news
ملحق الجمعة

حول "مآثر" وكالة المخابرات الأمريكية في غرب آسيا (2)

لنعد الى أحداث الخمسينيات من القرن الماضي عندما أصبحت ألة الحرب والتآمر والارهاب السرية لوكالة المخابرات المركزية على بلدان الشرقين الأدنى والأوسط تزيد سرعتها وعنفها وإرهابها، ولم تكن وكالة المخابرات المركزية قد انتقلت بعد الى لانغلي التي صارت اليوم مرادفا مشؤوما للارهاب الدولي. في ذلك الوقت أي في فترة الخمسينيات من القرن الماضي أي قبل انتقال وكالة المخابرات الامريكية الى لانغلي، توزعت اقسام إعداد وتنفيذ العمليات التخريبية الارهابية في مباني خشبية من أزمنة الحرب العالمية الأولى في الشارع السابع عشر بواشنطن، وحفظت هناك الدوسيهات شديدة السرية عن العلماء المنتشرين في مختلف أنحاء العالم.

وهناك كان في المبنى "K" كان مقر قسم أفريقيا والشرق الأوسط والذي ترأسه روجيه غواران رجل المخابرات المحترف فرنسي الأصل ومن بعد ذلك المحامي نورمان باول خريج جامعة بيل. وكان أرتشيالد روزفلت ابن عم كيم روزفلت نائبا أولا لرئيس قسم أفريقيا والشرق الأوسط. كما كان هناك في وكالة المخابرات المركزية منصب خاص هو منصب كبير المحللين في شؤون الشرق الاوسط، شغله تشارلز كريمينس الذي القى محاضرات في جامعة القاهرة في وقت ما.

وفي تلك الفترة التاريخية أي أوائل خمسينيات القرن الماضي، تعمقت الأزمة العامة الرأسمالية وازداد الاتجاه والوعي الوطني  لشعوب غرب اسيا ونمت حركة التحرر الوطني ونضال شعوب الشرق العربي ضد تسلط الاحتكارات النفطية الرأسمالية الامبريالية العابرة للقارات ومن اجل تأميم النفط واقامة صناعات نفطية قومية وطنية.

وعلى الرغم من النجاح في قمع الجبهة الوطنية في ايران والاطاحة بالدكتور محمد مصدق وقتل عشرات الآلاغ من خيرة ابناء الشعب الايراني واعضاء حزب تودا (الشيوعي) الايراني، فان نضال الشعوب العربية حقق العديد من النجاحات ولذلك خشيت وكالة المخابرات المركزية جديا من ان تتكرر الانتفاضات الثورية المعادية للامبريالية في بلدان الشرق الاوسط. واكثر ما أثار قلق المخابرات المركزية الامريكية السياسة الوطنية القومية المعادية للاستعمار الذي كان يمارسها الزعيم الوطني الكبير جمال عبد الناصر، وكذلك أثار قلق المخابرات الامريكية النشاط القوي والناجح لقوى اليسار في سوريا. وظهر بعد ذلك العديد من الوقائع التي تؤكد بأن وكالة المخابرات الامريكية المركزية أعدت في الخمسينات من القرن الماضي بشكل جدي خطة لاغتيال جمال عبد الناصر.

وينسب الى وكالة المخابرات المركزية سلسلة طويلة من العمليات السياسية والعسكرية في العديد من دول العالم، وخاصة في امريكا الوسطى والجنوبية وغرب أفريقيا وغرب آسيا حيث جرى العديد من الانقلابات العسكرية والتصفيات الفردية والجماعية.

ومن الأعمال الفردية يكفي أن أذكر حادثة هروب الفاخوري من لبنان، هذا المجرم خادم اسرائيل والولايات المتحدة الذي ارتكب جرائم القتل والتعذيب في سجن الخيام في لبنان.

ويجب ان لا يغيب عن وعينا وإدراكنا بأن لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية دور كبير في العديد من التنظيمات النقابية والعمالية والثقافية عن طريق التدخل في نشاطاتها وعن طريق عملاءها. وقد تدخلت المخابرات الامريكية في نشاطات وعمل حركة الطلاب في الولايات المتحدة، وتدخلت في حركة الجامعة في ولاية ميشغين وفي البرامج الجامعية للجامعات الأمريكية وفي النقابات، إضافة الى تمويلها للعديد من دور النشر لنشر الكتب المؤيدة لسياسات الولايات المتحدة، وكذلك باستخدام شخصيات ذات "اطلاع وكفاءة" عالية لتسويق سياسات وأفكار ومعتقدات تخدم سياسة الولايات المتحدة، سياسة طبقة رأس المال.

وفي حديث نشرته في نيسان / ابريل عام 1984 مجلة "يونايتد ستيت نيوز أند ورلد ريبورت" أورد مدير المخابرات المركزية السابق وليام كيسي قائمة كاملة بأسماء المنظمات الأجنبية – أكثر من خمسين منظمة كبيرة ومئات المنظمات الصغيرة – التي لا تروق لواشنطن. وقد اختيرت لتكون أهدافا للضربات الوقائية. وهذه الاهداف موجودة في جميع القارات بالواقع، في أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وأكد ويؤكد المسؤولون في واشنطن دون خجل أن السكان المدنيين يمكن أن يقعوا ضحية لمثل هذه الضربات "الوقائية" الأمريكية وقد تجسدت الأقوال اللامسؤولة لكبار موظفي الادارة الامريكية في الاستفزازات الدموية "لوحدات مكافحة الارهاب" التابعة للدوائر الخاصة في الولايات المتحدة. ونتيجة أحد تلك الاستفزازات، تفجير قنبلة شديدة في احدى ضواحي بيروت في آذار عام 1985، قتل أكثر من 80 من السكان المسالمين وجرح حوالي 200.

وهناك نذكر جرائم أمريكا خلال احتلال العراق وجرائم التحالف السعودي المدعوم من قبل الولايات المتحدة في اليمن.

فالزعماء الأمريكان "الرؤساء" المغرورون بكبرياء الأباطرة وأكبر مثل على ذلك الرئيس الحالي المأفون ترامب، يمارسون الارهاب السياسي والاقتصادي، والآن حتى في مجال الطب ضد كل من يرفض الانصياع الى الاكراه السياسي الامريكي الصهيوني العالمي وضد كل من يرفض تطبيق مخططات الهيمنة الامريكية الصهيونية عالميا وخاصة في غرب آسيا وأفضل مثل على ذلك سياسات الحرب الاقتصادية السياسية ضد ايران واحتلال العراق والمؤامرة على سوريا، ومحاولة فرض ما يسمى "صفقة القرن" على الشعب الفلسطيني خدمة للمشروع الصهيوني من اجل تحقيق حلم ما يسمى باسرائيل الكبرى.

واذا كان مرتزقة واشنطن في افغانستان ونيكاراغوا وبلاك واتر في العراق وجبهة النصرة وقوات التحالف السعودي في اليمن يقتلون الناس ويحرقونهم ويعذبونهم ويقطعون رؤوسهم طبقا لتوجيهات البيت الابيض والمخابرات المركزية الامريكية، فان هؤلاء "مناضلون في سبيل الحرية". واذا غزا الجنود الاجانب اراضي بلد مجاور واحتلوها ومارسوا سياسات التطهير العرقي والضم والاستيطان الكولونيالي كما تفعل اسرائيل وفقا "للاتفاقية الاستراتيجية" مع الولايات المتحدة فان هؤلاء الجنود ينعتون بأنهم "ضحايا الارهاب".

فاليوم الولايات المتحدة تمارس سياسة الارهاب الرسمي باصرار وكبرياء ةغرور ضد دول عديدة حول العالم من فنزويلا الى ايران ومن كوبا الى سوريا واليمن. وتعلن الادارة الامريكية بصراحة بأن من حقها اسقاط حكومات لا تروق لها. وان تفرض على بعض الدول حكومات تروق لها. وهذا ما تفعله الآن في لبنان وفي العراق.

ولدى والولايات المتحدة الامريكية قواعد حربية، في العديد من دول العالم، فهناك اكثر من 1500 قاعدة حربية امريكية حول العالم، يرابط فيها مئات الآلاف العسكريين الامريكيين. ومن هذه القواعد العسكرية الارهابية القواعد العسكرية في العراق وشمال سوريا وهذه القواعد هي أداة لسياسة القوة والارهاب الرسمي الذي تمارسها واشنطن.

وللولايات المتحدة قواعد عسكرية وأجهزة مخابرات كبيرة في المغرب والعربية السعودية ومصر وعمان ودول الخليج.

ولا داعي للقول بان الولايات المتحدة تستطيع  ان تستخدم المشاريع الحربية الإسرائيلية في أي وقت ولأي غرض، فإسرائيل قاعدة امامية للامبريالية العالمية.

ولا استطيع ان لا اذكر مأثر المخابرات المركزية الأمريكية في لبنان، وخاصة الآن بعد تمكن الولايات المتحدة ومخابراتها من تهريب مجرم الحرب الفاخوري من سجنه في لبنان، خلافا للقضاء والقانون، وهذا شكل من اشكال البلطجة والعنجهية الأمريكية.

 فلأوساط الحاكمة في الولايات المتحدة لم تفكر أبدًا في الماضي والآن التخلي عن مواصلة حربها السرية والارهابية على شعوب الشرقين الأدنى والأوسط.

 وهنا اذكر ما كتبه ويلبر ايفلاند رجل المخابرات المركزية الامريكية في ربيع عام 1975 عندما بدأت الحرب الاهلية في لبنان حيث استيقظ في أعماق روحه ما يشبه تأنيب الضمير من المصير الفاجع للمدينة، أي بيروت، التي قام فيها أولى خطواته في مجال " الدبلوماسية السرية " والأفضل تسميتها " بالارهاب السري " 

كتب يقول : "ساحة الشهداء، أشجار النخيل وقد بترت  الألغام هاماتها بترا. بيوت مدمرة تهدف في بعضها البعض باطارات نوافذها الفارغة. واجهات بيوت محروقة مكسوة بكساء أسود كثيف من الهباب تبدو مخيفة بمظهرها المتشابه البائس الكئيب، تمتد من ثغراتها الشوهاء اصابع قصباتها الفولاذية المتشنجة، والغبار الاسمنتي يتطاير على السلالم العادية لدى اقل هبوب للريح" ويستمر ويقول "لقد رأيت كيف كان المرفأ يحترق في وهو الذي كان مرفأ هادئا مسالما منذ 25 سنة عندما جئت الى هنا للمرة الأولى (أي الى بيروت د.خ) إني اشتركت من قبل في تدخل الولايات المتحدة السري في شؤون لبنان الداخلية.

وان تدمير هذا البلد الذي بدا الآن، حتميا  كان جزئيا نتيجة لتدخلنا.

وتشير مجلة " ايت دايز " صراحة الى أن  "وكالة المخابرات المركزية زرعت بذورا تحطم النظام البرلماني في الجمهورية اللبنانية ووحدتها".

وترتبط مؤامرة وكالة المخابرات المركزية على لبنان في ذلك الوقت ارتباطا وثيقا " بمبدأ ايزنهاور " الذي صادق عليه الكونغرس الأمريكي في اذار/ مارس عام 1975.

فلأول مرة أعلنت الولايات المتحدة عن استعدادها لاستخدام القوات المسلحة من اجل، حماية الشرق الأوسط من  "الاعتداء الشيوعي" وادخل في الاقوال السياسية اصطلاح " المصالح الحيوية الامريكية " واعلن الرئيس ايزنهاور في رسالة خاصة عن سياسة الولايات المتحدة في الشرقين الأدنى والاوسط ضرورة المصادقة على حق اميركا في استخدام قواتها في المنطقة وطلب من الكونغرس اعتماد 200 مليون دولار في اطار ما يسمى ببرنامج المساعدات والتعاون.

وأعلن رئيس الجمهورية اللبنانية كميل شمعون ووزير الخارجية اللبناني شارل مالك المواليان للغرب فورا تأييدهما التام " لمبدأ ايزنهاور ". وضمن استعداد كميل شمعون للسير بطاعة في ركاب استراتيجية الولايات المتحدة إزاء الشرق الأوسط، كما يجري الآن مع الأنظمة الرجعية العربية والتي تمارس التطبيع مع إسرائيل لأن هذا يسير ويتماثل مع استراتيجية الولايات المتحدة وإسرائيل في الهيمنة على المنطقة وتعاطف البيت الأبيض معه (أي مع كميل شمعون).

الأمر الذي كانت له أهمية خاصة وضخمة بالنسبة اليه عشية الانتخابات البرلمانية المحددة في حزيران عام 1957.

وكتب الباحثان الامريكيان أ. فيشير وم. بسيوني: "ان دالس كان يرغب جدا بأن يبقى كميل شمعون في منصبه لأنه لا يوجد في العالم العربي قائد آخر ينصاع للغطرسة الأمريكية يمثل هذا السرور " وكم هؤلاء أمثال كميل شمعون موجودون الآن في عالمنا العربي من الخليج إلى المغرب، ومن كردستان إلى الصومال.

لدرجة تستطيع أن تقول بأن في العديد من الدول العربية ليست هنالك دول مستقلة لا بل دول وأنظمة تنصاع للغطرسة الأمريكية والإسرائيلية، وهذه الدول ليست بالدول بل عبارة عن مستنقعات لخدمة أباطرة طبقة رأس المال العالمي وأباطرة الولايات المتحدة المتغطرسون أمثال ترامب الذي قام راقصًا "بالسيف" العربي مع ملوك وأمراء العمالة الأمريكية، لكن الرغبة وحدها لا تكفي.

وأصبحت بيروت منذ عام 1957 مركزا لأعمال وكالة المخابرات المركزية التخريبية في الشرق الأوسط كله، وهي الآن كذلك.

وبدأ عملاء المخابرات العسكرية الأمريكية يتواردون إلى لبنان ليكونوا تحت تصرف حسني الزعبي رئيس المخابرات المركزية في بيروت. وألقى ألن دالس المسؤولية عن نجاح " العملية اللبنانية " على كيم روزفلت شخصيا.

والهدف من هذه العملية هو ضمان النجاح للحملة الانتخابية لكميل شمعون وشارل مالك باستخدام كل الأساليب الممكنة، ورشوة الأشخاص وتشويه سمعة غير المرغوب بهم وتخويفهم بصورة رئيسية.

وقد يتطلب تنفيذ هذا البرنامج الأموال، لكن وكالة المخابرات المركزية لا تبخل بها، مالئة صناديق صنائعها الانتخابية بالنقود.

وهذا ما تفعله أل C I A حتى الآن في العديد من الدول من أجل تعميق الصراعات الداخلية، وبرأي كاتب هذه السطور هذا ما يجري الآن في العراق ولبنان وفنزويلا وغيرها من دول أمريكا اللاتينية.

وكتب بعد ذلك وكيل المخابرات المركزية في لبنان في تلك الفترة يقول: "كنت خلال الانتخابات أزور قصر الرئاسة  (في لبنان د.خ) بشكل منتظم بحقيبة ممتلئة بالليرات اللبنانية وأعود بها في وقت متأخر من الليل فارغة لكي يقوم رجال هارفي أرمادو من المكتب المالي بملئها بالنقود مجددا.

وسرعان ما أصبحت سيارتي (أي سيارة إفلاند  د.خ) " الديزوتو " المذهبة ذات السطح الأبيض مألوفة أمام قصر الرئاسة.... "

ولعبت نقود وكالة المخابرات المركزية دورها المشؤوم، فقد حقق صنائع وعملاء البيت الأبيض أكثرية ملموسة في الانتخابات باستخدام الرشوة بشكل واسع. (وهذا ما يجري في مجتمعنا الآن في انتخابات على مستوى الدولة وأيضا في بعض قرانا خلال الانتخابات المحلية، حتى بأوساط  من يدعي بأنه من قوى اليسار د.خ).

وعقب ذلك ظهر شرخ عميق في الجهاز البرلماني اللبناني. وسرعان ما انتشرت 

موجة الاضطرابات في كل انحاء لبنان ونشبت في ربيع 1958 انتفاضة مسلحة

بطرابلس ضد نظام كميل شمعون تحولت الى حرب أهلية.

وأشارت مجلة "أيت ديز" بحق الى ان ذلك " كان مقدمة لحرب أهلية أطول وأكثر إهراقا وسفكا للدماء، حدثت في لبنان بعد مرور سبعة عشر عاما".

 ان العلاقة بين الحادثين الفاجعين في تاريخ لبنان لا تبعث على الشك، كما لا يبعث على الشك كذلك اشتراك وكالة المخابرات المركزية سرا في اثارة الحرب الاهلية الثانية بلبنان في عامي  1975 -1976 .

وكتب روجر موريس المساعد السابق لهنري كيسنجر في مجلس الامن الوطني أن " بعض الرسميين اتهموا وكالة المخابرات المركزية بمساندة العمليات القتالية 

حين غرق لبنان في الحرب الاهلية الدموية " (المصدر السابق).

ولم تكن هذه الاتهامات بدون أساس . فقد كان في لبنان فرعا إسرائيليا خاصا 

يتبع وكالة المخابرات المركزية اشترك بنشاط في عملية تعميق الازمة، وتعهد فرع آخر للوكالة يعمل في أثينا في اليونان بتمويل وتدريب التكتلات اليمينية

المسيحية (الكتائب ومن حولهم) . وبقيت الاتصالات بين وكالة الاستخبارات

المركزية وقادة الكتائب اللبنانية بعد الحرب الاهلية أيضا في عهد كارتر.

واتسعت هذه الاتصالات مع استلام الرئيس ريغان للسلطة في عام  1981.

ولا شك ان هذه الاتصالات الآن في فترة حكم ترامب تتعمق وتتوسع، وتهريب الفاخوري من لبنان دليل على ذلك.

وكتبت مجلة "إيت دايز" ان "وكالة المخابرات المركزية أوصت الكتائبين بخطة "لتحرير" لبنان من الوحدات السورية (الموجودة تحت راية قوات الردع العربية لحفظ السلام في لبنان) والمقاتلين الفلسطينيين مباشرة بعد انتخاب ريغان الذي وصف منظمة التحرير الفلسطينية بأنها "ارهابية". ويجب أن تنفذ هذه الخطة بتواطؤ سري مع اسرائيل.

ونصت الخطة التي وضعت في لانغلي (مركز المخابرات الامريكية) على استئناف الحرب الاهلية التي يجب على الكتائبيين في أثنائها طرد الفلسطينيين من بيروت الغربية بينما على اسرائيل بالاشتراك مع تشكيلات الانعزاليين المسلحة انزال ضربة بالقوات السورية المرابطة في سهل البقاع.

وفي شباط عام 1981 كشفت مجلة "ميدل ايست" من جديد عن نشاطات سرية لوكالة المخابرات المركزية في لبنان.

وتحدثت المجلة بالتفصيل عن عملية "ساندويش" التي يجب على اسرائيل وفقها جر القوات السورية الى عمليات قتالية جنوب لبنان ومن ثم انزال الضربة بالاتجاه الشمالي لمساندة تشكيلات الكتائب اللبنانية التي تقوم بتحطيم وتدمير مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في منطقة بيروت، ويتيح تحقيق هذه الخطة، وفق حسابات وكالة المخابرات المركزية، وضع لبنان كليا في أيدي اليمينيين قوات الكتائب ويكون "حلا" للمشكلة الفلسطينية عن طريق تصفية منظمة التحرير الفلسطينية. ونوت وكالة المخابرات المركزية الامريكية أن يتيح كل ذلك ارغام الأردن على الانضمام الى صفقة كامب ديفيد والاشتراك بالمفاوضات ما يدعى بالحكم الذاتي الفلسطيني الذي يرفضه الشعب العربي الفلسطيني بحزم. 

وما يجري الآن من مؤامرات وسياسات التطبيع مع اسرائيل من قبل الانظمة الرجعية العربية وصفقة القرن الأمريكي تهدف الى تصفية القضية الفلسطينية والوصول الى اقامة كانتونات فلسطينية تحت الهيمنة والسيطرة الاسرائيلية بدون القدس وبدون حل قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقه في ممارسة حق العودة. وهذا المشروع مصيره مزبلة التاريخ.

