بيت القصيد| راوية جرجورة بربارة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

ترافَقْنا أنا وهي في الطريق، تؤنسني بصوتها الذي لا يسكت، لا تراعي مشاعري حين أستمتع بقصيدة يبثّونها الآن في المذياع "وعدتك ألّا أحبّك، ثمّ أمام القرار الكبير..." لا تتركني أسمع أهمّ كلمة "بيت القصيد" تقاطعني، تقول لي بلكنتها العبريّة: "تابعي بخطّ مستقيم"، لو كنتِ قلتها مِن قبل، كنتُ تابعتُ بوعدي ولم أجبن..تأخّرتِ عزيزتي..تصمّ أذنها عن إجابتي، وتصمت..أتابع مع ماجدة الرومي ونزار قباني وكاظم الساهر، ثلاثتهم يتآمرون علينا في أغنيةٍ أصبح فيها الكذب هو المنفد، وهو الحقيقة التي نحمد الله عليها "والحمد لله، الحمد لله، أنّي كذبتْ..الحمد لله"..

 وأصدح معهم، "الحمد لله أنّي كذبت، الحمد لله"، وأصحو من انتشائي... الحمد لله أنّي ضعت.. أين أنا؟ ما هذه المقابر عن يساري.. 

  • وأنتِ، أصرخُ فيها...لماذا لم تتكلّمي؟؟
  • ...........
  • صحيح، كنّا في النفق، لا يوجد التقاط، ولا شبكة عنكبوتيّة.. والآن ما العمل؟ سأتأخّر.. كيف بتّ أعتمد عليكِ؟ كنتُ قبلكِ أعتمد على ذاكرتي، أضيع مرّتيْن، ثلاثًا، أتعلّم من غلطي، أحفظ الطرقات وأصل...
  • .............
  • الآن تسكتين؟ تفضّلي! أخبريني إلى أين أتّجه، وكفاكِ ثرثرة!
  • بعد مئة متر اتّجهْ يسارًا.
  • يسارًا؟ حسنًا. اليوم بتّ لا أسير من هنا إلى هناك دونكِ.. ترافقينني ولا تكلّين ولا تملّين، تتحدّثين طوال الوقت، كنتِ مرّةً تتحدّثين معي بالإنجليزيّة وكم كنت مسرورةً باستعادة بعض المفردات الإنجليزيّة، ولكنّني غيّرتُ هاتفي، فتغيّرتْ لغتكِ وها أنتِ تحادثينني بالعبريّة.. لو تصمتين قليلًا لأركّز في الإشارة الضوئيّة أمامي، أعرف سأتّجه يسارًا ألا تريْن الإشارة حمراء؟
  • اتّجه يسارًا.
  • حسنًا، حسنًا، عندما يتغيّر لون الإشارة، تكرم عينك، سأتّجه يسارًا.

وفعلتُ ما أمرَتني به، اتّجهتُ يسارًا، البحر المتوسّط عن يميني، والسيّارة تسعى نحو الهدف، الوقت باكر لكنّ الشوارع مزدحمة على عادتها، كلّهم يريدون الوصول بسرعة، كلّهم مثلي يستيقظون باكرًا، يريدون تجاوز أزمة السير، لكنّهم، مثلي تمامًا، لا يدركون بأنّه لا يمكننا أن نتجاوز أزمة نحن نرتكبها، إنّها حماقتنا الجماعيّة، فكلُّ واحدٍ منّا يظنّ بأنّ الآخرَ لن يستيقظ ويسعى الآن نحو العمل، وهكذا نتسابق لنجد أنفسنا في نفس الضائقة، نتأفّف، ننظر في ساعاتنا، نقلّب محطّات الإذاعة، نتسلّى مع بعضنا إذا كانت السيّارة مليئة، نتسلّى مع "الويز" إذا كنّا فرادى، والست ويزة لا يُستهان بها، تعرف الطرقات الجانبيّة، تُدخلُكَ في شوارع جانبيّة، وطرقات وعرة، ما كنتَ تحلم بدخولها أبدًا، وها هي تسحبني إلى هناك، وتنبّهني، شارع النبي إلياهو، شارع الملك داوود، شارع النبيّة دبورا.. النبيّة؟ يا إلهي كانت عند اليهود نبيّات نساء، ونحن أين نبيّاتنا؟ ألم تكن عندنا نبيّة؟ كيف لا؟ ومريم؟ ستّنا مريم؟ مريم العذراء؟ هل هي نبيّة؟ كيف لم يخطر ببالي من قبل؟ ولا شارع على اسمها عندنا؟ سانتا ماريا؟ شارع مريم؟ كلّا، لم أسمع عندنا ذلك، هي قدّيسة، ولكن النبيّة درجة أعلى...

يا إلهي، ماذا قلتِ؟ كيف أخذتْني أفكاري بعيدًا عن صوتِكِ؟ هل عندكِ اقتراحٌ لنبيّ آخر؟

  • شارع النبي زخاريا.
  • وتقولينها؟ النبي زخاريا؟ وله شارعٌ هنا؟ ألأ تعرفين يا ست ويزة بأنّني أسكن قرب مقام النبي زكريّا؟ نعم في أبو-سنان مقام للطائفة المعروفيّة، وهذا زكريّا على ما أظنّ نفسه زكريّا المذكور في التوراة والإنجيل والقرآن " كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا"، نعم زكريا الذي كفل مريم، وزوجته إليصابات ابنة خالتها، وأم يوحنّا النبيّ...
  • بعد مئة متر شارع النبي زخاريا..
  • زخاريا، زكريا، أليصابات، يحيى، يوحنا... باسم كلّ الأنبياء أناشدكِ أن نصل، الساعة تقترب من السابعة والنصف، عليّ أن أكون مع بدء الدرس الأوّل، سأشاهد دروسًا اليوم.. ووعد عليّ باسم كلّ الأنبياء الذين قلتِهم إذا أوصلْتِني في الوقت يا ويزة، لن أخذل ولا معلّمة، سأسامحهن جميعًا، حتّى لو كانت "مِن" اسم موصول و "مَن" حرف جرّ...

وهي لا تهتمّ بي، أعصابي بدأت تثور، والحرارة تتصاعد إلى وجنتيّ ورأسي، وهي على حالها، واثقة من ساعتها وأقمارها الصناعيّة، وتشير إلى أنّنا سنصل المدرسة بعد ربع ساعة، هيّا بنا يا عزيزتي..

 ووصلنا أطراف البلد العربيّة، وانشرحَت أساريري، ومحمّد عبده يغني "الأماكن"، وأعشق هذه الأغنية، فللأماكن ذكرياتها وأحداثها وزمنها السائل والمتجمّد، للأماكن مكانتها في القلب...

  • هنا عليكِ ألّا تخطئي..

هكذا حذّرَتني الويزة هانم، لا، لا يمكنها أن تتدخّل بشؤوني، يتهيّأ لي من كثرة ما سافرنا معًا أنّها أصبحت من الذين باستطاعتهم أن يأمروا وينهوا ويتدخّلوا ويفصّلوا تفاصيل يومي...

كم مرّةً في العمر اتّجهنا يسارًا؟  وكلّ يساريّتنا لم تساعدنا على الوصول.. ما هذا الصوت المزعج، إنّها أبواق السيّارة الّـتي خلفي، ما به هذا المنزعج المزعج؟ ويضوي أضواء سيّارته الأماميّة ويطفئها ويحذّرني بها، وكأنّها هي الأخرى منزعجة، ويلوّح بيده، أراه في المرآة يحرّك شفتيه بشتيمة لا حاجة لفهمها لا لصوت ولا لترجمة، وأنا نكايةً به لن أذهب إلى المسار اليمينيّ؛ لثلاثة أسباب، أوّلهما أنّني حالًا سأدخل في المسار الذي سينحرف يسارًا نحو البلد، وثانيًا لأنّه شتمني، لو شتمني أسهل لي، شتم أمّي هذا الحقير، وثالثًا، من عادتي ألّا أسير إلّا على المسار اليساريّ... يا فتّاح يا عليم...

  • اتّجهْ يسارًا.
  • وأنتِ فقط مهمّتك إعطاء الأوامر؟ كنتِ أخذتِ لي منه بالثأر هذا المستعجل، وأنا على عجلةٍ من أمري، لا أظنّ أنّ ما ينتظره، أهمّ ممّن ينتظرني وممّا ينتظرني...
  •  مئة متر وإيفن سينا على يسارك.
  • إيفن سينا؟ هل تعرفين ماذا تقولين؟ إنّه "ابن سينا" العالِم والطبيب والفيلسوف، صاحب أهمّ مرجع طبّي اعتُمد لقرون في الجامعات، إيفن يعني حجر، إيفن سينا؟ حرام عليكِ، بكلّ علمه ومعرفته حجّرتِهِ؟ كيف جعلتِه حجرًا؟
  • سرّ حتّى الدوّار الأوّل..

وسرتُ، أنظر عن يميني وعن يساري، هنا "اليرموك" أوّل معركة انتصر فيها المسلمون خارج الجزيرة وكانت بداية فتوحاتهم في بلاد الشام، يعني هذه المعركة هي الّتي غيّرت وجه الشرق الأوسط حينها، وهذا شارع اليرموك، فيهم خير أهل البلد على هذه التسمية... وتسحبني لافتة باسم "عمر المختار"، ويشدّني التاريخ نحو أمجاد وبطولات بتنا لا نعيش إلّا على ذكراها، ففي الواقع هذه البطولات أصبحت من الأساطير، بالكاد نحارب من أجل لقمة العيش... بالكاد نحارب من أجل العيش بكرامة...

ويخزُني التاريخ بعلمه وأحداثه، عن يميني "المقريزي"، ما أقرب اليوم من غد، أمس ترافقنا أنا والمقريزي في رحلة استمرّت أربع سنوات وأنا أعدّ أطروحة الدكتوراه، وها هو اليوم على أهون الأسباب أراه أمامي في الشارع، أراه شارعًا كاملًا محتفًى به... أداخني حينها، وسيدوخني الآن، عليّ أن أركّز، بعد عشر دقائق يجب أن أصل المدرسة، تفضّلي ست ويزة، إلى أين أتّجه في الدوّار يا ترى؟

  • مئة متر إيفن رُشد.
  • لا، خلص، حجّرتِ كلَّ علمائنا يا هذه، كفاكِ! لولا حاجتي إليكِ الآن لكنتُ أسكَتُّكِ.. لا وقتَ لديّ لأسأل الناس في الشارع، أصلًا لو أرشدوني كنتُ سأضيع.. إمّا هم لا يُجيدون الشرح، أو أنّني لا أستوعب الطرق، عندي عسر تعلّميّ واضح في الأماكن.. " والأماكن كلّها مشتاقة لك".. محمّد عبده ما زال يصدح بمجازات من أجمل ما يمكن.. "كنت أظنّ الريح جابت عطرك يسلّم عليّ، كنت أظن الريح جابك تقعد بجنبي شويّ، كنت أظنّ وكنت أظنّ وخاب ظنّي"..
  • مئة متر إيفن بطوطة على يمينك..
    لا. خلص، كلّ مرّة عندما نصل "بيت القصيد" في الأغنية، أجدك تغرّدين، إيفن بطوطة؟ هذا الرحّالة الذي جابَ العالَم، أصبح حجرًا، ولا يهمّكَ يا ابن بطوطة "الحجر محلّه قنطار"....
  • بعد قليل ستصل إلى هدفكَ.
  • الحمد للّه أنّني سأصل قبل أن أتحوّل حجرًا من خطيئتي بمرافقتِكِ أيّتها الثرثارة..
  • مئة مترٍ مخمود درويش عن يسارك..
  • هل سمعتُ حقًّا ما قلتِهِ؟ مخمود؟ هذا الذي قال وجالَ وصالَ، وفتحَ للشعرِ مدرسةً، وعلّق كلماته على علّاقة المجاز، هذا الذي سبَقَ الوقتَ وتركَ لنا ذُخرًا نفاخر به الأمم؟ هذا مخمود؟؟ من أخمدَه. لا وفّقكِ الله ولا جزاكِ خيرًا! مخمود؟ وهو الذي تغنّى بالحاء في حروف اسمه... "حاءُ/ الحديقةُ والحبيبةُ حيرتانِ وحسرتانِ"...
  • وصلتَ إلى الهدف، الهدف عن يمينِكَ.

وأخمدْتُها دون شكرٍ ولا عافية، ودخلتُ "الهدف" وصدى قصيدة محمود يهدهد في أصداء الروح:

"إن صرختَ بكُلِّ قواك، وردَّ عليك الصدى
((مَنْ هناك؟)) فقل للهويّة: شكراً!"

قد يهمّكم أيضا..
featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة