بَطَر !!! | إبراهيم طه

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

القصّة حقيقيّة بتفاصيلها. لا أعرف إن كانت تُميت من شرّ البليّة أو السخف. ما أعرفه أنها ذكّرتني بموقف طريف جمع بين ونستون تشرتشل وبين صديقه جورج برنارد شو. كان تشرتشل ملظلظًا مثل العَمّال المعلوف، وكان برنارد شو نحيلًا مثل المربوط على بلاطة. قال تشرتشل: "من ينظر إليك يا جورج يظنّ أنّ هناك مجاعة في بريطانيا!" فقال برنارد شو: "ومن ينظر إليك يا ونستون يدرك السبب في هذي المجاعة!"
كنت في عرس عربيّ في البعنة. طاولات العشاء مستديرة تتّسع لستّة. جاء "رجل" وسحب كرسيًّا أبعده عن الطاولة، وقعد على كرسيّ آخر قدّامي بالضبط. تبحبح الرجل في قعدته وتفسّح. ما فهمته منه لاحقًا أنه ضيف مثلي، ليس من البعنة، لكنه ضيف "صنايعي" محترف، تخصّص أعراس. والحديث عن ضيف "كامل"، رجل رجل، جهام، فارع، عريض، مكرش، خدّاه نافخان مثل الزمّار.. كان "يأكل"، إذا جاز لنا أصلًا أن نسمّي ما يفعله أكلًا. "يأكل" وكلّ تضاريس وجهه تدور وتتقافز: من ذقنه وشاربيه وخدّيه وحاجبيه حتى صباحه كان يطلع وينزل. "يأكل" ولا يرفع رأسه عن صحنه.. "صحتين! الأكل على قدر المحبّة" قال المعزّب حين دعا الناس إلى العشاء. كان هذا الرجل "المضاعف" قد كسر كلّ التوقّعات وضرب كلّ أصول الأكل بعرض الطاولة. كان يملأ صحنه بهبر الخروف حتى يطفح ثمّ ينثر فوقها حبّات الرزّ حتى تختفي آثارها. وهكذا يبدو للناظر إليه وكأنّ الصحن لا يحوي إلا الرزّ. طريقة ذكيّة مألوفة. لاحظتها من قبل. والشباب يأتون بالجاطات عامرة بالهبر الساخنة ويعيدونها خاوية إلا من بعض الشحم والعظم. ومن حين إلى حين كان الرجل يستريح من اللحم والرزّ ليبلع حبّة كبّة مقليّة يحشوها حشوًا لقمة واحدة. 
ندّت عني ضحكة خفيفة حذفتها بسرعة البرق. لكنّ الرجل قد انتبه. حين انتهيت من عشائي غادرت الطاولة فلحق بي:
"يا أخ، ممكن لحظة.. بدّي أسألك ليش ضحكت؟!"
ابتسمت وقلت له مداعبًا: "إذا بسمح خاطرك وبدون زعل، كنت أحسب قديش لازم تكون منقّط!" 
ضحك وقد فهم قصدي وقال: "يعني بطلع راس براس أنا والمعزّب!" 
ولمّا ضحك تشجّعت أكثر وقلت: "معناها إنتِ منقّط بألف شيكل!" 
ضحك بقدر ما تسعفه كرشه، العامرة باللحم والرزّ واللبن والكبّة والكولا وصحن كنافة ينطف قطرًا وكوزين صبر وأربع حبّات تين، وقال: "لو كل عرس بنقّط فيه بألف شيكل معناه بكلّ موسم لازم أبيع نص دونم أرض!" 
فقلت له من فوري: "لو بكل عرس بتسحب كلّ هذا الأكل لانقرضت الخرفان وقلّ الخير من الدنيا!" ضحك الرجل المضاعف واهتزّت كرشه مرّة أخرى. الحقيقة، بعكس مظهره المخيف، كان الرجل لطيفًا خفيف الظلّ.. من حسن حظّي طبعًا. 
قصّتي مع هذا الرجل المضاعف سحبتني مباشرة إلى مسألة النقوط. في كلّ عرس أحضره أسمع الكلام نفسه وأحسّ بالنبر نفسه. ووجهة الكلام أنّ الناس يشكون من النقوط. يتقاسمون التظلّم والتشكّي والتذمّر والتأفّف ونبرهم دائمًا رفضيّ غاضب. ورغم النبر الغاضب إلا أنهم يشاركون مع ابتسامات عريضة من الأذن حتى الأذن. أرى وأسمع. ولا أكاد أصدّق ما أرى وما أسمع. أصابتني حالة ارتباك وانفصام من كلام الناس وسلوكهم. 
"النقوط"، في اللغة، معناه مسحوب من النقطة. والنقطة في معاجم اللغة تحمل معنيين أصليّين مركزييّن: القلّة والتواتر التدريجيّ. والعامّة في كلامها التداوليّ قد جمعت هذين المعنيين في سياق واحد. يقولون مثلًا: "اشترى سيّارة من جاره ونقّطه نقوط بحقّها"، أي دفع ثمنها لجاره على دفعات بمبلغ قليل كلّ دفعة. أمّا في أعراسنا اليوم فقد انتفى المعنيان في اللغة والكلام ولم يعد النقوط نقطة صغيرة مرّة كلّ شهر. كيف وصلنا إلى حالة انقلب فيها الواقع على اللغة والكلام معًا؟! كيف صار النقوط مُفارقًا لمعناه المعجميّ والتداوليّ أيضًا، حتى صار بمئات الشواقل كلّ يوم في القاعات الفاخرة؟! ويحدث أحيانًا أن يكون النقوط مرّتين في اليوم الواحد! كيف ظللنا نتدرّج، في منطق نشوئيّ ارتقائيّ، حتى وصلنا إلى وضع صارت فيه الولائم، على أشكالها المختلفة، تُقام أربع مرّات في العرس الواحد؟! 
على حدّ ذاكرتي، وأنا لست عجوزًا، كان النقوط في أصله معقولًا يقتصر على الأهل المقرّبين والجيران. وكان نوعًا من التكافل الاجتماعيّ الجميل لا يكلّف أحدًا فوق طاقته. كان في شكله البدئيّ من جَناب البيت مقدورًا عليه: سحّارة كوسا، سحّارة قرع، سخل، خروف، قفّة برغل، فلفل مطحون للكبّة، خلقينة لبن معزى، تنكة زيت، شوال بصل بلدي، عديلة فريكة، سحّارة عنب، سلّة تين، قرطلّة صبر.. أذكرها تمامًا. ثمّ تطوّرت وأُضيف إليها فيما بعد قبعة رزّ، شوال قهوة، قبعة سكّر.. كان اللحم على قلّته لا يُقدّم إلا للضيوف القادمين من خارج البلد مقنّنًا يضعه واحد من الشباب في صحن الضيف. هي حصّته لا يزيد ولا يُثنّي. وإن بقي شيءٌ منه يأكله الرجال من أهل البلد وأهل العرس. لماذا يجب أن يخزّن ذاك الضيف المضاعف في كرشه ما يكفيه لثلاثة أيام قادمة؟! كانت التعاليل على البيادر لأسبوع كامل نقضيها على طنجرة شاي حلو مثل القطر. وأحيانًا كانوا يدورون على الناس بطبق مشكّل عنب وصبر وتين إذا كان العرس في الصيف، وأحيانًا بصينيّة زرد وملاتيت إذا كان العرس بعد موسم الزيتون.. نأكلها مستمتعين ونحن نمصّ شفاهنا شاكرين حامدين ألف مرّة.  
ما هذه البهرجة الكاذبة والتبذير اللعين؟! ما هذا التبرجز المقيت على حساب الناس المهلكين المنهكين؟! لماذا يجب أن يذبح مائة وعشرين خروفًا ذاك الفارغ الخاوي، الذي تباهى أمامي قبل أسبوع، وهو قاحط ينتظر النقوط حتى يسدّ بعضًا من ثمن الخرفان؟! لماذا يجب أن تُحضّر الولائم على امتداد أربع ليالٍ؟! لماذا لا يكون العرس أهليًّا حميميًّا يقتصر على مائة، أو أكثر قليلًا، من الأهل والأصدقاء المقرّبين؟! ما هذه الأعراس الاستعراضيّة المترفة الفارغة؟! ولماذا يجب أن يطحن ذاك الضيف المحترف، وأمثاله كثر، ما يكفي لخمسة رجال ومِنَ الناس مَن لا يجد ما يأكله؟! وإذا كان يأكل بألف شاقل ونقوطه مائة شاقل مثلًا فمن يسدّ الفارق بين الداخل والخارج غير القروض البنكيّة أو السوق السوداء؟! ما هذه النزعة الاستهلاكيّة التي أفقدت الأشياء طعمها وبهجتها وحلاوتها؟! وكيف صار العرس مصدر أذى وهو فرح؟! 
إن لم يكن الأمر عجيبًا فهو غريب!

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
أمير مخولأ
أمير مخول
·2026-01-07 17:59:14

كلمة تقدير أكثر من شكر مستحق

featured
جلبير الأشقرج
جلبير الأشقر
·2026-01-07 16:38:38

لا… لم يتبنّ ترامب سياسة «تغيير النظام»

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-07 10:38:53

تسفي برئيل: المسار من قرية الترابين إلى حرب أهلية يمرّ عبر بن غفير

featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا