رحل حليم بركات روائيّاً وأستاذ علم اجتماع، في جامعة جورج تاون- واشنطن دي سي، وهو مسكون بالاغتراب، الذي شكّل سمفونيته ولازمته الموسيقيّة، وشيفرة لفكّ سردياته الروائيّة والسيرذاتية، الباحثة عن حرية الفرد وفكّ قيود المرأة، ووضع حدٍّ لاستلابها في المجتمعات العربية. رحل صاحب روايات (ستة أيام)- 1961، و(عودة الطائر إلى البحر)- 1969 و (الرحيل بين السهم والوتر) – 1979 و (طائر الحوم) –1988 وسيرته (المدينة الملوّنة) -2006، بعد أن عاش تجربة النفي والبعد عن الوطن حتى الممات، واهتم باحثًا من منظور اجتماعيّ بأدبيات المنفى وتداعياته، سواء المنفى الطوعيّ المتمثّل بالعيش في الغربة أو العزلة داخل الوطن والمنفى القسريّ، أي العيش الفيزيقيّ خارج الوطن.
عاش عقودًا في الغرب خارج المكان.. الوطن، لكنّه بقي مسكونًا بنوستلجيا وحنين رومانسيّ جامحٍ إلى جذوره، وهو الكفرونيّ الكاشف أهواءه "أحب شجرة الصفصاف لأنها تنكفئ على ذاتها وجذورها. كلما كبرت في العمر، انحنت أغصاني نحو جذوري". (طائر الحوم-1988، ص 8). كما انشغل بكتابات الغربة والمنفى وصورة السلطة الأبويّة وقضايا المجتمعات العربيّة خاصة تهميش المرأة وإقصائها، واستشهد بإعجابٍ بإدوارد سعيد بتعريفه للنفي ب "غربة فُرضتْ على الإنسان ولا يمكن الخلاص منها فالمنفيُّ مُقتلعٌ من جذوره وتربته وماضيه "- غربة الكاتب العربيّ –دار الساقي 2011 ص 275. اهتم الكفرونيّ حليم بركات، من منفاه الطوعيّ، في رصد وبحث سيرورة وصيرورة المجتمعات العربية، كما طبع تجربته الشخصية وسيرته الذاتية، في معظم كتاباته خاصة الروائية.
كتب حليم بركات من منفاه عن المجتمع العربي، في (غربة الكاتب العربي) "أقول بشيءٍ من الحياء والتردّد إنَّ صلتي ومعرفتي بالمجتمع العربيّ وأحاسيسي بالانتماء إليه، تعمّقت بعد هجرتي، فأصبحت أنظر إليه ككل لا كمجموعة من الدول المهزومة، وأصبح ولائي له ككل ربما لا يقلّ عن ولائي للبلد، الذي ولدتُ ونشأتُ فيه.. وفي المنفى الطوعيّ أصبحتُ أسير حنيني إلى الوطن وانشغالاتي بقضاياه"- ص278، لكنّه رُغم وجع الغربة، إلّا أنّه أثنى وكال لها المديح من منظوره ورؤيته الاجتماعية العلميّة، "في المنفى يتحرّر المغترب مِن تفاصيل تراثه الثقافيّ مهما أراد أن يؤكّد على هويته. يتحرّر من انفعالاته اليومية، من جزئياته، ورتابته، وتكراره، وخلافاته الجزئية. وينشغل بدلًا من ذلك، بجوهر هذا التراث الثقافيّ فلا تتساوى الأمور في نظره، إذ حين تتساوى، يبطل لأن يكون لأي منها قيمةٌ أو معنى. ولا يكون الولع في الغربة بالخلافات، بل بالاختلافات ". (ص 279). كما عالج موضوع المثقفين العرب، رافضًا تصنيفهم طبقة قائمة في ذاتها، بل رأى فيهم شريحة، هي أكثر ارتباطًا بالثقافة النخبوية، على حساب الثقافة الشعبية.
اهتم حليم بركات باحثًا وكاتب شهادات في "غربة الكاتب العربي"، في التشرّد الفلسطينيّ وتجلياته في سرديات الروائي جبرا إبراهيم جبرا، ومعاناة الفكر والمنفى في كتابات هشام شرابي، وريادة إدوارد سعيد، في خلخلة الثقافة الغربية حول العرب والإسلام، من خلال كتابه "الاستشراق"، الذي مَوْضَع فيه العلاقة بين الشرق والغرب في خانة الهيمنة، لا في خانة صراع حضارات. إضافة إلى الكتابة عن رسائله مع أدونيس من خمسينيات القرن الماضي، الذي نعته بشاعر الواقع ونقيضه، وكتب عن غربة عبد الرحمن منيف وغموض الطيّب صالح وتمرّد جبران، وإبداعات سعدالله ونّوس المسرحية ولوحات مروان قصّاب.
//حليم بركات روائيًّا يحمل غضب المثقّف العربي
المثقف في أعماله الروائية غاضبٌ ومُحبطٌ وعاجز عن التغيير، رُغم أنّه عانى من القمع والاعتقال ولم ينثنِ عن أفكاره، لكنّه يكتفي بالثرثرة والتنظير والنقاش الفكريّ والحلم لا الفعل. في منظوره "الروائي العربي يعرف نفسه حقًا ولا يقدّرها بالضرورة، حين يعرف الآخر، ولكن هذه المعرفة ما كانت لتتم، لولا مناخ الحرية والبعد عن مراكز السلطة المركزية، بكل أشكالها، ولا سيما منها السلطة الاجتماعية والثقافية".
في روايته "الرحيل بين السهم والوتر" – المؤسسة العربية -بيروت 1979، التي تحكي اغتراب وقمع المثقف العربي وتعذيبه من قبل السلطة السياسية، من خلال شخصية الطالبين الجامعيّين العراقيّ نائل البدري والمغربيّ عبد الهادي الإدريسيّ. ونقض الواقع من خلال النقاش والمؤتمرات كما يتمثّل في نقاش سلام، مع صديقها عبد الهادي، أثناء مشاركتهما في مؤتمر " لو كنا نعيش في غير هذا الزمن التعس يحكمنا، كما يقول نائل، السلاطين والملوك والأمراء والضباط والمهرّجون كلٌّ يريد مملكة لنفسه وخدمًا وحشمًا وجنائن معلقة لزوجته وقصورًا لعشيقاته وغلمانه وجواريه ومستقبلًا لامعًا لأولاده حتى تصبح البلاد امتدادًا لذواتهم " (ص19) وينعت عبد الهادي الزمن بالانفصام. إنّ حليم بركات في أعماله الروائية يلبس قبعة عالم الاجتماع في كشف عيوب المجتمعات العربية ونظامها الأبويّ المتسلّط، ففي "الرحيل بين السهم والوتر"، يشير على لسان صوت أنثويّ، إلى سطوة المجتمع الذكوري وهيمنته على المرأة، فزينب في حوارها مع نائل، تتذمّر من قمع المرأة في المجتمعات العربية واغتصابها وامتلاكها من قبل الرجل. حملت هذه الرواية، مشكلات الفرد الاجتماعية في المجتمع الأبويّ وقمع وتهميش المرأة. في معظم أعماله الروائية، لم يستطع حليم بركات التحرّر من أسر المنفى، وهو القائل حول روايته "طائر الحوم": "في روايتي طائر الحوم، وهي رواية- سيرة ذاتية، حاولت أن أعبّر عن تجربة المنفي في مختلف أبعادها. في المنفى أجد شجرة الوطن تُغرق جذورها عميقًا في داخلي فأتنقّل ذهابًا وإيابًا، ومن خلال التداعي النفسي وعلى أجنحة المخيّلة، بين الكهولة والطفولة، وبين مدينة أميركية هي واشنطن وقرية سورية هي الكفرون، كل ذلك في مناخ نفسيّ تأمليّ متوتر معًا في زمن محدود هو بضعة أيام." – غربة الكاتب ص 278
حليم بركات والفلسطينيّ في "عودة الطائر إلى البحر"
روايته هذه "عودة الطائر إلى البحر"- 1969، ذات لغة شاعريّة ولوحات فنيّة وجمالية معمارية، ونجاح في توظيف الميثولوجيا والتناص التوراتيّ، بعد إفراغه من مضمونه الدينيّ، واستعماله بشكل عكسيّ، في سياق سياسيّ واجتماعيّ، احتجاجًا ورفضًا للواقع العربيّ المهزوم والمأزوم. تتكئ الرواية على أسطورة الطائر الهولنديّ، وتحكي تشريد وتغريبة الفلسطينيّ بعد خسارته وطنه، وتُستهل بالتناصّ التوراتيّ، "العالم ماء، والظلام يغمر كل شيء. الشمس مُطفأة والقمر لم يوجد بعد.يبدو له كأنّما كل شيء يتكوّن من جديد. الأسطورة التوراتية تتكرّر، فالأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة. إنّما روح الله لا ترفّ على وجه العالم كما يُروى في التكوين الأوّل"، والمسهبة من منظور رمزي صفدي، في وصف حشود المتظاهرين في بيروت بعد صدمة الهزيمة، تضامنًا مع فلسطين وتأييدًا لعبد الناصر، " يهبط نحو شارع الحمراء. أمواج من المتظاهرين يقبلون من الاتجاه المعاكس. يحطّمون واجهات المحلات والمصابيح والإشارات. الزجاج يتناثر في الطريق. التجار يغلقون أبواب محلاتهم. أصحاب المحلات ذات الأبواب الزجاجية يبحثون عن صور عبد الناصر يلصقونها على الواجهات. لا تنفع. المتظاهرون يحطمون كل شيء" –ص161، لكن الإحباط والهروب إلى الغرب هو الحل، بترميز عودة الفلسطينيّ- الطائر الهولنديّ إلى البحر، بعد أن خسر سنتا التي ترمز إلى فلسطين. " وتتناول باميلا أسطوانة أوبرا الهولنديّ الطائر وتصغي للحوار بين سنتا وحبيبها السابق أريك. سنتا: اتركني. اتركني. أريك: والدك جلب العريس. أعرف. أعرف كنت أتوقع أن يفعل ذلك. أما أنتِ، لا أصدق أنّكِ يمكن أن تعطي يدك لرجلٍ لم يعبر عتبتك إلّا منذ فترة قصيرة... سنتا: اسمع. اسمع. إلى أين أنت ذاهب؟ الهولندي الطائر: إلى البحر. إلى البحر". ص-170
رُغم التجريب الروائيّ والنضوج الفنيّ إلّا أنّ الهروب والعودة إلى البحر – الغرب والغربة، هي الملاذ عند الفلسطينيّ رمزي الصفديّ. تنتهي الرواية مُستشرفةً الأمل والخلاص، على إيقاع موسيقى السيمفونية التاسعة وعواصف فاغنر وجلجلة دلن طوماس، والفلسطيني المغترب – الهولندي الطائر، يحنّ إلى وطنه البر بعد أن خسر حبيبته سنتا "لقد عاد الهولندي الطائر إلى البحر. غير أنّه يحسّ بحنين جارف للبر.لا يمكنه أن يظل منفيًا وبلا أصول". أما حليم بركات فقد رحل في فجيعة الغربة بعيدًا عن وطنه سوريا وبلدته كفرون، رحل وهو مسكونٌ بالحنين الجارف مثل الطائر الهولندي، رحل ولم يعد إليها كما عاد يولسيس إلى وطنه إيثاكا.







.png)


.png)