يذكر الدكتور حسن محمد وجيه في كتابه القيم "مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي" أن المدير الياباني يشجع على إقامة تمثال من المطاط لشخصه الكريم حيث يوضع في مكان ظاهر في الشركة، ويستطيع أي موظف حانق من أوامر المدير وتعليماته توجيه القدر الذي يريده من اللكمات إلى وجه مديره المحترم. وبذلك يُنفّس عمّا في داخله من غضب، ويشعر بالسعادة والمرح.
في لقاء لنا مع ذلك المدير الملكوم سألناه: كيف تسمح لموظفيك بلكمك سبع مرات كل يوم؟ قال: ليس هناك ما يمنع ذلك، وليس هناك أي شيء بيني وبينهم، فكل ما أريده من العاملين في شركتي أن ينفذوا تعليماتي وما داموا ينفذونها، فأنا لا أُبالي حتى لو كان ما يريحهم أن يقفوا ليوجهوا عدة لكمات أو حتى رفسات لشخصي المطاطي.
أتساءل -بالسن والهمزة لا بالثاء والقاف- ماذا لو نقلنا هذه التجربة لواقعنا العربي كيف ستكون النتيجة؟ يُجيب أحد المتدربين عند الدكتور حسن محمد رجب. قائلاً: نعم، أتصور أن يوافق الكثير من المسؤولين العرب على فعل الشيء ذاته ولكن الفارق بينهم وبين أقرانهم اليابانيين أن المسؤول العربي سيبث الأعين والعسس لرصد كل من يقوم بلكم تمثال سيادته، ليقوم معه، فيما بعد، بالواجب اللازم.
هذه طريقة يابانية صادقة وجيدة، والتي يمكن من خلالها معالجة الاختلافات التي تنشأ بين الناس، فهذا المدير يريد من العاملين في شركته أن يقوموا بواجبهم، وأن يحترموا قوانين الشركة، ويريد أن يصل معهم إلى حل تفاوضي مريح للجميع، لا إلى حرب مستمرة مريرة. وما ينطبق على حالة المدير ينطبق على كافة سياقات الحياة. والسؤال المطروح كيف نصل إلى اتفاق بعد حرب أو نزاع مرير؟
نستعرض في هذا السياق الآراء الواردة في واحد من أهم الكتب التي صدرت في هذا الشأن للكاتبين (روجر فيشر) و (وليام أري) تحت عنوان: (التفاوض من أجل إبرام الاتفاقيات) وقد أفادنا الكاتبان أن الصراع والتناحر يبدوان وكأنهما صناعة آخذة في النمو في عالم اليوم، فالأطراف المتناحرة ترفض أن تُملى عليها القرارات والخطوات الواجب اتخاذها لفض النزاعات، ولكن الطرق التقليدية التي اعتاد الناس على انتهاجها وتوظيفها في تفاوضهم في كافة شؤون الحياة عادة ما تؤدي إلى الوصول إلى حالات من عدم الرضا واستنزاف الطاقات بلا طائل. وفي حالة أي نزاع سواء كان نزاعاً وخلافاً عائلياً، أو عقداً تجاري ما، أو على اتفاقية سلام، أو صراعاً اجتماعياً سياسياً، أو على حصة نهر مشترك بين الدول، أو حتى حرباً ملعونة، أهلية كانت أو طائفية أو عالمية، فإنه ليس من الصالح أن يقوم كل طرف بتبرير موقفه واستحضار الحجج والبراهين لإثبات مشروعية موقفه فقط.
من المتعين على كل طرف أن يتجنب تبني موقف مفاده: أنا المصيب على طول الخط، وهو المخطئ على طول الخط، فمثل هذا الأداء التفاوضي لن يؤدي عادة إلى حل النزاع بل سيزيد من تفاقمه، ومن ثم فلا بد أن تنتقل الأطراف من هذا الوضع إلى معالجة القضايا بقدر من النزاهة والعدالة وحرص على وجود جسور للتفاهم. إذن، فكلما دافعت عن موقفك لمجرد الدفاع عنه أصبحت عرضة للتورط في الدفاع عن أوضاع خاطئة وغير نزيهة.
وبالعودة إلى كتاب الدكتور حسن محمد وجيه حيث يؤكد أنه من المتعين علينا أن نتعامل مع بعضنا البعض من منطلق مباراة التفاوض الرئيسية وهي ما تعرف بتعبير (اكسب-اكسب) وهي التي تجعلنا ندخل لعملية التفاوض بعد أن نكون قد تعرفنا تماماً اهتمامات الطرف لآخر الرئيسية لكي نأخذها بعين الاعتبار للوصول إلى صيغة يكسب فيها الجميع بصورة واقعية.
بتبني هذه المباراة علينا أن نتجنب المباراة الصفرية اللاتفاوضية في حقيقتها وهي التي تصل فيها درجة الصراع إلى تبني منطق تعامل مفاده: لا بد أن أجعل الطرف الأخر يخسر كل شيء، وأن أكسب أنا كل شيء، أي أن الأمر ينبغي أن يكون إما رفضاً مطلقاً، أو قبولاً مطلقاً (إما قاتلاً أو مقتولاً) ويمثل قرار الدخول في مثل هذه النوعية الصفرية من التفاوض النقيض التام لأي محاولة إيجابية لإدارة الحوار التفاوضي اجتماعياً وسياسياً، فمفهوم المنافسة والمسابقة طبقاً لهذه النوعية من المباريات لا يكون عادة من خلال الاستعداد والارتفاع بقدرات ومهارات الأداء التفاعلي، وبذل الجهد المطلوب لتحقيق الهدف بطريقة شرعية وإنسانية، بل إن الفوز عادة ما يتحقق طبقاً لتلك المباراة الصفرية من خلال تدمير وتشويه الآخر، أي أنها مباريات قد تصل في تصاعدها إلى النقطة التي يتحول فيها الحوار إلى مباريات (ثقافة الإرهاب) والتي تُستبدل فيها عادة لغة الحوار بلغة العنف والرصاص.
في الصورة: الصورة المُرفقة عنب حفرزلي من جبل الزاوية في إدلب الشمال الغربي من سورية


.jpg)




.png)

.jpg)


.png)

