(إلى مغيرة حسين حربيَّة تركته هناك على البحر يرعى الأمل)
الرَّصاصُ الرَّصاص..
الطَّائرات وطيرُ الحمائم..
وهذي الغمائم محمولةٌ على ذكريات البكاء..
محمَّلةٌ بتواريخ أشواقنا للخلاص..
عبرت غيمةٌ من هنا قبل أكثرَ من ألفِ جُرح..
عبرت قافلتانِ على قوس رُمح..
الإنجليزيُّ سافر..
ولم يبراً في التُّراب التُّرام..
.............
السَّماواتُ سوداءُ
سودانيَّةُ الدَّمع هذا الصَّباح..
والأرضُ خضراءُ خضراءُ..
من دروع الجنود
لا من زروع النُّجوع
فيا سوءةَ الجمعِ
يوم الرُّعود بِساحِ بلادي، وسلاحِ الجنود!
...........
هذه الأرض محمولةٌ على صدر أنثى..
عليها وعلينا صلواتُ موسيقى الأسى والأسَف..
لا يتأسَّى الحنينُ لهذي البلادِ العزيزةِ في المنحَدَر..
ولا يأسَفُ العمْرُ لهذا القدَر..
خُلِقنا هنا فقراءُ سواسيةٌ في لحظة الظُّلم..
فدعنا نموتُ هنا يا ظلامُ
سواسيةً في ساحة الحرب..
تُبقِي الرَّصاصةُ أشلاءَها في الجُسُوم..
في رقص النُّجوم
الحارِّ حول النَّار..
فلا هذي ولا تلك
ولا الدُّنيا بما فيها تساوي
ملتقى النِّيلينِ في الخرطوم
لولا الأذى والأسيَّة،
ولولا تذكُّر موجِ المُصائبِ عند المَصَب..
اختلط الدَّمُ بالدَّمِ.. تبَّاً لهذا وتب!
إنَّ الرَّصاصةَ يا قاتلي لا تُفرِّقُ بين أمٍّ
وأب..
لا تُفرِّقُ بين لسان العَرَا
ولسانِ العرب..
بين الهوامشِ عند ضواحي الخيام..
وضحًى ما زال يضحكُ
في ساحة الاعتصام..
............
كيف يقتُلُنا قاتلانِ؟!
واحدٌ يكفي لكي نقرأَ في سرِّنا الفاتحة..
جيَّاشةُ الإنكليز
أم جنجويدُ جنكيز
يا إلهي.. إنَّ صورتي فاضحة!
واحدٌ يكفي لكي يقتلَنا واحدٌ
إنَّ شباب الحقيقةِ عند السَّهَل..
لن تموتَ المعاركُ فيهم
(وصوتُ المواكبِ فوق الجبل).
إنَّا وُلدنا هنا..
وسنبقَى هنا..
لأنَّ حقيقتَنا هنا
لأنَّ مجازَ قصيدتِنا هنا
ولأنَّا بكلِّ معاني النَّدى سنَدفِنُ ها هنا موتَنا
الحياةُ لنا..
والأرضُ تحت أقدامنا مشتولةٌ بالقُبَل..
فمَن ذا سوف يَفنى..
أنتَ يا قاتلي أم قنَواتُ الأمل؟
.........
أشياؤنا أشلاؤنا...
أرواحُنا أشباحُنا
...........
حين عاد اليأسُ من فضَّة الكأسِ من الموت بكلِّ مناحِيه..
ما فرَّ واحدُنا من أخيه
وأمِّه وأبيه..
وصاحبةِ الرُّوحِ فيه
وقلبِه وبنِيه..
جمعتنا المصائبُ في سورة الله
حول العناق،
في صورة الأرضِ والتفَّتِ السَّاق بالسَّاق..
مثلَ خيوطِ البُيُوتِ على لَحمنا..
ولم نقُلْ يومئذ أين السُّقَا والمَسَاق..
حُلْمُنا ما فرَّ من عاشقٍ
وهْو يَحمِل صاحبَهُ في يدَيه..
...........
يومُ القيامةِ
يومُ القيامِ الفصيح
على عتَمات الوُجُود..
فها أنذا أُغنِّي بقلبي الذَّبيح..
أنا والسُّودانُ على عهدنا دائماً
لا نمَلُّ الوُعُود..
سيأتي الزَّمانُ الجميل
على ذبذبات القبيح..
سيأتي الزَّمانُ صَدَى بَعدِنا
لا يقول سوى كلمتينِ لهذا المكان النبيل:
كلمةِ الحبِّ بالموتِ
أو كلمةِ الموت بالنِّيل..
(إنَّه ووالله والله موتٌ جميل)..
..........
سودانُنا إنسانُنا
من كلِّ لَهَجات الحُضُور على الزَّمان..
سودانُنا إعجازُنا
في الأرض ما عجَنَ المكان..
.........
تمشي الحياةُ مشْيَ الجريح..
تمشي القوافلُ من ها هنا يوم ريح..
يُقابلُني الحبُّ عند الصُّعود..
أُقبِّله ساجداً.. أستريح
يا سيُّدي
أنا، أنتَ ورملُ الضَّريح
حُواريُّون..
رُعاةُ الحياة على عَتَبات الخُلُود.
* شاعر سوداني تقدمي



.png)





.png)
