ملائكة الرحمة في المواجهة
تقف الممرضات والممرضون -ملائكة الرحمة-اليوم في أصعب مواجهة لهم مع جائحة الكورونا الّتي تتفشى في العالم بلا هوادة، وتكمن هذه الصعوبة فيما يتعرضون له من خطر الإصابة بهذا المرض الخطير، لكنهم مع ذلك لا يتوانون في التضحية ومواصلة القيام بواجبهم الإنساني مع بقية الكوادر الطبية من أطباء وعمال خدمات وصيانة، من أجل الوصول للهدف الأسمى ألا وهو إنقاذ حياة أكبر عدد من المصابين بفيروس كوفيد - 19 أو الكورونا.
وهم يواجهون هذه الجائحة، حلّ "يوم الصّحة العالمي" الذي يصادف الاحتفال به في السابع من شهر نيسان/ أبريل من كلّ عام، وحلّت أيضًا الذكرى السنوية المئتين لميلاد "حاملة المصباح" الممرضة الإيطالية فلورانس نايتنجيل المولودة في بلدة فلورنسا في إيطاليا عام 1820 م، والّتي "تعلّمت التمريض في مدرسة الكايزروارت، وكانت تؤمن بأهمية وضرورة وضع برامج لتعليم التمريض وبرامج لتدريس آداب المهنة، وأن تكون هذه البرامج في أيدي نساء مدرّبات وعلى أخلاق عالية يتحلين بالصفات الحميدة"، وتعتبر الممرضة فلورانس أول من قام بمأسسة تعليم هذه المهنة.
في ظل مواجهة الكادر الطبي عامة والتمريضي خاصة لهذه الجائحة قرّرت منظّمة الصحة العالمية ومعها عدد من الجهات الداعمة، أن يُعلن عن عام 2020 السنة الدولية لكادر التّمريض والقبالة تحت شعار :"دعم كادر التمريض والقبالة"، وإصدار دراسة بهذه المناسبة تحت عنوان "حالة التمريض في العالم 2020 - الاستثمار في التعليم والوظائف والمهارات القيادية"، تستعرض فيه أوضاع العاملين في مهنة التمريض والقبالة في العالم من خلال مسح أجرته على 191 دولة، وقدمت في نهايته توصيات تتعلق بكيفية النهوض بهذه المهنة والوصول إلى تقديم التغطية الشاملة للخدمات الصحية في العالم.
حالة التمريض في العالم 2020
معطيات التقرير، الذي أعدّته منظمة الصحة العالمية، بالشّراكة مع المجلس الدولي للممرضات والتمريض، تثير القلق وتؤكد أن ما نشاهده في المستشفيات وغيرها من المؤسسات الصحية من ضغط عمل على الممرضات والممرضين، ومما يكشفه لنا عن الوضع في العالم بأن "عدد العاملين في هذه المهنة اليوم هو أقل بقليل من 28 مليون وبالدقة (27.9 مليون ج.ع) ممرضة في جميع أنحاء العالم. وبين عامي 2013 و2018، ازدادت أعداد العاملين في التمريض ب -4.7 مليون. لكن هذا الوضع ما زال يترك عجزًا عالميًا قدره 5.9 مليون -مع وجود أكبر الثغرات في البلدان في أفريقيا وجنوب شرق آسيا ومنطقة شرق البحر الأبيض المتوسط لمنظمة الصحة العالمية وكذلك بعض أجزاء من أمريكا اللاتينية".
أمّا منظمة العمل الدولية فقد أصدرت تقريرًا آخر هذا الأسبوع تؤكد فيه ما يلي: "سيكون العالم بحاجة إلى 9 ملايين عامل وعاملة إضافيين في مجالي التمريض والقبالة إذا ما كُنّا نصبو إلى تحقيق التغطية الصحية الشاملة بحلول 2030".
وفي سياق عرضه للدّراسة في اليوم العالمي للصحة، قال الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية:"الممرضات هنّ العمود الفقري لأي نظام صحي. اليوم يجد العديد من الممرضات أنفسهن في خط المواجهة بالمعركة ضد Covid-19، وهذا التقرير هو تذكير صارخ بالدور الفريد الذي يلعبونه، ودعوة للاستيقاظ لضمان حصولهم على الدعم الذي يحتاجونه للحفاظ على صحة العالم". أما السيدة أنيت كينيدي رئيسة المجلس الدولي للممرضات فقالت: "لم يفهم السّياسيون تكلفة التّعليم والحفاظ على قوّة عاملة تمريضية محترفة، ولكن الآن فقط يعترف الكثير منهم بقيمتها الحقيقية". وأضافت:"كل قرش يُستثمر في التمريض يرفع رفاهية الناس والأسر بطرق ملموسة وتكون واضحة للجميع. يسلّط هذا التقرير الضوء على مساهمة التمريض ويؤكد أن الاستثمار في مهنة التمريض يعود بالنفع على المجتمع وليس على التكلفة. يحتاج العالم إلى ملايين الممرضات الإضافيات، ونحن ندعو الحكومات إلى القيام بالشيء الصحيح، والاستثمار في هذه المهنة الرائعة ومشاهدة سكانها يستفيدون من العمل المدهش الذي لا يمكن إلا للممرضات القيام به ".
90% من الكادر التمريضي ممرضات
كما تؤكد هذه الدراسة أن حوالي 90 في المائة من جميع العاملين في التمريض والقبالة هن من الممرضات الإناث، ويظهر أيضًا التمييز الجندري القائم في هذه المهنة في مختلف المجالات حيث "يوجد عدد قليل من الممرضات في المناصب القيادية الصحية العليا ويشغل الرجال الجزء الأكبر من هذه الوظائف، "والمطلوب من الدول تغيير هذا الواقع وأن تعطى الفرصة للممرضات القيام بدور قيادي، ووضع برامج تنفيذية لها لقيادة التمريض، والمساواة في الأجور وشروط العمل عندها من المفروض أن تتحسن ظروف الممرضات".
كما ويظهر التمييز في الخدمات والظلم اللاحق بالدول ذات الإمكانيات المحدودة أو الفقيرة، فمن مجمل عدد العاملين في مهنة التمريض في العالم أي 80 في المائة منهم يعملون "في بلدان يسكنها نصف سكان العالم. ويمارس واحد من كل ثمانية ممرضين (مهنته - ج.ع) في بلد آخر غير البلد الذي ولدوا أو تدربوا فيه. كما تهدّد الشيخوخة القوى العاملة في التمريض، ومن المتوقع أن يتقاعد واحد من كل ست ممرضات في العالم في السنوات العشر القادمة".
هذا يعني أن حوالي 22.3 مليون ممرضة وممرض يقدمون خدماتهم لنصف سكان العالم، أي لـ 3.875 مليار مواطن، مقابل حوالي 5.5 مليون يقدمون الخدمات للنصف الآخر أي لـ 3.875 مليار الآخر من سكان العالم، مما يؤكد فقدان العدالة في تقديم الخدمات الصحية في عالمنا هذا.
الثروة والصحة
المعطى أعلاه يؤكد لنا حقيقة الظُلم القائم والفوارق الطبقية في عالمنا، فهناك خدمات طبية متطورة لأصحاب الثروات وهناك خدمات ممكن أن نقول أنها حد أدنى في أحسن الأحوال لسكّان الدول الفقيرة، ويكفي أن نذكر هنا ما أكدته منظمة العمل الدولية في تقريرها بهذا الخصوص :"تشير بيانات العمالة الصحية -استنادًا إلى التصنيف الرابع في التصنيف الصناعي الدولي الموحد لجميع الأنشطة الاقتصادية س. أنشطة الصحة البشرية والعمل الاجتماعي- إلى أن البلدان ذات الدخل المرتفع لديها أكثر العاملين الصحيين مهارة، وأكبر القطاعات الصحية بالنسبة إلى حجم سكانها. بحيث تمتلك النرويج أكبر قطاع صحي، فتوظف 1049 شخصًا لكلّ 10000 نسمة. وتأتي الدنمارك واليابان وهولندا وسويسرا في المركز التالي بأكثر من 800 لكل 10000 نسمة. ثم الولايات المتحدة (682) والمملكة المتحدة (664) موظف لكل 10000 نسمة والمعدل العام لدى هذه الدول يصل إلى 580 موظفا صحة لكل 10000 نسمة، مقابل ومقارنة بـ 49 موظف صحي لكل 10000 نسمة فقط (لدى البلدان الفقيرة)، أي أنّه يظهر لنا أن البلدان ذات الدخل المرتفع يزيد 12 ضعف عدد الأشخاص العاملين في قطاع الصحة لديها عن الدول منخفضة الدخل.
وعليه يقترح التقرير على الحكومات من خلال توجيه: "رسالة واضحة مفادها أن على الحكومات أن تستثمر في تسريع وتيرة التعليم والتأهيل بشكل كبير في مجال التمريض، وخلق فرص العمل وتطوير المهارات القيادية في مهنة التمريض. فمن دون كوادر التمريض والقِبالة وغيرهم من العاملين الصحيين لن تتمكن البلدان من كسب أي معركة ضد الفاشيات أو بلوغ هدف التغطية الصحية الشاملة وأهداف التنمية المستدامة". ويقدم العديد من التوصيات للحكومات لإحداث تغيير شامل في "حالة التمريض في العالم" منها:
- زيادة التمويل المخصص لتأهيل وتوظيف المزيد من الممرضات والممرضين
- تعزيز القدرات في مجال جمع البيانات عن القوى العاملة في مجال الصحة وتحليلها واتخاذ الإجراءات اللازمة على أساسها.
- تعليم وتدريب كادر التمريض على المهارات العلمية والتكنولوجية والاجتماعية التي يحتاجونها لدفع عجلة التقدم في مجال الرعاية الصحية الأولية.
- استحداث مناصب قيادية في مهنة التمريض، من بينها منصب كبير الممرضين/الممرضات على المستوى الحكومي ودعم تنمية المهارات القيادية في صفوف الشباب من الممرضين والممرضات.
وأخيرًا نتوجه للكادر التمريضي المحلي والعالمي بأحرّ التقدير لما يقومون به من تقديم الرعاية الصحية مع بقية الكادر الطبي في مواجهة جائحة الكورونا خاصة، ولخدماتهم الجليلة في الأيام العادية، فهم دائمًا يقفون في الصف الأمامي مناضلين من أجل توفير الحماية الصحية لسكان عالمنا عامة، آملين أن نتغلب جميعًا على هذه الجائحة قريبًا بفضل جهودهم وجهود كل من يتقدم في توفير الحماية من هذا الفيروس الخطير.

.jpg)






.png)


.png)