تتسلم الراوية مذكّرات وأوراق ثريّا وأحلام لتُتمّ الرواية، وتوضّح أنّها لم تغيّر كثيرًا في أوراق ثريّا رغم غربلتها لتفاصيل جمّة، وقد أولتها حقّ الصدارة لافتتاح هذا العمل الأدبيّ، مشيرةً إلى كثرة الأسئلة الاستفهاميّة، الإنكاريّة، والتعجّبيّة المطروحة في أوراق ثريّا، الأمر الذي جعل الكاتبة تتيح لثريّا أن تتصدّر الرواية، وعن ذلك تقول: "أوليس أصلًا لأسماء الاستفهام ولحرفَيْه الهمزة وهل، حقّ الصدارة؟!" (316).
تضطرّ الراوية/ الكاتبة لإتمام الرواية، فتقرأ مذكّرات أحلام وثريّا، ثمّ تجعل من نفسها محقّقًا شرطيًّا وتلتقي بمعظم شخصيّات الرواية، كسهام، أمّ البطلة أحلام التي غرقت في نواح مؤلم لما أصاب ابنتها، وعمّها وسام الذي نفى عنها تهمة الانتحار، وادّعى إصابتها بالسكتة القلبيّة، وخطيبها أمير الذي حدّثها عن حكايته معها، ثمّ زوج أمّها مفيد الذي أنكر تهمة القتل عنه عدّة مرّات، لكنّه عاد واعترف للكاتبة بأنّه وضع لها السمّ في كوب الشاي الذي اعتادت على شربه يوميًّا مع فطورها، لأنّه أحبّها ولم يستطع تخيّلها بين أحضان الآخر(376 – 378).
إنّ مبدأ التعدّديّة الذي تبّنته الكاتبة في كلّ مركّبات الرواية، وخاصّة تعدّد الرواة يتيح سرد نفس الحدث من وجهات نظر مختلفة، رغم التزام كلّ راوية بحبكة الرواية الأساسيّة، ويكشف للقارئ مضامين جديدة لا يعرفها كلّ الرواة، ممّا يعمل على تشابك المضامين وتداخلها فيزيد الرواية تعقيدًا، ولعلها لجأت إلى ذلك لترفع عن نفسها المسؤوليّة والمساءلة عن بعض المضامين التي تخدش الحياء، وقد يرجع صنيعها هذا لتعكس قدرتها في تتبّع أحداث الرواية، وبراعتها على سدّ الثغرات حين لا يقوى سائر الرواة على ذلك حسب تصريحها(375).
الميتا - كتابة، الميتا- نقد
تعنى الكاتبة، كما قدّمنا أعلاه، بظاهرة الميتا - كتابة، وهي الكتابة عن الكتابة، وتعتبر ملمحًا من ملامح السرد النِّسْويّ الحديث، رغم حضورها في السرد الرسميّ عامّةً. إنّها ظاهرة حاضرة في مواضع كثيرة من الرواية، فما أن تتركها وتجوز إلى غيرها حتّى تعود إليها، ومن ذلك ما ذكرته عن توظيف عدّة رواة/ أصوات، واعتذارها من وقوع القرّاء في متاهة الأصوات (179). تعود في مواضع أخرى للحديث عن كتابة هذه الرواية، ومن ذلك قولها: "قد لا يسهم تعليقي هنا بإحراز أيّ تقدّم جذري في سير أحداث العمل الروائيّ الذي أنا بصدده، [...] ولذلك لن أثقل عليكم بالتكرار والحشو [...] ولهذا اعذروني أنا المطّلعة على جميع الأوراق قبل إقدامي على مثل هذا العمل، وقد وضعت تحت الأمر الواقع فيه، فلا يسعني إلّا أن أقحم نفسي ببعض الأمور، فلا أستطيع أن أبقى صامتة قارئة ليس أكثر، فلهذا لا تؤاخذوني إنْ بذرت تعليقًا هنا وآخر هناك" (265 – 266). تظهر الكاتبة في موضع آخر طالبة إسقاط اللوم عنها لتعليقها على بعض الأمور، فاقدة سيطرتها على نفسها وفكرها، وقد ألمّت بكلّ الحكاية قبل البدء بخطّ سطورها (180). ثمّ توضّح نهجها في عمليّة الكتابة قائلة: "وسأعاود قراءة باقي الأوراق إنْ لزم الأمر، كما رتّبَتْها هي، وأظنّ بأنّني سأحصل عندها على قصّة طويلة بمبناها الهرميّ: مقدّمة ونقطة تأزّم وتراخي الحدث، والحلّ الذي كان لا بدّ منه: موتها إمّا انتحارًا أو قتلًا أو قهرًا، وقد تكون القصّة دائريّة حين تنتهي ببدايتها"(196).
تتقاطع رواية "صمت الأحلام" مع رواية "الآمال المعتّقة" للكاتبة هديّة علي المذكورة في مواضع كثيرة من الرواية، وكأنّ رواية "صمت الأحلام" تتمّة لرواية "الآمال المعتّقة"، وهذا ما يشير إليه الكاتب محمّد نفّاع قائلًا: "وبين الآمال والأحلام صلة قرابة، نصف عقد يفصل بين الروايتين مع تواصل متين وأواصر قويّة، ويتبادر لذهني لأوّل وهلة ملاءمة العنوان للموضوع حتّى قبل أن أقرأ المادّة، وهكذا كان صلة قرابة ليس فقط بين الأحلام الصامتة والآمال المعتّقة، بل في الاستمراريّة لدرجة يصحّ معها القول أنّ الرواية الجديدة تصلح لأن تكون مكمّلة لما سبق"(نفّاع، المقدّمة، 9).
يتردّد ذكر رواية "الآمال المعتّقة" بصورة بارزة في رواية صمت الأحلام؛ تقول أحلام الخالد: "ألم تكن هذه قصّة أبيه[أمير] وسام مع أمّه مروج، وأيضًا قصّة عمّي مجدي وخالتي ثريّا حسبما تزوّدت بذلك من رواية "الآمال المعتّقة" والتي هي بالأصل قصّتهم كما أخبرني عمّي نضال"(289 – 290). ثمّ تشير أحلام إلى علاقة الحبّ بين أمّها سهام وعمّها مفيد قائلة: "وعمّي مفيد كان يحبّها من قبل أن تتزوّج من أبي، ولكنّها فضّلت آنذاك أبي عليه كما قرأت في "الآمال المعتّقة"(295). وتشير أحلام أنّ عمّها نضال هو الذي أخبرها عن علاقته بخالتها ثريّا، "وتزوّدت بمعرفة كلّ الحكاية بينهما من "الآمال المعتّقة" الذي [التي] وجّهني هو لقراءتها"(307)، وفي خطاب ثريّا لأحلام بعد موتها تقول: "لو أنت ما زلت على قيد الحياة، لما أخبرتك بذلك رغم أنّك تعرّفت إلى تلك التفاصيل من "الآمال المعتّقة" التي هي بالفعل قصّتنا"(309). هكذا تعمد الكاتبة إلى ذكر نتاجها الأدبيّ السابق لتناقشه مع روايتها الجديدة، فتربط بين الروايتين وكأنّهما عمل أدبيّ واحد، ليترسّخ في فكر القارئ.
تتّخذ الكاتبة روايتها بوقًا لنشر بعض آرائها الأدبيّة، سواء على لسانها، أو بواسطة شخصيّات أخرى، وقد تقدّم الحديث عن طلبها في عدم مؤاخذتها على ما صنعته من إطناب أو إيجاز في بعض الأمور، وكذلك نقدها لكتابة ثريّا ورأيها فيها كاتبةً، ثمّ تدلي ببعض آرائها الأدبيّة قائلة: "أنّ معظم ما يحبّر بين دفتي غلاف أيّ رواية إنّما هو مستقًى من الواقع، فلا شيء ينبثق من الفراغ؟!1"(25)، وفي رأيها هذا ما يشير إلى أنّ الأدب مهما كان متخيّلًا، كما هو متعارف عليه، فلا بدّ أن يرتبط بالواقع أو يصدر عنه. وهي لا تترك أيّ فرصة لتنقل رأيها فيما يُكتَب، ومن ذلك قولها على لسان ثريّا: "وأنا واثقة لو كانت أمّي بظروف أخرى وواقع مختلف، فستكون أديبة متألّقة، ومعظم الأدباء ينقلون الهمّ الشخصيّ ويُطعّمونه بالهمّ العامّ مع إعمال الخيال"(80)، وفي هذا ما يشير إلى إقحام رأيها المذكور في موضع لا يتناسب مع ضرورة السرد.
مستويات اللغة
تتأثّر لغة الرواية لدى هديّة علي بالمضمون المسرود كغيرها من الكتّاب، إذ تأتي اللغة مجازيّة، رومانسيّة أو لنقل لغة سماويّة حين يرتبط السرد بالحبّ والجمال والطبيعة، أو كلّ ما يتيح لخيال المبدع أن يغوص في خضمّ اللغة، فيغرف من جماليّات اللغة ما شاء له أن يغرف، من ذلك ما جاء من وصف للقرية على لسان ثريّا التي تقول: "فبنظري جمال بلدان العالم بأكملها يتقزّم أمام جمال بلدي، بلدي عروس الجليل بجبالها الراسيات المكلّلات بأشجار السنديان والقاتل والملّ، بوديانها المبرّجة بأشجار القيقب والخرّوب والغار، بسهولها التي تفحّ ربيعًا، شذى أزهار التفّاح والكرز والمشمش، بهوائها المنعش أيّام القيظ، ببيوتها الجامعة بين جدرانها الناس المتحلّين بالطيبة والأصالة"(126 – 127). لقد نسلت الكاتبة هذه الأوصاف الجميلة من جمال طبيعة قريتها، وجدلت منها أجمل باقة وثّقت بها جمال قريتها.
في موضع آخر تعكس أحلام الخالد متعتها وهي تتأمّل الطبيعة المتجلّية بقدرة الخالق، فتنتزع منها مشاهد آسرة بلغة رفيعة المستوى: "كرؤية عصفورة "تزقّم" ابنها الفرخ طعامه، أو وردة ببداية تفتّحها، أو صور لأطفال بريئين يقومون بحركات تشي بذكائهم وبراعتهم في الأمور، أو منظر الثلج عندما غزا بلدتنا أواخر سنة 2013 والتماثيل التي تمّ إبداعها بهذا الثلج"(205). تواصل الكاتبة تألّقها اللغويّ وهي تكشف عن مواطن جمال أحلام الخالد، ومن ذلك وصف ثريّا لها: "كيف لا والعروس هي أحلام سعيد الخالد، أجمل فتاة في الكون، فلا شكّ، لو سُمِحَ لها الترشّح لملكة جمال العالم، ولا أبالغ بذلك، لفازت باللقب، ليس رصيدها جمالها الخارجيّ فقط، من القدّ المتناسق والطول الفارع والوجه المسفر الجميل المتوّج بشَعْر خرّوبيّ ناعم طويل مسدل على كتفيها، ومن الألق المشعّ من عيون حائرة مستنجدة تبْعَث طيبتها، ومن ابتسامة باهتة تحاول تمويه ما يجيش بمجاور ضلوعها، وإنّما أيضًا حنكتها وثقافتها الواسعة، وإجادتها للّغات الثلاث: العربيّة والإنجليزيّة والعبريّة بإتقان"(19).
ترقّ لغة الرواية وترقى في المشاهد الجنسيّة، ومن ذلك وصف أحلام لمداعبات عمّها مفيد، إذ تقول: "وفيما أنا مشغولة بتحضيرها [الزواويد] حتّى شعرت بيده تمسّد شعري الذي لا يخلو من نتف الماء المعطّر بالشامبو، فقال بعد أن شمّه: ما أجمل شعرك، لم أرَ في حياتي شعرًا أجمل منه. شكرته ولم ألتفت إليه لأنّني بعجلة من أمري، فضمّني من الخلف وهمس بأذني ما أجملك! ومع هذا التعبير انتفضت جميع حواسّي ولم أرد أن يفكّ يديه من حول صدري. شعرت بالأمان وتمنّيت أن يقبّلني، وقد فاحت رائحة معجون الأسنان من فمه"(234). تنقل أحلام مشهدًا آخر مع مفيد قائلة: "أنتِ لم تبقي صغيرة، تحسّسي معي نهديك الشامخين الجميلين، ووضع أصابعه بين نهديّ من فوق البيجاما الصيفيّة الرقيقة، ومسح بحركة دائريّة ناعمة على نهدي الأوّل، ثمّ على الثاني فشعرت بحالة يستعصي عليّ وصفها، ودحرج يده على بطني المسطّح بشكل مستقيم إلى أن وصلت لعورتي فاستقرّت هناك، وبحركة غير واعية منّي أزحتها، فضمّني بحنان إلى صدره ولعق دموعي بقبلاته"(338 – 339). لا تخرج هذه الصور الجنسيّة عن العرف المتّبع في المجتمع، وحين تسترسل الراوية في دهاليز العلاقة الجنسيّة، تجد من يحذّرها فتتراجع عن التوغّل في هذه الموضوعة وفق ما أشار لها الكاتب محمّد نفّاع ودعم رأيه السيّد صالح عبّاسي بحجّة أنّ "هذه الجرأة وهذا الانكشاف قد لا يتحمّله المجتمع وهو ليس من القضايا الجوهريّة على كلّ حال [...] وأفكّر أحيانًا هل كنت محقًّا في طرح هذه الملاحظة، أو أنّ لدينا بقايا من رواسب وتردّد واعتبارات ستخفّ مع الأيّام"(المقدّمة، 12).
تنحو لغة الرواية منحى اللغة التقريريّة في تناولها لأحداث حقيقيّة تكاد تطغى على المتخيّل السرديّ ومن ذلك وصف الرحلة إلى سوريّا، سجن مجدي، صنع أحلام للكعك والشوكولاطة، حبّ ثريّا لبرامج الحيوانات المعروضة في قناة "ناشيونال جيوجرافيك"، وصف ما جرى في الرحلة إلى إيطاليا، وغير ذلك من الأحداث المسرودة بلغة تقريريّة، ففي وصف الراوية ثريّا للرحلة إلى سوريّا تقول: "وزرنا هناك مقام رأس الحسين بن عليّ عليه السلام، وقد غلبت عليه تسمية مشهد الحسين. وأيضًا شاهدنا مدفن جسد يوحنّا المعمدان – النبي يحيى نسيب المسيح عليهما السلام، حين لم يبق من آثاره المسيحيّة سوى جرن العماد، ونقش باليونانيّة في مدح المسيح على أحد الجدران [...] لقد تعمّد أولاد الخالة اصطحابنا لنتجوّل في عدّة أماكن في سوريّا، وما زلت أذكر منها "خربة شُمرا" لكثرة وجود الشومر بها، وجبل السمّاق، وسوق الحميديّة في الشام وجرمانة وقلعة حلب، وقابلنا ركان الأطرش في جبل السويداء، وهو ناطق من إيران فانتقلت روحه من هناك إلى السويداء"(83 – 84).
تطعّم الكاتبة لغة الرواية بألفاظ اللغة المحكيّة، الأمثال الشعبيّة، والمقولات التراثيّة خاصّة في الأعراس وعند حضور الموت، ويبدو أنّها تدأب على توثيقها خوفًا عليها من الضياع، ومن نماذج اللغة المحكيّة التعبير "يهدّ الحيل" الذي تذكره ثريّا في معرض حديثها عن موت أحلام، إذ تقول: "ولكن أن تموت أحلام، فمن الصعب تصديق هذا الخبر الجلل!! فلهذه المفاجأة المأساويّة وقعٌ "يهدُّ الحيل" فكيف لأجمل فتاة في القرية إطلاقًا"، ومن ذلك أيضًا لفظة "يطنّش" وتعني يتجاهل، إذ تقول: "فمن منّا "لا يطنِّش" مرّات من تأدية واجب بعض المناسبات؟!" (19). وكذلك التعبير "شبق وعبق"(28) الذي تستخدمه في موضع آخر منفيًّا ليصبح" لا شبق ولا عبق"، فتقول عن مآسي الحرب: "فقد حصدت خلال خمسين يومًا أرواح ألفين ومائة وسبعةً وأربعين قتيلًا من الأبرياء الذين "لا شبق لهم ولا عبق" بهذه الحرب"(52 – 53)، ومثل ذلك كثير.
تعنى الكاتبة بتوظيف الأمثال الشعبيّة التي تنسحب على معظم أحداث الرواية؛ إمّا لتقريب الحدث من مدارك القارئ، أو لإضفاء مزيد من الواقعيّة على الرواية، ومن ذلك قول الراوية/ الكاتبة: "لا أدري هل فحوى المثلين "رجعت حليمة لعادتها القديمة" و "مَنْ شبّ على شيء شاب عليه" ينطبق على وضع ثريّا الماضي سليمان أو ثريّا سليمان، أمرها غريب محيّرٌ أو بالأصحّ مثير للشكّ"(22). وعن الشكوك حول انتحار أحلام، وعدم رحمة الشيوخ لها والصلاة عليها تقول: "فقتيل ذراعه لا رُحِمَ"(67)، ومن ذلك أيضًا: "كول كما يليق لك والبس كما يليق بالناس"(69)، و "العين تأخذ حقّها من الحجر"(76)، و"كِبِر البصل وتْدَوّر ونِسي زمانُه الأوّل"(246)، و"القالب غالب"(296)، و"طبّ الجرّة على فمها بتطلع البنت لأمّها"(298)، وفي هذه الأمثال ما يكشف عن أمور كثيرة، كأهمّيّة التربية وأثرها في صقل شخصيّة الإنسان وسلوكه، أو عناية المجتمع بالمظهر اللائق، والحذر من قضيّة الحسد، السلوك وفق ما يمليه الدين والعُرف، وغير ذلك ممّا يعكس معتقدات، عادات، وأخلاق هذا المجتمع.
تعدّد الضمائر
ينسحب مبدأ التعدّديّة، كما قدّمنا، على شعريّة الرواية وكلّ مقوّماتها، هذه التعدّديّة التي تتجلّى أيضًا في توظيف الضمائر الثلاثة؛ تفتتح الراوية/ ثريّا عمليّة السرد بضمير المتكلّم، ثمّ تتحوّل عنه إلى ضمير الغائب، ومنه تقفز إلى ضمير المخاطب كصنيع معظم الرواة، فلا يلتزم أحدهم بضمير واحد، بل تتناوب الضمائر على عمليّة السرد حتّى نهاية الرواية، باستثناء أحلام التي يغلب ضمير المتكلّم على سردها.
تقول الراوية/ ثريّا في استهلال الرواية معبّرة عمّا أصابها لموت أحلام، أقرب المقرّبات إليها: "دموعي لم تجفّ بعد وأنا أفتح ما أعطتني أحلام، لقد ازداد فضولي بعد عدّة إشاعات دارت حول سبب وفاتها اليوم بالذات، ومن الطبيعيّ أن أسمع أنا نفسي بالإشاعات أو على الأصحّ، أن أشعر بتداولها في النفوس ما دمتُ صامدة بقلب الحدث، أتجرّع كأس الفراق"(15)، ويتكرّر توظيف ضمير المتكلّم في كلّ المواضع التي تزجّ الراوية نفسها فيه، لتعكس علاقتها بزوجها مثلًا، أو تكشف مدى متعتها في رحلتها إلى سوريّا، أو لتوضّح علاقتها بصديقتها فاطمة، طلابها، ومنهجها في الحياة، ونحو ذلك.
يتحوّل السرد إلى ضمير الغائب، خاصّة عندما تسرد الراوية ما يتعلّق بغيرها من أحداث، ومن نماذج ذلك ما ذكرته الراوية/ الكاتبة عن ندوة ثريّا التي أجريت لها في نادي حيفا الثقافي، وفيها تقول: "بدأت الندوة بما يشبه التعريف بثريّا وإنجازاتها وتطلّعاتها، وبعدها بدأ بعض المشاركين بالتعليق حول مقال كانت قد برّرت فيه وضع الدروز في هذه الدولة، وهي تدافع فيه بطريقة غير مباشرة عن بني معروف الذين يؤيّدون النظام أينما وُجدوا، وفي أيّ دولة يستوطنون بها"(50 – 51).
يبرز في الرواية خطاب الغائب المنثور على مساحات واسعة من الرواية، ومن ذلك خطاب ثريّا لأحلام الميتة، فتسائلها قائلة: "لماذا.. لماذا يا أحلام تورطّينني أنا بهذه الورطة؟! لماذا حتّمت عليّ فضّ أوراقك أنت الغالية على قلوبنا جميعًا؟ ولكن اعذريني، فأمير أغلى منك، وابنتي رغم كلّ شيء ما زالت تتمنّاه، أو بتعبير أدقّ تحبّه، بأوراقك هذه ستجعلينني أخربش سكينة الجميع عندما أداهمهم بهذه الفاجعة!!"(216)، بذلك تشير ثريّا إلى الوزر الذي حمّلتها إيّاه أحلام عندما سلّمتها أوراقها. ونجد مثل هذا الخطاب في مواضع أخرى من الرواية التي تنتهي مع الراوية/ الكاتبة وهي تخاطب أحلام الميتة مشيرة إلى مشروعها في الكشف عن هويّة القاتل، ومن ذلك قولها: "الوحيد التي [الذي] كانت مهمّتي صعبة معه وقد حِرْتُ أشدّ الحيرة بهذا الشأن، هو توأم روحك أخوك ماهر، ولكن عمّك وسام شجّعني وكذلك نضال لأن أقابله، لأنّه عرف التفاصيل المهمّة بكلّ الحكاية منها، وعليك أن تعرفي أنّ أحلام سليمان لا تعرف القصّة الحقيقيّة حتّى الآن"(378).
إنّ توظيف هذه الضمائر في النصّ الواحد من شأنه أن يبعد الملل عن نفس القارئ ويقلّل من رتابة السرد، كما يعكس وجهات نظر مختلفة أحيانًا أو متشابهة للحدث الواحد، إضافة لما يحدثه من تيقّظ ذهن القارئ مع تحوّل السرد من ضمير لآخر، ناهيك بما تضفي بعض هذه الضمائر من موضوعيّة على السرد كضمير الغائب، أو غياب هذه الموضوعيّة مع ضمير المتكلّم، زد على ذلك تلك الهزّة الشعوريّة التي يحدثها ضمير المخاطب في نفس القارئ وهو يتجوّل بين المقاطع العديدة من خطاب الميت، الأمر الذي يشهد للكاتبة على تمكّنها من آليّات السرد الحديث، وسيطرتها على عمليّة السرد، علاوة على ما تضيفه من تفاصيل جديدة على حبكة الرواية مع كلّ مقطع خطابيّ.
تعدّد أساليب السرد
تكثّف الكاتبة في روايتها من توظيف أساليب السرد الحديث التي تتزاحم وتحتشد في تضاعيف الرواية بصورة بارزة، كالمونولوج، الحوارات، الاستفهامات البلاغيّة، الاستطراد، الاسترجاع، التداعيات، الاقتباس، التناصّ، ونحو ذلك، ممّا يثقل بعضها على فكر القارئ، أو يخرجه أحيانًا من رتابة السرد، وقد يمكّنه بعضها الآخر من ولوج عوالم جديدة توسّع مداركه، أو تخلخل عمليّة لملمة خيوط الحبكة الرئيسة، وهو يغوص في عوالم الشخصيّات الداخليّة فيدرك كنهها، ويعي سلوكها ويعلّله اعتمادًا على ما يصدر عنها.
تتّكئ الرواية على تقنيّة وأسلوب التناصّ من الموروث الفكريّ والأدبيّ العالميّ والعربيّ؛ دعمًا للفكرة المطروحة، ومن ذلك ما ورد على لسان البطلة أحلام وهي تعبّر عن براعة عمّها مفيد في التعبير، فتقول: "وأنا مَنْ تؤثّر بي الكلمة قبل النظرة والمأخوذة "بسقراط الحكيم" الذي قال جملته الشهيرة: "تكلّم حتّى أراك" وبقول "الإمام عليّ بن أبي طالب" الرجال صناديق مغلقة مفاتيحها الكلام" فما أنْ تكلّمَ وما أن انفتح صندوقه حتّى خششت فيه، وعدا عن: (يا قوم أذني لبعض الحيّ صاغية والأذن تعشق قبل العين أحيانا)، فما أصاب بشّار بن برد الأعمى أصابني"(306)، مع تحريف بسيط في التعبير "أذني عاشقة" الذي استبدلته ب"أذني صاغية". تواصل الكاتبة إبحارها في الموروث الدينيّ، وخاصّة القرآن الكريم الذي تنهل منه ما يعزّز فكرتها، كقول ثريّا: "وتحضرني هنا حادثة كان لها الأثر الكبير في نفسي، ورغم غضبي لحصولها في البداية ولكن جنيت الخير منها بالنهاية، دعمًا للآية القرآنيّة "ولا تكرهوا شيئًا علّه خيرٌ لكم"، وأهمّ ما جنيت هو تقرّب مجدي للدين أكثر"(110)، رغم ما في اقتباسها هذا من عدم دقّة، فقد ورد في القرآن الكريم: "وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم"(البقرة، آية 216)، لكنّها تتوخّى الدقة في اقتباساتها الأخرى من القرآن الكريم كالآية رقم 112، من سورة النحل (36).
تستقي الكاتبة اقتباساتها الأخرى من الموروث الشعريّ القديم والحديث، كقطري بن الفجاءة الذي تتجاهل ذكر اسمه (18 – 19)، المتنبّي الذي تُحوّر في شعره المقتبس(20)، أحمد شوقي(20)، ابن الرومي(45)، وغيرهم، ونراها مأخوذة بشعر شوقي، فتعمد لشرح أبياته المقتبسة، ربّما خشية إساءة فهمها، ففي سياق حديثها عن جمال البطلة أحلام الخالد تقحم أبيات شوقي في الجمال لتؤكّد جمال البطلة، فتقول:
(الحسنُ حَلَفْتُ بيُوسُفِهِ والسورةِ أنّك مفردهُ
قد ودّ جمالَك أو قبسًا حوراءُ الخُلْدِ وأمْرَدُه
وتمنّت كلّ مقطّعةٍ يدها لو تُبْعَثُ تشهدهُ)
ثمّ تردف هذه الأبيات بقولها: "هذه الأبيات برأيي، من أجمل الأبيات التي نظمت لوصف الجمال، وقد يبالغ "أحمد شوقي" بوصف جمال محبوبته الذي يضاهي جمال يوسف الصدّيق عليه السلام، فحتّى اللّاتي مُتْنَ بزمنه يتمنّيْنَ العودة إلى الحياة كي يشهدن جمال محبوبته، فإذًا كيف لهذا الجمع الغفير ألّا يكون بسهرتها ليشهد جمالها؟!"(20 – 21).
تحشد الكاتبة في تضاعيف روايتها استفهامات بلاغيّة كثيرة، فتتيح للقارئ المشاركة في إنتاج النصّ من ناحية، وتصوّر من ناحية أخرى ما يجيش في نفس الشخصيّة من توتّر ات تلفظها الشخصيّة عبرها، وهي منتشرة على مساحة الرواية برمّتها، ومن ذلك ما تطرحه ثريّا متسائلة: "كيف أفكّر هكذا قبل معرفة السبب الذي جعل أمير يقتلك [...] فليتك صرّحتِ بالذي حصل ليؤدّي إلى كلّ هذه المآسي؟! ليتكِ بُحْتِ بالحاصل ولم تسدلي الستائر على ما أدّى لهلاكك، ولربّما لهلاكِ غيرك؟! ويا هل ترى بأيّ الأوراق تنعين خبر إيلامك؟! ألا أجازف بتركي للأوراق محفوظة عندي أو غير متلفة إذ قد تقع بيد شخص آخر؟"(217). تنسحب هذه الاستفهامات على سيرورة السرد منذ بداية الرواية حتّى نهايتها، ممّا يثير ذهن القارئ ويدفعه لمواصلة القراءة، ومنها ما جاء بعد إعلان الدكتور وسام أنّ أحلام ماتت بالسكتة القلبيّة، تقول الراوية/ الكاتبة: "ما الذي دفعه لإعلان ذلك ولإخفاء أمر السمّ، وهو الطبيب الذي يحترم ويقدِّس مهنته لأبعد الحدود؟ [...] وأمّا بالنسبة للأمر الثاني؛ كونها غير عذراء، فمن الذي فضّ بكارتها؟ هل هو ابنه خطيبها الحاضر، أم خطيبها السابق، أم شخصٌ آخر قد لا يخطر بالبال؟ وهل إعلان الوفاة بالسكتة القلبيّة كان لدرء مصائب، وتحاشي مضاعفات أصعب من ذلك بالنسبة له؟"(66).
تتوقّف عمليّة السرد في مواضع عديدة من الرواية لاسترجاع بعض التفاصيل التي أهملت في الرواية، ويلاحظ القارئ استطراد الساردة وخروجها من دائرة السرد الأساس لدوائر أخرى ومن ذلك استرجاع ما قيل عن عمّها مفيد(341)، أو تعليل عدم مشاركة أحلام الخالد في رحلة مدرسيّة، وعرض وضع عائلتها الاقتصاديّ(347) ويستنزف الاسترجاع في بعض المقاطع السرديّة أكثر من عشرين صفحة كحديث ثريّا عن رحلتها مع والدتها إلى سوريّا (80 – 106)، ناهيك بالتداعيات الموظّفة في الرواية كصنيع ثريّا وهي تستدعي رحلتها وزوجها مجدي بصحبة عائلة الدكتور وسام ومروج إلى أنطاليا – تركيّا(88)، أو مرافقتها لزوجة أخيها سالم إلى مستشفى صفد(89)، أو رحلتها مع عائلتها إلى إيطاليا وما جرّت عليهم من متاعب لعدم الدّقّة في مدّة أيّام الرحلة(125 – 126)، وغير ذلك.
تعقد الكاتبة عدّة مقاطع حواريّة بين شخصيّات الرواية، فتكشف اختلاف وجهات النظر في الموضوع المطروح، كالحوار الذي دار بين ثريّا والراوية/ الكاتبة حول علاقة ثريّا بمجدي(25)، أو المشهد الحواري بين أحلام الخالد وخطيبها أمير بعد مصارحتها له بما جرى بينها وبين عمّها مفيد فأفقدها عذريّتها، الأمر الذي أثار غضب أمير، وتمنّى لو لم تخبره بالأمر، مؤكّدًا أنّه ما زال على حبّها، رغم تورّطه في ذلك الحبّ(64)، وكذلك المقطع الحواري الطويل بين أحلام الخالد وأمّها سهام حول اقتراح أمّها بأن تترك أمير و تتزوّج من شريف، ابن أخ مفيد لإنقاذها من مأساتها، وقد تشعّب هذا الحوار حتّى وصل إلى علاقة أحلام بجدّتها أمّ السعيد وأعمامها، تلك العلاقة التي أساءت لأمّها سهام، فشوّهوا سمعتها(291 – 293).
ما يُؤخذ على الرواية
رغم كلّ ما تقدّم، تبقى بعض المآخذ التي نسجّلها على الرواية ونأمل تجاوزها في نتاج الكاتبة القادم، ومن ذلك ما يجده القارئ من ترهّل سرديّ طويل في مواضع كثيرة من الرواية، كحديثها عن مبدأ التقمّص، الزيارة إلى سوريّا التي استنفذت صفحات كثيرة، استطرادات كثيرة وطويلة من شأنها أن تبعث الملل في نفس القارئ، إضافة لظاهرة تكرار الحدث مرّات كثيرة دونما حاجة لذلك، كتكرار علاقة أحلام بأمير، الحديث عن الحرب، الدروز وموقفهم من السلطة حيثما حلّوا، الشكّ في أبوّة سعيد الخالد لأحلام وأخيها ماهر، ورمي أمّهما سهام بشرفها، تكرار علاقة ثريّا بزوجها مجدي وعلاقتها بنضال، تكرار كثير عن عمّها مفيد، وغير ذلك.
وممّا يؤخذ أيضًا على الرواية توظيف اقتباسات كثيرة جدًّا، فرغم أنّها تشهد بثقافتها الواسعة، وتدعم الحدث، فتلقي عليه مزيدًا من الضوء، إلّا أنّها تثقل على مدارك القارئ مع تزاحمها، كما ورد على لسان أبقراط، المعرّي، قدري طوقان، باولو كويلو، الشيخ علي جمعة، كتاب "صفحات لم تقرأ" لمحمود هايل الجباعيّ، وغير هم، إضافة لعدم الدقّة أو التحريف في بعض الآيات القرآنيّة، الأشعار، وغيرها، زد على ذلك ما تقحمه على الرواية من أمور هي في غنًى عنها، كذكر حكاية "معاذة العنبريّة" للجاحظ، وزجّ مضامين نحويّة في تضاعيف السرد ولا مسوّغ لذلك، إذ تقول أحلام: "فما أنّ وإنّ إلّا لتأكيد غرقي بوحل آثامي، رغم الاستنجاد بلعلّ خروجي من هذا الموقف قد يكون عكس ما أتوقّع وليت هذا صحيح وكأنّ ما حصل يوما لم يحصل، ولكنّني أرى الحياة هازئة بي"(332)، وما صنيعها هذا إلّا لتعكس قدرتها النحويّة، تلك القدرة التي تتراجع في بعض المواضع مع توظيفها بصورة غير دقيقة، ومن ذلك قولها: "أجزتُ"(53) بدلًا من "أوجزتُ"، أو قولها: "لا تتبقَّ"(366)، متوهّمة أنّ "لا" هي الناهية، رغم كونها نافية لا تجزم، فالصحيح "لا تتبقّى"، أو قولها: "فتشاؤمك ويأسك أدّى إلى هذا الخراب والحطام"، والأولى أن تقول "أدّيا"، وكذلك قولها: "ولماذا لا يكون هذا كذب وافتراء"(236)، والصحيح "لماذا لا يكون هذا كذبًا وافتراء"، وغيرها من الأخطاء النحويّة التي نؤمن بقدرة الكاتبة على تجاوزها، إضافة لبعض الأخطاء الإملائيّة، مثل: "لن نفاجأها"(137)، والصحيح "لن نفاجئها"، و"مدى ملائمتها"، والصحيح "مدى ملاءمتها".
وبعد؛ فعلى الرغم ممّا سجّلناه من مآخذ على رواية "صمت الأحلام" تبقى رواية راقية، غنيّة، ومثيرة بكلّ مقوّماتها؛ كالمستويات اللغويّة المختلفة التي تعكس ما تتمتّع به الكاتبة من سيطرة على زمام اللغة، رغم ما أشرنا إليه من بعض الزلّات، وما تعكسه من جرأة بالغة في طرح مضامين محظورة، كما تقدّم الرواية شهادة صادقة لقدرة الكاتبة على احتواء كلّ أحداثها، على ما فيها من تعدّد في الطروحات، وتداخل في الأحداث، ممّا يثبت إدراك الكاتبة لكلّ صغيرة وكبيرة تبثّها في تضاعيف روايتها، ناهيك بما توظّف من التقنيّات والأساليب السرديّة التي تحشدها في روايتها وتؤكّد براعتها في السرد وسعة اطّلاعها على المنجز الأدبيّ العالميّ والعربيّ، وتمكّنها من توظيفها في سردها الروائيّ بحنكة ودراية، ممّا يجعلنا نستشرف مستقبلًا واعدًا للكاتبة من شأنه أن يرقى بأدب المرأة العربيّة عامّةً والمرأة الدرزيّة خاصّةً، ويحدث قفزة نوعيّة في أدب المرأة الفلسطينيّة المحلّيّة بصورة عامّة.


.jpg)




.png)

.jpg)


.png)

