news
ملحق الجمعة

الساعات الأخيرة من حياة الأسرة المالكة في العراق

بغداد عشية الثورة ( 2 )

أشرق الصباح على بغداد في ذلك اليوم المصيري من تاريخ العراق الحديث، وقد صادف يوم الأثنين من الأسبوع الرابع عشر من تموز، كانت السماء لا تزال مثقلة بطبقة من الغلالة البيضاء التي تبشر بالحر الشديد، ونهض الخدم في قصر الرحاب حيث يقيم الملك وأسرته كعادتهم باكرًا جدًا، وكانوا يستعدون لسفر الملك بعد قليل، وكانت الملكة نفيسة – وهي تركية الأصل – قد قضت الليلة في حالة أرق، فأيقظت مع خيوط الفجر الأولى ابنتها الأميرة عابدية، ثم انضمت اليها الأميرة هيام وعند الساعة الخامسة والدقيقة العاشرة صباحًا سمع من في القصر دوي طلقات قادمة من بعيد، فخرج رجال الحرس الملكي من الحديقة والمرآب نحو الباب الرئيسي يبحثون عن مصدرها، ظن الجميع أنها آتية ً من جهة معسكر الوشاش، أحد مراكز تدريب الجيش الذي يبعد بضع مئات من الأمتار فقط عن القصر، والحقيقة أنها آتية من جهة بيت نوري السعيد الذي تمت مهاجمته من قبل عناصر قوات الثورة.

ساد هدوء مشوب بالقلق داخل القصر وفي محيطه، لكن ما لبث أزيز الرصاص أن تجدد واشتد، وكانت الساعة قد بلغت الخامسة والثلث صباحًا، فخرج الملك فيصل الثاني من غرفته وقد ارتدى ملابسه، ووجد الملكة نفيسة زوجة الملك علي بن الشريف حسين ووالدة الوصي على العرش عبد الاله، الحاكم الفعلي للعراق في ذلك الوقت، ومما هو جدير بالذكر أن علي بن الحسين هو أحد أبناء الشريف حسين بن علي، وهم عبد الله الذي أصبح ملكًا على شرقي الأردن، فيصل ملك العراق الأول، علي وزيد، أما الأميرة عابدية فكانت أكبر بنات الملك علي ولم تكن متزوجة، والاميرة هيام كانت عقيلة الأمير عبد الاله الذي كان وصيًا على العرش سنوات طويلة.

وقف الجميع في بهو القصر على مقربة من الشرفة يراقبون التطورات، سأل الملك فيصل أحد الحراس: ايش في؟! أجاب الحرس بأنهم يبحثون عن مصدر اطلاق النار، وهنا خرج الامير عبد الاله من غرفته وكان لا يزال يرتدي ملابس النوم وقال: روحوا شوفو!  وقبل أن يعرف رجال القصر حقيقة ما يحدث، أخذ الرصاص ينهال من الخارج باتجاه القصر على غير هدى، وكان بعض رجال الحرس يردون بطلقات متقطعة، وفي البهو وقف الملك فيصل والأمير عبد الاله يتبادلان الرأي وحولهما الملكة نفيسة والأميرة عابدية والأميرة هيام، ووقف على مقربة منهم خدم القصر المقربون.

قال عبد الاله: أعتقد أن هذه الحركة من الجيش ضدنا وكنت انتظرها ! ولاحظ الأمير عبد الاله ان الخدم يصغون اليهم، فأخذ يتكلم باللغة التركية، ولوحظت الملكة نفيسة تشد بكتف نجلها عبد الاله، والأميرة عابدية تطوق الملك فيصل بيديها، وما لبث الأمير عبد الاله أن تركهم واتجه صوب غرفته وهو يقول بالعربية "اذا كانوا يريدون احنا ما نبقى".

اقترح مرافق الملك العسكري وأحد ضباط الحرس الملكي التصدي للمهاجمين بقوة بواسطة لواء الحرس الملكي، لكن عبد الاله رفض استخدام القوة ضد المهاجمين، لأنه كان على ثقة بأنه لن يتم الاعتداء عليه، ودار الحديث بينهم حول إمكانية الهرب من القصر ما دامت الطرق حوله لا تزال مفتوحة من الجهتين، وطرح اقتراح بتهريب الملك فيصل على الأقل، لكن عبد الاله كان يردد (ما كو لزوم ما راحوا يقتلونا.. واحنا نروح ونتركهم).

دخل الملك والأمير الى الصالون الكبير في الطابق الداخلي وهو المكان الذي اعتاد فيه الأمير استقبال زائريه، وجلس الملك على المقعد العريض في صدر الصالون بينما بقي الأمير عبد الاله يمشي فيه ويدخن بشراهة، ولا شك أن عبد الاله كان قد فكر في تلك اللحظة تفكيرًا عميقًا، تذكر من خلاله الجرائم التي ارتكبها بحق الشعب العراقي، كما تذكر أحاديث طويلة جرت معه في الماضي داخل هذا الصالون، ولعله تذكر يومًا كان قد فتح فيه صدره لأحد الزائرين وقال حرفيًا : أنا أعرف أنه اذا بقيت الأمور على هذا الحال فسيدخلون علينا الى هنا ويقتلوننا ها هنا.

فقال له محدثه: اذن ماذا تنتظرون كي تعدلوا هذه الأمور؟ أجاب بنبرته المأثورة: ان أيدينا مغلولة بسبب تدخل الإنكليز، وبسبب قلة الرجال الداعمين لنا بزحمة الحوادث، فقال له محدثه: ولماذا لا تفسحون المجال أمام الجيل الجديد..؟ لماذا لا تأتون بوجوه جديدة؟ لماذا لا تستعينون بالشباب؟ فأجاب: صحيح لكن هذا الشأن يعود الى فيصل يوم يكبر.

حتى اللحظة الأخيرة آمن عبد الاله أن الثوار سوف يسمحون للعائلة بمغادرة العراق، كما فعل الضباط الأحرار في مصر مع الملك فاروق، وظن أن المقاومة سوف تستفز المهاجمين ففضل المسالمة، أما فيصل فلم يكن له رأي بوجود خاله عبد الاله الى جانبه.

وسط هذه الأجواء الخطيرة كانت الساعة قد قاربت السادسة صباحًا وقد اشتد اطلاق النار، فجأة شوهد العقيد طه البامري، قائد فوج الحرس الملكي يدخل الى باحة القصر بسيارة مصفحة، قادمًا من مقره في قصر الزهور، توقف مع مصفحته امام الباب الداخلي، وما أن رآه الجنود الواقفون على الباب حتى صاحوا به أين الجند؟ أين الحرس، فأجاب أريد أشوف الملك والأمير أولًا.

دخل البامري عليهما وهما في الصالون الكبير، ومعهما مرافقان، وبدأ قائد الحرس الملكي حديثه قائلًا: لما شاهدنا الحركة ارسلنا أحد ضباط الحرس نحو الجنود فأخذوه إلى رئيسهم، وهو ضابط صغير يدعى عبد الجواد حميد، فقال هذا الضابط: ان الثورة قد قامت، ومطلوب من العائلة المالكة أن تسلم نفسها له، وقد علمنا يا سيدي انهم شكلوا جمهورية من عندهم، ولكن قوتهم ضعيفة، ونحن بانتظار اوامركم كي نقاتلهم.

لقد كان لواء الحرس الملكي من أكثر الوية الجيش العراقي قوة، وقدر عدد جنوده ثلاثة آلاف جندي، مدربين أحسن تدريب، مجهزين بأحدث وأقوى الأسلحة، وكان يرابط داخل ثكناته في قصر الزهور، ولا شك أنه لو تدخل الحرس ضد الثوار لتبدل مجرى الحوادث، وبقي قائد الحرس الملكي العقيد البامري واقفًا ينتظر الأوامر، بينما كان عبد الاله والملك يتهامسان، فالتفت الملك الى البامري وقال له : ماكو لزوم للقتال.. ما نريد الجنود يقتلون بعضهم البعض من أجلنا، وما نريد ان يقال بأننا سببنا حربًا أهلية بين العراقيين.

يتبع

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب