قالت: ممنوع السعال يا أولاد. ممنوع الكحة. ممنوع النباح.
قالت الست إنجيل للمرة الثالثة.
قالت: أعصابي لا تتحمل هذا السعال المرهق. لا تتحمل روائحكم الكريهة" (ص14)
لا أدعو المحللين والقراء إلى دراسة وتحليل شخصية الست إنجيل، بل أدعوهم إلى قراءة الواقع من خلال هذه التنبيهات، وإلى ما تبثّه حول بيئة هؤلاء الأطفال وما يصيبهم من أمراض نتيجة السكنى في مخيمات لا تصلح لحياة البشر. يتعرض الطفل لشتى أنواع العنف الكلامي والجسدي، ويفقد أهم أسس التربية التي يحتاجها كل طفل. ما كان ذلك ليحدث لولا النكبة وما تبعها من تشتُّت وتهجير وضياع.
يطفو على سطح الرواية معنى العيش غريبا عن الديار، ومعنى خوف الكبار من ظلّهم وممن يشي بهم للحكومة، حتى وإن حافظوا على أفواه مغلقة، ومعنى أن يرى الأطفال هذه الإهانات فيلوكونها كما يلوكون العلقم، ويتهدّدون بالانتقام فيجيئهم التحذير من الكبار أصحاب التجارب، الذين خبروا طعم السياط وهي تأكل الجلد وتسلخه. هنا في هذه المخيمات ينتظرون الوجبة على أحر من الجمر كما جاء على لسان الطفل: "وقد وصلنا إلى درجة من الهزال بحيث كنا نفكّر كيف نتدبّر أمر الغداء ونحن نلوك إفطار الصباح، ونفكّر وقت الغداء كيف نستطيع الحصول على طعام العشاء". (ص53) وهنا في هذه المخيمات ينضج الأطفال قبل أوانهم ويصبحون رجالا أشداء تمتلئ صدورهم بالحقد والغضب على من يخون العشرة ومن يخون الوطن، وعلى من كانوا السبب في وقوع النكبة، مدركين أنها هي السبب الرئيس والأهم فيما آلت إليه ظروفهم.
وتأتي رواية "طفولتي حتى الآن" الصادرة حديثا (2022) للروائي إبراهيم نصرالله لتفتح كوى جديدة على طفولة لها صورة أخرى ونكهة أخرى، لأنها تحمل نظرة فلسفية إلى الحياة أكبر من نظرة الطفل المعتادة إلى مأساة الفقد والتشتّت. وتطرُق أبوابا جديدة ومتعدّدة يهمنا منها، في هذا الصدد، أن نشير إلى أطفال الجيل الثاني للنكبة الذين يرفضون الاستسلام للواقع الأليم، رغم معاصرتهم نكسة 1967، فنراهم يبحثون عن ذاتهم وعن كنه هذه الذات التي تسعى إلى التمرد على الهزائم، فيبدو وكأنّ النصر الذي جلبته معركة الكرامة (21 آذار 1968) كان الضوء الذي أشعل زوايا كان يمكن أن تكون مظلمة وحالكة السواد بعد صدمتي النكبة والنكسة، وكانت قمة الرمزية في تنفيذ الطفل خطته، ببناء "مطار" في قطعة من الأرض قريبة من المخيم تصلح للطيران دون عوائق، يحلّق منها كل يوم إلى سماء إحدى الحواضر العربية والأجنبية.
كما يؤمن هذا الطفل بقدرته على اختراق الواقع المر، عبر بوابة الشعر وكتابة الرسائل ليفتح كوة أخرى على الحياة. أما علاقته بالفتاة التي أحب منذ سن مبكرة فهي بحد ذاتها كوة أخرى وفكرة أخرى ورسالة أخرى تبيّن أن الفلسطيني قادر على أن يحب، وله الحق في أن يحب، وأن يكون مقاتلا، في آن معا. كانت علاقة الفتى والفتاة إشارة إلى قدرة الفلسطيني على اجتراح المعجزات وعلى بناء حياة جديدة فيها العلم والدراسة وفيها الموسيقى والرسم والشعر والأدب، وفيها دور هام ولافت للفتاة كمقاتلة أيضا، رغم صغر سنها. وفيها الطموح إلى خلق واقع جديد لا يشبه واقع الهزائم المتكررة. بنى الطفل مطاره وحدّد الاتجاهات الأربعة، ليقلع منه كل يوم إلى مدينة جديدة، فشاركته الطفلة نور في أحلامه، بل كانت شريكا فعالا وقويا لا مجرد شريك مشجِّع، فهي الأخرى تطمح في اكتشاف عالم جديد لا يشبه ما كان. يخترق هذان الطفلان وبعض أترابهما وأصدقائهما كل العوائق، ويكفرون بالجمود والتحجّر.
جاءت الرواية لتبين أن النكبة التي فرّقت وشتّتت وأفقرت شعبا كاملا، لم تتمكّن من لجم طموح الجيل الثاني للنكبة، وفتحت كوة واسعة للنور كي يضيء المستقبل مهما كان قاسيا، وأنّ المخيمات لن تكون عائقا في وجه الطموح الفلسطيني، ولا حجر عثرة في وجه الانطلاق نحو عالم أفضل. كان الأطفال جميعهم سندا لبعضهم، فاخترقوا حاجز الفقر وتمكنوا، في جيل المراهقة، من اكتشاف عالم أوسع من عالم المخيم ووصلوا المكتبة العامة واستعاروا منها الكتب ليحلّقوا أبعد من هذا العالم الضيّق. ورغم تشعّب أحداث الرواية إلا أن نصرالله، بلفتة ذكية، ربط بين الجيل الثالث والجيل الأول، ولم يكتف بما تعلّمه الطفل من والديه، وبالذات من أمه، فكان الجَدّ مصدر إلهام من خلال ما يحمل من تراث شعبي فلسطيني محكي يحثّ سامعه على التزود بهذا الرصيد الذي يعكس وجع الناس كل الناس الفلسطينيين، فكان وقودا يشحن الصغار، كما يشحن الكبار.
ويفتح الكاتب سليم البيك في روايته "تذكرتان إلى صفورية" (2017) كوة جديدة أخرى نطلّ من خلالها على معنى الوطن الضائع في عين أبناء الجيل الثالث للنكبة. يُهجّر الأهل مثل كثير من الفلسطينيين، إلى مخيم للاجئين في بلد عربي (سوريا)، ولكن الابن يوسف يقرّر الانتقال للعيش في فرنسا، إيمانا منه أنها مرحلة انتقالية توصله إلى الوطن، فيصل إلى مدينة "تولوز" أو "طلوزة" كما يلفظها والداه. هنا في تولوز يفقد اسمه الذي قام الفرنسيون بتحريفه ليسهل عليهم لفظه ويصبح "جوزيف"، وهو، وإن كان لا يستسيغ هذا التحوير، إلا أنه لا سلطة له هنا على الحفاظ على اسمه الأصلي الذي اختاره له الأهل "تيمنا باسم جده قائد المجموعة الصغيرة من الفلاحين المقاتلين ببنادق الصيد التي كانت لديهم في المعركة التي احتلّت فيها إسرائيل قريتهم عام النكبة". (الرواية ص15)
لا يمكننا المرور مر الكرام على هذا "التحريف" في الاسمين، فالتحريف، في الواقع، تزييف للحقيقة لكن الفلسطيني يتعايش معهما؛ يخسر الابن/ الحفيد اسمه الأصلي في بيئته الجديدة، دون أن يبدي اعتراضا حاسما، بالرغم من عدم رضاه عنه، ويحتفظ باسمه الأصلي لدى آخرين. أما "طلوزة" فاسم قرية فلسطينية بجانب مدينة نابلس. وبقدر ما يبدو هذا التحوير تندّرا لكنه ليس إلا نوعا من أنواع التنازل والقبول بالواقع الجديد الذي فرضته النكبة حتى وصلت أبعادها إلى الجيل الثالث، وهي إشارة إلى تشوه الهوية التي لا قدرة عند صاحبها للدفاع عنها بشراسة ما دام هناك فقدان أكبر؛ فقدان الوطن.
يحمل الحفيد الذي يمثل الجيل الثالث للنكبة صدمة جده المُهجَّر من وطنه على عاتقه، ويرى أنه ليس معفيّا من التنصّل من هذا الحمل الثقيل، فالكبار يورثون الأبناء أرضا وعقارات، ولكن الفلسطيني أورث أبناءه وأحفاده همّ التهجير وعذاب التشتّت، وقد وصلت نيرانه الحفيدَ الذي يجد نفسه في مواجهة النكبة مباشرة، رغم أنه لم يعشها ولم يجرّبها، لكنها أصابته في الصميم. إن مخلّفات صدمة النكبة، كما تطرحها الرواية، ليست قابلة للنسيان، وليس بمقدور أي جيل أن ينساها أو أن يتناساها، فقد اخترقت حياةَ الجيل الثالث ونخرت في تفاصيل حياته اليومية وهو يعيش وجع الغربة في بلد لا يشبه بلده، وفي بيئة لا تشبه بيئته. هنا هو الغريب والبعيد، وإن كان يحظى بكثير مما لم يفز به غيره في البلاد العربية، لكنها الغربة التي فرضتها النكبة يلوك وجعها الصغار كما الكبار.
لقد كانت النكبة صدمة عنيفة وقوية تعدّت المكان والزمان فأصابت الجيل الأول في الصميم وأذاقته طعم الذل والهجران والتشتيت والفرقة، وضربت بنيته الاقتصادية والاجتماعية، واخترقت عظامه ومشاعره وأحاسيسه. وتابعت في اختراقها حتى وصلت الجيل الثاني والثالث للنكبة في الشتات العربي وفي الشتات الغربي، وفي الداخل والخارج دون استثناء. كل هذه الصدمات وجدت لها صدى عميقا في الرواية العربية الفلسطينية فواجهتها، وما تزال تواجهها وتعالجها من زوايا مختلفة.
لقد كشفت هذه الروايات أن النكبة ضربت مشاعر الطفل الفلسطيني وهزّت أحاسيسه من الأعماق وهو يحمل وجعه وبقجته وبعض بقاياه على عاتقه ويسير، وبينت مدى تأثيرها عليه وهو الذي ما زال طريّ العود غير مهيأ بعد على مواجهة مثل هذه الصدمة. وكشفت، كذلك، عن جوانب أخرى تظهر القدرة على التحمل والمواجهة ومتابعة المسير بالرغم من حجم المصاب. ولكني أعتقد أن هناك جوانب نفسية كان على الرواية أن تدرسها لكشف الفاجعة وما يعتري الطفل من هزات نفسية ترافقه فترة طويلة من الزمن. يبدو لي أن التحدي الذي تعمل الرواية الفلسطينية على خلقه وتطويره ونشره، كما هو لدى "شعراء المقاومة" كان المحرك الفاعل، ولا يزال، حتى اليوم، لكن الطفل الفلسطيني كما كل طفل معرض لانتكاسات نفسية صعبة يجب على الرواية أن تعمل على تصويرها.
النكبة ومأساة جيل الشيخوخة
وجب التوضيح أن الحديث في هذا الموضوع لا يقتصر على الشيخ الذي عاصر النكبة فحسب، بل إنه يطال من هرم وكبر في السن وظل يعاني من تبعاتها. يحتاج هذا الجانب إلى كم كبير من الدراسات، نظرا لأن المأساة لا تتوقف عند فترة زمنية محددة بل إنها تمتد وتطول ما دام البيت مفقودا وما دام الوطن بعيدا. إن المكان ليس موقعا جغرافيا محددا على خارطة ورقية إنما هو مكوّن عاطفي من مكونات الإنسان يتأثّر به ويؤثّر فيه، وترتبط بينهما علاقة حميمة تشتد وتتوثق أكثر بفعل عامل الزمن. فهناك ماض وذكريات وعائلة، وهناك أقرباء وأصدقاء وجيران وحاكورة وبستانٌ ووردةٌ وحقل وشجرة. وهي مناسبة كي نقول لغاستون باشلار ولكل المنظرين الغربيين إنكم لا تستطيعون وصف المكان وحميميته بقدر ما تستطيع أن تصفه عجوز تركها أبناؤها قسرا أو هُجّرت من بيتها قسرا، ولا أنتم أكثرُ صدقا من عجوز هُجّر من بيته ومات كل أجياله فبقي دون بيت ودون عائلة ودون رفاق.
لقد أثبت الزمن أن اللجوء الفلسطيني لم يجلب الفقر والعوز فحسب، بل إنه عامل ذل ومهانة. فكان ذلك كله دافعا إلى الحنين والشوق إلى ذلك الماضي وإلى ذلك المكان، ودافعا إلى الغضب والألم والحسرة والأسى. ففي رواية "تفاح المجانين" (1982) للروائي يحيى يخلف تصوير لحال المشردين المشتتين في أحد المخيمات الذي أقيم في أعقاب النكبة تبدو فيه المهانة في أبشع صورها حيث الجوع والبؤس والشقاء لا يستثني أحدا، هنا في هذا الواقع الجديد لا يبقى للعجوز ما يعتز به سوى الحديث عن ماضيه وعن الحصان الذي كان يركبه "أيام العز"، وهو يلبس بنطلون الفرسان من نوع (بريشز) ويضع البندقية أمامه فوق السرج، ويشاركه الحديث عجوز آخر مستذكرا "أيام البلاد"، ثم ما يلبث السامرون أن يعودوا إلى الحاضر يلعنون التعب و"خيانة الحكام". هذا الحنين إلى "أيام البلاد" ليس حنين المسافر إلى البيت والعائلة بل هو تعبير عن فقدان معنى الحياة وضياع بهجتها واختفاء فرح الإنسان المشروع ببيته وبإنجازاته. يقيم هؤلاء الرجال مقارنة بين ما كان وبين الحاضر الذليل بفعل الطرد من الوطن الذي بات بعيدا.
وفي رواية "الجنة المقفلة" (2021) للروائي عاطف أبو سيف نجد امرأة عجوزا تعيش في غزة بعد أن هُجِّرت من مدينتها، يافا، حيث يضطر معظم أبنائها وبناتِها إلى أن يتركوا البيت والعيشِ بعيدا عنها، لكنها تبقى على أمل "لمة" العائلة فتقوم بإعداد مائدة الطعام وتفرُد الشرشف وتُعدّ الصحون بقدر عدد الأبناء، ويظل البعيد بعيدا دون أن يتحقق الأمل. تنتقل عادة إعداد المائدة والشرشف إلى الأخ الأصغر بعد وفاتها، على أمل اجتماع الأبناء في بيت العائلة. إن هذه الصورة، رغم كل ما تحمله من قسوة، إلا أنها تبين دور الكبار في ترسيخ الماضي، وفي زرع الحنين إلى الجذور في وجدان الصغار. فإن لم يستطع العجوز أن يورِث الصغارَ بيتا وأرضا، كما جرت العادة، فإنه يعمل على توريثهم الذاكرة. بات أحد طموح الجدة اجتماع أفراد العائلة معا، وهو طموح لا يقل عن أي طموح آخر نظرا لما يحمله من معان إنسانية، إن هذا الطموح الذي قد يبدو صغيرا في عيون كثيرين إلا أنه لدى العجوز الفلسطينية أشبه بحلم كبير بعيد المنال.
(يتبع)







.png)


.png)