وهنا نذكر بأنه في صيف عام 1982 اتحدت الاحداث في الشرق الاوسط نطاقات جديدة خطرة. اذ قامت الطغمة العسكرية الاسرائيلية بتعاون تام مع البيت الابيض لا بل الأسود بعدوان جديد واسع على لبنان، واحتلت قسما كبيرا من أراضيه، ممارسة بشكل واضح ومستمر ابادة صريحة ازاء الفلسطينيين واللبنانيين. ومحا الجيش الاسرائيلي عمليا عن وجه الأرض مدنا لبنانية كانت مزدهرة في وقت ما، مثل النبطية وصيدا وصور، ودمر العديد من مخيمات الفلسطينيين مستخدما ضد السكان المدنيين أكثر أنواع الاسلحة وحشية كالقنابل الكاسيتية والعنقودية والفوسفورية، بالاضافة الى النابالم. أما الاحياء السكنية في بيروت الغربية التي حاصرها المعتدون وكانت أخر معقل للقوات الوطنية اللبنانية وقوات المقاومة الفلسطينية فقد اصبحت أنقاضا في أنقاض.

وأشارت صحف عديدة في العالم بحق الى ان الاساليب التي يستعملها الصهاينة بدعم امريكي مطلق وبصمت عربي لا يمكن مقارنتها من حيث وحشيتها الفظيعة ووقاحتها الا بالطريقة النازية "لحل المسألة اليهودية نهائيا" في سنوات الحرب العالمية الثانية.

لكن المقارنات التاريخية المشؤومة على ما يبدو لا تثير أي ارتباك لدى حماة المعتدى فيما وراء المحيط، الذين يعتقدون ان الغاية تبرر أية وسيلة في مسألة تحقيق استراتيجية الولايات المتحدة الامبراطورية والهيمنة المطلقة على الشرق الاوسط. وقام ويقوم الصهاينة المتوحشون بابادة منتظمة لكل مقاومة لهذا المشروع بواسطة اكثر انواع الاسلحة تفننا، من اعتداءات متكررة على سوريا الى قنص اطفال غزة بأسلحة وعليها وسم: MADE IN USA  ، ولكن في النهاية صمد الشعب اللبناني والفلسطيني وهرب الجيش الاسرائيلي زمن رئاسة براك لحكومة اسرائيل من لبنان خلال ليلة واحدة. واليوم المقاومة اللبنانية هي تحدي سياسي وعسكي واستراتيجي لاسرائيل.

لدى وكالة الاستخبارات المركزية ثلاثة أنشطة رئيسية، جمع المعلومات عن الحكومات الاجنبية والشركات والأفراد، تحليل تلك المعلومات جنبا الى جنب مع معلومات جمعتها وكالة استخبارات أمريكية أخرى، وذلك لتقييم المعلومات المتعلقة بالأمن القومي وتقديمها لكبار صانعي السياسة الامريكية، وبناء على طلب من رئيس الولايات المتحدة تنفذ الوكالة او تشرف على النشاطات السرية وبعض العمليات التكتيكية من قبل موظفيها او الجيش او شركاء آخرين.

يمكنها على سبيل المثال ممارسة نفوذ سياسي أجنبي من خلال أقسامها التكتيكية مثل شعبة الانشطة الخاصة وقد يكون قتل الشهيد سليماني والشهيد المهندس من أنشطة هذه الشعبة الانشطة الخاصة.

في 2013 ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" ان وكالة المخابرات المركزية لها أكبر ميزانية من بين مجتمع اعضاء الاستخبارات الامريكية (ميزانية الـ CIA عام 2013 وصلت 14,7 مليار دولار. وقد اتخذت وكالة المخابرات المركزية ادوارا هجومية بشكل متزايد، بما في ذلك القيام بعمليات سرية شبه عسكرية. واحدة من اكبر اقسامها، مركز العمليات المعلوماتية، تحول من مكافحة الارهاب الى العمليات العسكرية الالكترونية الهجومية.

وتستخدم وكالة المخابرات الامريكية مختلف وسائل التجسس الحديثة، كطائرات التجسس من طراز U.2  التي استخدمت فوق الاراضي السوفيتية من اجل التصوير والتقاط الرادار. ونذكر الطائرة التي تم اسقاطها عام 1960 فوق الاراضي السوفيتية والتي افشلت الاجتماع الذي كان مقررا في باريس بين الرئيس "أيزنهاور وخورتشوف ومكملان وديغول" وبمساعدة الطائرات U.2  استطاعت الولايات المتحدة معرفة اماكن الصواريخ الروسية في كوبا في عام 1962، كما استخدمت المخابرات المركزية كذلك السفن البحرية مثل "بيوبلو" التي قبض عليها في كوريا عام 1988، اضافة الى ذلك كان استخدام العملاء المباشرين سواء كانوا دبلوماسيين او غير دبلوماسيين وذلك بغية الحصول على المعلومات كحصولهم على نسخة من التقرير الذي تقدم به خورتشوف الى المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي، والذي ندد بجرائم ستالين، وكذلك البولندي جوزيف سوتيلو الذي كان يحتل موقعا متقدما في بلده وغيرهم من الذين ما زالوا يعيشون بحماية المخابرات المركزية نظرا للخدمات الكبيرة التي قدموها لهذه المؤسسة. وأكبر مثل على ذلك مستشار غورباتشوف الذي كان عميل لجهاز المخابرات المركزية الامريكية. وهروب العميل الفاخوري دليل على انه كان وما يزال تحت حماية المخابرات المريكية وبتعاون مع لبنانيين عملاء للمخابرات الامريكية.

والـ CIAمارست العديد من انتهاكات حقوق الانسان ليس فقط خارج الولايات المتحدة لا بل وداخلها.

ففي ديسمبر عام 1974 ذكرت صحيفة نيويورك تايم ان وكالة المخابرات الامريكية قامت بأنشطة محلية غير قانونية، بما في ذلك تجارب على مواطنين امريكيين خلال الستينيات من القرن الماضي. أثار التقرير تحقيقات من قبل كل من الكونغرس الامريكي ولجنة رئاسية معروفة باسم لجنة روكفلر. كشفت تحقيقات الكونغرس وتقرير لجنة روكفلر ان وكالة المخابرات الامريكية (CIA) ووزارة الدفاع اجرتا في الواقع تجارب على البشر للتأثير على سلوكه والسيطرة عليه من خلال استخدام العقاقير ذات التأثير النفساني مثل LSD والميسكالين أو غيرها من المواد الكيميائية والبيولوجية والنفسية الأخرى. وغالبا كانت تؤدي بطريقة غير مشروعة دون المعرفة، أو الموافقة من الاشخاص المعرضين للتجارب.

وفي ديسمبر 2014 اكد تقرير لجنة من مجلس الشيوخ الامريكي تورط وكالة الاستخبارات الامريكية في ممارسة التعذيب ضد معتقلين بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. وأشار التقرير ان وكالة المخابرات المركزية الامريكية قامت بتعذيب المعتقلين في السجون السرية (وهذا ما فعلته في سجون العراق عندما احتلتها).

ومن الجدير ذكره ان مركز الاستخبارات المركزية يقع في ضاحية "لانغلي" وتبعد 15 كلم عن واشنطن العاصمة وهو مركز محصن تحصينا طبيعيا بوجود نهر "بوتوماك" فضلا عن الحراسة المشددة عليه، والكاميرات التلفزيونية، تعلوه أسلاك شائكة. وتحتفظ الوكالة ببعض الابنية لاستعمالها تحت اسماء مستعارة. وتوازي ميزانية المخابرات المركزية السنوية ميزانية عدة دول نامية. عدد العاملين فيها حوالي 250 الف موظف وجاسوس يقدمون خلاصة اعمالهم بتقرير صباح كل يوم. يطلع عليه الرئيس الامريكي.

وفي وقتنا الحاضر أعلنت الـ CIA عن خطط لتجنيد جواسيس جدد وخاصة بهدف التجسس على الدول وليس الجماعات الارهابية. والصين على رأس القائمة.

 فقد أعلنت جينا هاسبل مديرة المخابرات المركزية الأمريكية CIAعزمها على تجنيد جواسيس جدد من جنسيات أجنبية، وبحسب موقع "صوت أمريكا" فإن الإعلان يشير إلى سياسة جديده في المخابرات الأمريكية تعتمد على جواسيس داخل دول معادية وعوده للشكل التقليدي في التنفس وبخاصةً الدول التي كانت أمريكا تركز عليها في عمليات التجسس قبل 11 سبتمبر، وقالت جينا هاسبل في تصريحها " نحن نعمل على تركيز جهودنا على الدول المعادية " وذلك بعدما كانت أمريكا على الأقل بشكل علني تقول إنها تركز على زرع جواسيس في تنظيمات إرهابية على مدار نحو عقدين.

كما قالت أنها ستعمل على زيادة عدد الضباط الاستخبارات الأمريكيين الذين يعملون في الخارج.

على أن استخدام عبارة " دول معادية " جعل المحللون يتجهون للاعتقاد بأن الهدف سيكون الصين وروسيا وإيران، وهذا التصريح لجينا هاسبل يأتي متوافقا  مع التقرير الخاص باستراتيجية أولويات الأمن الوطني الأمريكي الذي تم نشره أواخر العام الماضي والذي كان يدعو لإجراءات إستخباراتية للحد من نفوذ دول معادية، لتحقيق ما وصفه التقرير بـ " التوازن الدولي ". ولكن في حقيقة الأمر الولايات المتحدة تعمل بكل الطرق السياسية والعدوانية والإرهابية والاقتصادية بهدف فرض هيمنة القطب الواحد- هيمنة الولايات المتحدة- هيمنة طبقة رأس المال والشركات العابرة للقارات الأمريكية على العالم أجمع. إنها سياسة القراصنة.

روسيا من الدول التي ذكرها التقرير كأكبر خطر حالي على النفوذ الأمريكي، وكذلك جرى ذكر الصين بأنها "تعمل على إنهاء النفوذ الأمريكي " وهذا الأمر يجعل بكين الهدف الأكثر ترجيحًا حاليًا، أكثر من موسكو.

روسيا تمثل عدو قديم يعود للواجهة بشكل عسكري عبر عمليات عسكرية في سوريا أو بدعم الانفصاليين في أوكرانيا، أما الصين فتعمل بشكل مختلف حيث ذكر موقع CBS أن الصين تعمل على تفكيك النفوذ الأمريكي من خلال الاقتصاد ومنح القروض وضخ استثمارات في دول أفريقيا وفي امريكا اللاتينية التي تعتبر منطقة نفوذ لأمريكا.

وكان عضو مجلس الدولة وزير الخارجية الصيني "وانج بي" قال في اجتماع دول مجموعة أمريكا اللاتينية والكاريبي أنه يريد تعزيز العلاقات مع أمريكا اللاتينية والكاريبي وقدم اقتراحًا لتعميق التعاون الشامل بين الجانبين خاصة في مجال التكنولوجيا والثقافة والسياحة والإعلام والصحة.

حاليًا 84% من استثمارات الصين الدولية البالغة 734 مليار دولار  تتركز على مشروعات البنية التحتية في دول اقتصادها صغير، وكل هذا في الفترة من 2005 إلى 2017.

وفي تعليق لها على السياسة الصينية قالت " بكين تستثمر وتقدم قروضًا لدول فقيرة لن تتمكن رد المال وبالتالي ستكون مجبرة على تقديم تنازلات للصين بشكل يهدد علاقة هذه الدول بأمريكا.

وأضافت "نحن في ال CIA نراقب هذه التكتيكات " ويذكر أن وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" أعلنت أن الصين ليست أكبر تهديد حالي لأمريكا لكنها ستكون كذلك خلال عقد من الزمن. ومع كل هذه التصريحات الأمريكية الاستفزازية العدوانية، نفت الصين أن يكون التقرير الأمريكي صحيحًا ووصفته بالسخيف مؤكدة أنها تعمل فقط على زيادة نفوذها من خلال التعاون السلمي مع دول العالم.

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب