبن والظلم في ظل هذه الدولة إلا أنه لم يفقد الوطن، ولم يُهجَّر، ولم يترك بيته وموطنه.   

لم ترسم هذه الروايات التي دارت أحداثها في العصر العثماني صورة إيجابية للعثمانيين في تعاملهم مع العرب بدءا من رواية "الحياة بعد الموت" (1920) للكاتب إسكندر الخوري البيتجالي (1888-1973) التي تبين الظلم والغبن الذي لحق بأهل فلسطين في زمن العثمانيين وفي زمن الانتداب البريطاني، الأمر الذي يبرز بوضوح في رواية "مفلح الغساني، أو صفحة من صفحات الحرب العالمية" (1922) للكاتب الصحفي نجيب نصار (1865-1948). ولما دخل البريطانيون تبدّلت حياة الفلسطيني بصورة جذرية؛ فقد بدأ يستشعر خطر الاقتلاع في ظل تواطؤ البريطانيين مع اليهود الذين يقيمون المستوطنات داخل فلسطين في ظل تحقيق وتنفيذ نتائج اتفاقية سايكس- بيكو (1916) وتصريح بلفور (1917)، ما أدى إلى اشتعال المواجهات في أكثر من موقع حتى كانت المواجهة الأهم مع الانتداب البريطاني في "الثورة الكبرى" (1936-1939). كشفت الروايات العربية الفلسطينية التي تناولت هذه الفترة مساوئ الاستعمار البريطاني، وبيّنت بداية التغيير في البنية السكانية وتزايد عدد المهاجرين اليهود تمهيدا لوقوع النكبة.

إن الصدمة الرئيسة التي زعزعت كيان الفلسطيني أكثر من غيرها كانت النكبة، التي ما زالت تُحرِّك الكثير من أحداث الروايات حتى تلك التي تتناول قضايا يومية معاصرة، فيعزو كثير من الروائيين هموم الإنسان الفلسطيني، حيثما كان، إلى عملية تهجيره وفقدانه البيت والوطن، وتشتّت أبناء العائلة الواحدة وتشقّقها.

أطلق الباحثون والدارسون على ما حدث مع الشعب الفلسطيني سنة 1948 "النكبة" وهي كلمة تحمل من المعاني ما يكفي كي تدلّ على قسوة المأساة وحدتها. وأطلقوا على ما حدث سنة 1967 "نكسة"، وهي كلمة غير كافية لتدلل على هول ما حدث، وهناك من أطلق على هذا الحدث اسم "هزيمة"، وهي كلمة أكثر دقة وصدقا في تسمية ما كان. وفي الحالتين هناك مواجهة بين جهتين؛ الأولى منتصِرة، والثانية منكسِرة. كانت النكبة الصدمة الأكبر في مجرى حياة الفلسطيني، وأي صدمة أخرى لاحقة لم تكن آثارها وتبعاتها بحجم الأولى، بل قد تكون من نتاجها، ولذلك فهي ما زالت تستأثر بالدور الأكبر وبالحيز الأكبر من مجريات أحداث الرواية العربية الفلسطينية.

من شأن الصدمة أن تسبب لصاحبها رد فعل ما، فهي تخترق نفس الإنسان وتغوص فيه وتؤرّقه وترافقه فترة طويلة من الزمن تكاد لا تبرحه، وإن أفلت منها فإلى حين، ثم ما تنفكّ تثور المشاعر وتهيج. وقد تؤدي، في بعض الحالات، إلى الاستسلام لليأس، وإلى الاكتئاب الذي قد يرافق صاحبه طوال العمر، وهناك من ينجح في التخلص من الاكتئاب بعد فترة من الزمن قد تقصر وقد تطول. إن صدمة فقدان المكان هي الصدمة الأصعب التي يتواجه معها الإنسان، وقد جرّبها الفلسطيني؛ فقدَ البيت مكان الأمن والأمان، وفقد الأرض مصدر الرزق، وفقد الأهل مصدر الدعم، وفقد الجيرة والبيئة التي اعتاد عليها، وانتقل إلى بيئة غريبة يبحث فيها عن أمر واحد ووحيد؛ توفير مصدر رزق يوفر له ولعائلته لقمة العيش. يكبر الطفل وهو يلوك مرارة التجربة، ويكبر الأب ليصبح شيخا هرما يعيش الذكريات التي يرويها للقريب والبعيد، ويحكي تفاصيلها للصغار، يشرح فيها كيف كان ينعم بالحياة وهو يفلح الأرض أو يعمل في ورشة عمل صغيرة، يبين من خلال عرض ذكرياته أن الذلّ قد فُرض عليه.  

أصيب أهل فلسطين بالصدمة، فكانت فاجعة يصعب تصديقها واستيعابها. لقد اعتقدوا، في البداية، أنها مجرد حدث عابر، وأنهم لا محالة عائدون، وأنّ غيابهم لن يطول، لكن سرعان ما تكشفت الأمور وتبيّن أن الأرض وما عليها قد ضاع فعلا. فكانت الرواية إحدى تلك الوسائل التي رسمت هذا الواقع وصوّرته بكل مآسيه وأبعاده وبيّنت معنى التشتّت والتشرذم والتشقّق والتهجير، وسلّطت الضوء على كل شرائح المجتمع الفلسطيني، سواء من تشتّتَ أو من بقي في الوطن يواجه واقعه الجديد الذي حوّله من أغلبية إلى أقلية. وكان، برأيي، تصوير دور الشيخ والطفل وما آلت إليه أمورهما هو الأكثر وقعا وتأثيرا. فكيف تجلى ذلك في الرواية العربية الفلسطينية؟

 

النكبة والطفل والطفولة

لسنا بصدد دراسة مفهوم الصدمة كما تقوم الأبحاث النفسية والاجتماعية بتعريفها، وإن كان ذلك في غاية الأهمية، لكن يكفينا أن نعود على ما أتينا على ذكره سابقا لنؤكد على أن الإنسان يتعرض في حياته للصدمات، أما صدمة فقدان المأوى والوطن والمكان بكل ما تعنيه هذه الكلمات من معان ومن تأثير على الطفل، وأبعاد ذلك في جيل لاحق فقد عكستها الرواية العربية الفلسطينية في عدد كبير منها، ولما كان الإلمام بها يحتاج إلى مجهود أوسع وأكبر فإننا نكتفي ببعضها لإبراز هذا الجانب.

تناول غسان كنفاني في روايته "عائد إلى حيفا" (1969) مفهوم الوطن وأهميته، ودور الإنسان في الحفاظ عليه، وما جلبته النكبة من مآس لأبناء الشعب العربي الفلسطيني التي لن تتوقف إلا بازدياد الوعي الفكري الذي يقود إلى العودة، وكشف عن عمق الخسارة التي تشمل الوطن والإنسان والهوية. بيّن من خلال الأحداث أنّ أهل حيفا لم يكونوا على علم بما يحدث، وأنهم تفاجأوا من كثافة القصف الذي ينصبّ على الأحياء العربية من التلال، ولم تدرك صفية، الزوجة الصغيرة، أن خروجها من البيت يعني خسران البيت ومن فيه، فخرجت، وهي الصبية الصغيرة، القادمة من الريف حديثا، للبحث عن زوجها تاركة ابنها الرضيع في سريره. ولما التقيا اكتشفا استحالة العودة، فقد كان سيل البشر يُدفع باتجاه واحد هو البحر؛ الغربة وضياع البيت والابن والسير نحو المجهول.

وتكبر الفاجعة أكثر وتأخذ منحى المفارقة التي لا تشبه إلا ذاتها حيث يستولي زوجان يهوديان قادمان من دولة أوروبية على البيت بعد أن قدّمته لهما الوكالة الصهيونية ليكسبا بيتا وابنا كان اسمه خلدون وأصبح اسمه دوف. يكبر الطفل ويصبح جنديا إسرائيليا لا يعرف سوى أبوين يهوديين ربياه تربية صهيونية.

يبني كنفاني روايته ليواجه الفلسطيني واقعَه المرّ وجها لوجه بعيدا عن أي واقع آخر، ويضع كلَّ عربي وكلَّ فلسطيني أمام الإشكالية الكبرى؛ البحث عن هوية قد تضيع ويضيع معها الطفل والطفولة وتضيع معه القضية الجمعية دون استثناء أحد كبيرا كان أم صغيرا، ما يستوجب بناء استراتيجية تحُول دون الخسارة الكبرى. هي صرخة تمزُّق الهوية التي تمثلت في الطفل خلدون/ دوف الذي ضاع بين والدين بيولوجيين ووالدين ربياه على قيم تتناقض مع ظروف ولادته وانتمائه البيولوجي.

لم تكن النكبة مجرد ضياع الوطن، فقد اتسع ليشمل ضياع الإنسان واغترابه حتى داخل وطنه، فالتشتّت وتفرّق أبناء العائلة الواحدة خلق حالة من الأسى والوجع تمسّ ثقة الإنسان بذاته. هذا ما تؤكد عليه روايات النكبة. وكان إميل حبيبي أحد الأدباء الذين عالجوا هذه القضية من زاوية أخرى في "سداسية الأيام الستة" (1968) التي تبنى هي الأخرى على مفارقة لا تشبه إلا ذاتها حين تتوحّد العائلة "بفضل" النكسة (1967). ما كان الطفل مسعود يعرف أن له أقارب واعماما، ولم يعرف أولاد الحارة ذلك هم أيضا فهو، كما يقولون، مقطوع من شجرة، حتى كان يومٌ توقّفت فيه سيّارة قرب بيتهم، نظر إليها الأولاد باستهجان واستغراب، وكان مسعود مثلهم منشغلا بتلك السيارة الغريبة الفخمة ليكتشفوا، جميعا، أنّ لمسعود أعماما وأقارب يسكنون في الضفة، شتّتتهم النكبة، وأعادتهم النكسة. أصبح مسعود يسير في الحارة، بعد هذا الحادث، مرفوع الرأس وقد استعاد ثقته بعد أن جعلته النكبة يشعر بالغربة داخل وطنه.

لقد كان موضوع الطفل والطفولة في صلب روايات الروائي يحيى يخلف "بحيرة وراء الريح" (1991)، "ماء السماء" (2008)، و"جنة ونار" (2011)، التي تستعرض مأساة أهل قرية سمخ، على اختلاف أعمارهم، كأنموذج للقرى الفلسطينية الأخرى، الذين كانوا يعيشون في أمن وأمان حتى كانت النكبة وتشتّتت العوائل وتشعّبت طرقها وتفرّقت بين دول عربية مختلفة. وفيها حكاية طفلة رضيعة حملها والداها وهربا، كما هرب أهل قرية سمخ خوفا من الموت ، يصاب الوالدان إثر إطلاق النار على الفارين، وتبقى الطفلة مرمية في الحقول فيسمع زوجان هاربان بكاءها ويأخذانها معهما في رحلة التشرد لتصبح ابنتهما الوحيدة. ولما كبرت كان عليها أن تبحث عن والديها البيولوجيين معتمدة في ذلك على التطريز الفلسطيني على قطعة القماش التي لف الوالدان بها الطفلة أثناء الهرب. تتنقّل بين المخيمات في لبنان والأردن وتقابل الكثير من المسؤولين هناك حتى تصل إلى خبراء يتمكنون من حل اللغز الذي يشير إلى ولادتها في منطقة طبريا. وبناء عليه تتابع رحلة البحث الطويلة، الشاقة والخطيرة حين اخترقت الحدود الأردنية برفقة فدائي سابق، ونجحت في التخفي ولقاء أمها في قرية المغار الواقعة شمال غرب بحيرة طبريا.

تتكرر مأساة الطفولة في بعض مقطوعات السيرة الذاتية، "نوم الغزلان" (2017) للأديب محمد علي طه"، التي تتحدّث عن الطفل ابن السنوات الست وقد حمل أمتعته مثل كبار السن، فنام معهم في العراء، بعد أن فقد قريته وبيته وأترابه ومدرسته وطابته الملوّنة الأولى. في هذه السيرة عدة مشاهد وأحداث مؤثرة تنال من الطفل في الصميم، منها مشهد الطفل أثناء الهجيج، وقد كانت الطريق جبلية وصعبة، فطلب الوالد من أحد الفرسان الذين مروا بالعائلة أن يُردف الطفل خلفه لتخفيف العبء: "فرحتُ بركوب الجواد وأخذت أتأمّل الجبال والسفوح والأودية وأشجار السنديان والسريس والبطم والعبهر والبلان والقندول [...] قطعنا مسافة طويلة فنظرت عن يميني فإذا الفرس على رأس منحدر حاد جدا وبيوت بلدة البقيعة تطل صغيرة من واد عميق فخفت والتفتُّ إلى الوراء فلم أشاهد والدي فشرعت في بكاء صامت ما فتئ أن علا فسمعني الفارس فأوقف حصانه وقال: انزل وقف على هذه الصخرة حتى يأتي والداك! وقفت على الصخرة مثل عصفور وسط العاصفة. الوادي السحيق يمتد أمامي والأشجار البرية تلفِّع الطريق الذي سلكناه...". (ص35-36)

يعرض الراوي/الكاتب ابن الخامسة والسبعين هذا المشهد وغيره من المشاهد المماثلة بأبعادها ودلالاتها ورموزها التي تشير إلى صعوبة الحدث وفداحته. وهو مشهد ذو بعد نفسي يبين الحزن والقلق اللذين انتابا الطفل الذي يخاف أن يفقد أهله، وحالة الرعب والهلع التي نزلت به. يصوّر كل ذلك في ساعة وقوع الحدث طفلا، وفي زمن الكتابة شيخا.

ومن التجارب القاسية التي يشهد عليها الابن هو انطفاء عين الأب حيث يتسلّم الوالد رسالة لمواجهة الحاكم العسكري الذي أعلمه أن قطعة الأرض الأخيرة التي كان يملكها قد صودرت وأصبحت ملكا للدولة، ولا يحق له بعد اليوم أن يفلحها، فأصيبت عينه بعطب وبات ينام إحدى عينيه مفتوحة والأخرى مغمضة. إن هذه الفاجعة التي نزلت بالأب لا تنحصر في وجع نال من عينه، بل إنها تطال الابن الطفل وهو يرى ما ألم بوالده إثر سلبه أرضه، فهي صدمة عنيفة من شأنها أن تهز كيانه الطريّ، فرسخت في ذاكرته ليرويها للقراء بعد سبعة عقود. (يتبع)

 

في الصورة: رسم الفنان كارلوس لطوف

قد يهمّكم أيضا..
featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة

featured

سقوط وهم الديمقراطية الليبرالية في إسرائيل